قَالَ ﵁ اخْتلفت عبارَة أَصْحَابنَا فِي معنى الْبَيَان
قَالَ أَكْثَرهم هُوَ إِظْهَار الْمَعْنى وإيضاحه للمخاطب مُنْفَصِلا عَمَّا تستر بِهِ
وَقَالَ بَعضهم هُوَ ظُهُور المُرَاد للمخاطب وَالْعلم بِالْأَمر الَّذِي حصل لَهُ عِنْد الْخطاب وَهُوَ اخْتِيَار أَصْحَاب الشَّافِعِي لِأَن الرجل يَقُول بَان لي هَذَا الْمَعْنى بَيَانا أَي ظهر وَبَانَتْ الْمَرْأَة من زَوجهَا بينونة أَي حرمت وَبَان الحبيب بَينا أَي بعد وكل ذَلِك عبارَة عَن الِانْفِصَال والظهور وَلكنهَا بمعان مُخْتَلفَة فاختلفت المصادر بحسبها
وَالأَصَح هُوَ الأول أَن المُرَاد هُوَ الْإِظْهَار فَإِن أحدا من الْعَرَب لَا يفهم من إِطْلَاق لفظ الْبَيَان الْعلم الْوَاقِع للمبين لَهُ وَلَكِن إِذا قَالَ الرجل بَين فلَان كَذَا بَيَانا وَاضحا فَإِنَّمَا يفهم
[ ٢ / ٢٦ ]
مِنْهُ أَنه أظهره إِظْهَارًا لَا يبْقى مَعَه شكّ وَإِذا قيل فلَان ذُو بَيَان فَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْإِظْهَار أَيْضا وَقَول رَسُول الله إِن من الْبَيَان لسحرا يشْهد لما قُلْنَا إِنَّه عبارَة عَن الْإِظْهَار وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿علمه الْبَيَان﴾ وَالْمرَاد الْإِظْهَار وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ مَأْمُورا بِالْبَيَانِ للنَّاس قَالَ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَقد علمنَا أَنه بَين للْكُلّ
وَمن وَقع لَهُ الْعلم ببيانه أقرّ وَمن لم يَقع لَهُ الْعلم أصر
وَلَو كَانَ الْبَيَان عبارَة عَن الْعلم الْوَاقِع للمبين لما كَانَ هُوَ متمما للْبَيَان فِي حق النَّاس كلهم
وَقَول من يَقُول من أَصْحَابنَا حد الْبَيَان هُوَ الْإِخْرَاج عَن حد الْإِشْكَال إِلَى التجلي لَيْسَ بِقَوي فَإِن هَذَا الْحَد أشكل من الْبَيَان وَالْمَقْصُود بِذكر الْحَد زِيَادَة كشف الشَّيْء لَا زِيَادَة الْإِشْكَال فِيهِ ثمَّ هَذَا الْحَد لبَيَان الْمُجْمل خَاصَّة وَالْبَيَان يكون فِيهِ وَفِي غَيره
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد الْفُقَهَاء وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين أَن الْبَيَان يحصل بِالْفِعْلِ من رَسُول الله ﵇ كَمَا يحصل بالْقَوْل
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يكون الْبَيَان إِلَّا بالْقَوْل بِنَاء على أصلهم أَن بَيَان الْمُجْمل لَا يكون إِلَّا مُتَّصِلا بِهِ وَالْفِعْل لَا يكون مُتَّصِلا بالْقَوْل
فَأَما عندنَا بَيَان الْمُجْمل قد يكون مُتَّصِلا بِهِ وَقد يكون مُنْفَصِلا عَنهُ على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ الدَّلِيل على أَن الْبَيَان قد يحصل بِالْفِعْلِ أَن جِبْرِيل ﵇ بَين مَوَاقِيت الصَّلَاة للنَّبِي ﵇ بِالْفِعْلِ حَيْثُ أمه فِي الْبَيْت فِي الْيَوْمَيْنِ وَلما سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن مَوَاقِيت الصَّلَاة قَالَ للسَّائِل صل مَعنا ثمَّ صلى فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَبين لَهُ الْمَوَاقِيت بِالْفِعْلِ وَقَالَ لأَصْحَابه خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَفِي هَذَا تنصيص على أَن فعله مُبين لَهُم وَلِأَن الْبَيَان عبارَة عَن إِظْهَار المُرَاد فَرُبمَا يكون ذَلِك بِالْفِعْلِ أبلغ مِنْهُ بالْقَوْل أَلا ترى أَنه أَمر أَصْحَابه بِالْحلقِ عَام الْحُدَيْبِيَة فَلم يَفْعَلُوا ثمَّ لما رَأَوْهُ حلق بِنَفسِهِ حَلقُوا فِي الْحَال فَعرفنَا أَن إِظْهَار المُرَاد يحصل بِالْفِعْلِ كَمَا يحصل بالْقَوْل
ثمَّ الْبَيَان على خَمْسَة أوجه بَيَان تَقْرِير وَبَيَان تَفْسِير وَبَيَان تَغْيِير وَبَيَان تَبْدِيل وَبَيَان ضَرُورَة
للخصوص فَيكون الْبَيَان قَاطعا للاحتمال مقررا للْحكم على مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِر وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فصيغة
[ ٢ / ٢٧ ]
فَأَما بَيَان التَّقْرِير فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة الَّذِي يحْتَمل الْمجَاز وَالْعَام الْمُحْتَمل الْجمع تعم الْمَلَائِكَة على احْتِمَال أَن يكون المُرَاد بَعضهم وَقَوله تَعَالَى ﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ بَيَان قَاطع لهَذَا الِاحْتِمَال فَهُوَ بَيَان التَّقْرِير
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا طَائِر يطير بجناحيه﴾ يحْتَمل الْمجَاز لِأَن الْبَرِيد يُسمى طائرا فَإِذا قَالَ يطير بجناحيه بَين أَنه أَرَادَ الْحَقِيقَة
وَهَذَا الْبَيَان صَحِيح مَوْصُولا كَانَ أَو مَفْصُولًا لِأَنَّهُ مُقَرر للْحكم الثَّابِت بِالظَّاهِرِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق ثمَّ قَالَ نَوَيْت بِهِ الطَّلَاق عَن النِّكَاح أَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر ثمَّ قَالَ نَوَيْت بِهِ الْحُرِّيَّة عَن الرّقّ وَالْملك فَإِنَّهُ يكون ذَلِك بَيَانا صَحِيحا لِأَنَّهُ تَقْرِير للْحكم الثَّابِت بِظَاهِر الْكَلَام لَا تَغْيِير لَهُ
وَأما بَيَان التَّفْسِير فَهُوَ بَيَان الْمُجْمل والمشترك فَإِن الْعَمَل بِظَاهِرِهِ غير مُمكن وَإِنَّمَا يُوقف على المُرَاد للْعَمَل بِهِ بِالْبَيَانِ فَيكون الْبَيَان تَفْسِيرا لَهُ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَنَظِيره من مسَائِل الْفِقْه إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت بَائِن أَو أَنْت عَليّ حرَام فَإِن الْبَيْنُونَة وَالْحُرْمَة مُشْتَركَة فَإِذا قَالَ عنيت بِهِ الطَّلَاق كَانَ هَذَا بَيَان تَفْسِير ثمَّ بعد التَّفْسِير الْعَمَل بِأَصْل الْكَلَام وَلِهَذَا أثبتنا بِهِ الْبَيْنُونَة وَالْحُرْمَة
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم وَفِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة ثمَّ قَالَ عنيت بِهِ نقد كَذَا فَإِنَّهُ يكون ذَلِك بَيَان تَفْسِير
وَسَائِر الْكِنَايَات فِي الطَّلَاق وَالْعتاق على هَذَا أَيْضا
ثمَّ هَذَا النَّوْع يَصح عِنْد الْفُقَهَاء مَوْصُولا ومفصولا وَتَأْخِير الْبَيَان عَن أصل الْكَلَام لَا يُخرجهُ من أَن يكون بَيَانا وعَلى قَول بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والمشترك عَن أصل الْكَلَام لِأَن بِدُونِ الْبَيَان لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ وَالْمَقْصُود بِالْخِطَابِ فهمه وَالْعَمَل بِهِ فَإِذا كَانَ ذَلِك لَا يحصل بِدُونِ الْبَيَان فَلَو جَوَّزنَا
[ ٢ / ٢٨ ]
تَأْخِير الْبَيَان أدّى إِلَى تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع يُوضحهُ أَنه لَا يحسن خطاب الْعَرَبِيّ بلغَة التركية وَلَا خطاب التركي بلغَة الْعَرَب إِذا علم أَنه لَا يفهم ذَلِك إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ ترجمان يبين لَهُ وَإِنَّمَا لَا يحسن ذَلِك لِأَن الْمَقْصُود بِالْخِطَابِ إفهام السَّامع وَهُوَ لَا يفهم فَكَذَلِك الْخطاب بِلَفْظ مُجمل بِدُونِ بَيَان يقْتَرن بِهِ لَا يكون حسنا شرعا لِأَن الْمُخَاطب لَا يفهم المُرَاد بِهِ وَإِنَّمَا يَصح مَعَ الْبَيَان لِأَن الْمُخَاطب يفهم المُرَاد بِهِ
وَلَكنَّا نقُول الْخطاب بالمجمل قبل الْبَيَان مُفِيد وَهُوَ الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد بِهِ مَعَ انْتِظَار الْبَيَان للْعَمَل بِهِ وَإِنَّمَا يكون هَذَا تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع أَن لَو أَوجَبْنَا الْعَمَل بِهِ قبل الْبَيَان وَلَا نوجب ذَلِك وَلَكِن الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِيهِ أهم من الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ بِهِ فَكَانَ حسنا صَحِيحا من هَذَا الْوَجْه أَلا ترى أَن الِابْتِلَاء بالمتشابه كَانَ باعتقاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد بِهِ من غير انْتِظَار الْبَيَان فَلِأَن يكون الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِي الْمُجْمل مَعَ انْتِظَار الْبَيَان صَحِيحا كَانَ أولى
ومخاطبة الْعَرَبِيّ بلغ التركية تَخْلُو عَن هَذِه الْفَائِدَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ وَبَيَان مَا قُلْنَا فِي قصَّة مُوسَى ﵇ مَعَ معلمه فَإِنَّهُ كَانَ مبتلى باعتقاد الحقية فِيمَا فعله معلمه مَعَ انْتِظَار الْبَيَان وَمَا كَانَ سُؤَاله فِي كل مرّة إِلَّا استعجالا مِنْهُ للْبَيَان الَّذِي كَانَ منتظرا لَهُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَمَا بَينه لَهُ مَا أخبر الله عَن معلمه ﴿ذَلِك تَأْوِيل مَا لم تسطع عَلَيْهِ صبرا﴾
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز تَأْخِير دَلِيل الْخُصُوص فِي الْعُمُوم فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ دَلِيل الْخُصُوص إِذا اقْترن بِالْعُمُومِ يكون بَيَانا وَإِذا تَأَخّر لم يكن بَيَانا بل يكون نسخا
وَقَالَ الشَّافِعِي يكون بَيَانا سَوَاء كَانَ مُتَّصِلا بِالْعُمُومِ أَو مُنْفَصِلا عَنهُ
وَإِنَّمَا يبتنى هَذَا الْخلاف على الأَصْل الَّذِي قُلْنَا إِن مُطلق الْعَام عندنَا يُوجب الحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا كالخاص وَعند الشَّافِعِي يُوجب الحكم على احْتِمَال الْخُصُوص بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي ثَبت خصوصه بِالدَّلِيلِ فَيكون دَلِيل الْخُصُوص على مذْهبه فيهمَا بَيَان التَّفْسِير لَا بَيَان التَّغْيِير فَيصح مَوْصُولا ومفصولا
وَعِنْدنَا لما
[ ٢ / ٢٩ ]
كَانَ الْعَام الْمُطلق مُوجبا للْحكم قطعا فدليل الْخُصُوص فِيهِ يكون مغيرا لهَذَا الحكم فَإِن الْعَام الَّذِي دخله خُصُوص لَا يكون حكمه عندنَا مثل حكم الْعَام الَّذِي لم يدْخلهُ خُصُوص وَبَيَان التَّغْيِير إِنَّمَا يكون مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا على مَا يَأْتِيك بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعَلى هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِذا أوصى لرجل بِخَاتم وَلآخر بفصه فَإِن كَانَ فِي كَلَام مَوْصُول فَهُوَ بَيَان وَتَكون الْحلقَة لأَحَدهمَا والفص للْآخر وَإِن كَانَ فِي كَلَام مفصول فَإِنَّهُ لَا يكون بَيَانا وَلَكِن يكون إِيجَاب الفص للْآخر ابْتِدَاء حَتَّى يَقع التَّعَارُض بَينهمَا فِي الفص فَتكون الْحلقَة للْمُوصى لَهُ بالخاتم والفص بَينهمَا نِصْفَانِ
وَأما بَيَان الْمُجْمل فَلَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة بل هُوَ بَيَان مَحْض لوُجُود شَرطه وَهُوَ كَون اللَّفْظ مُحْتملا غير مُوجب للْعَمَل بِهِ بِنَفسِهِ وَاحْتِمَال كَون الْبَيَان الملحق بِهِ تَفْسِيرا وإعلاما لما هُوَ المُرَاد بِهِ فَيكون بَيَانا من كل وَجه وَلَا يكون مُعَارضا فَيصح مَوْصُولا ومفصولا وَدَلِيل الْخُصُوص فِي الْعَام لَيْسَ بِبَيَان من كل وَجه بل هُوَ بَيَان من حَيْثُ احْتِمَال صِيغَة الْعُمُوم للخصوص وَهُوَ ابْتِدَاء دَلِيل معَارض من حَيْثُ كَون الْعَام مُوجبا الْعَمَل بِنَفسِهِ فِيمَا تنَاوله فَيكون بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط فَيصح مَوْصُولا على أَنه بَيَان وَيكون مُعَارضا نَاسِخا للْحكم الأول إِذا كَانَ مَفْصُولًا
وَقد بَينا أَدِلَّة هَذَا الأَصْل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْخلاف وَإِنَّمَا أعدناه هُنَا للْحَاجة إِلَى الْجَواب عَن نُصُوص وَشبه يحْتَج بهَا الْخصم
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَثمّ للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي فقد ضمن الْبَيَان بعد إِلْزَام الِاتِّبَاع وإلزام الِاتِّبَاع إِنَّمَا يكون بِالْعَام دون الْمُجْمل إِذْ المُرَاد بالاتباع الْعَمَل بِهِ فَعرفنَا أَن الْبَيَان الَّذِي هُوَ خُصُوص قد يتَأَخَّر عَن الْعُمُوم
وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة نوح ﵊ ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك﴾ وَعُمُوم اسْم الْأَهْل يتَنَاوَل ابْنه ولأجله كَانَ سُؤال نوح بقوله ﴿إِن ابْني من أَهلِي﴾ ثمَّ بَين الله تَعَالَى لَهُ بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵊ مَعَ ضَيفه الْمُكرمين ﴿إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة﴾ وَعُمُوم هَذَا اللَّفْظ يتَنَاوَل لوطا وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل ﵇ إِن فِيهَا لوطا ثمَّ بينوا لَهُ فَقَالُوا ﴿لننجينه وَأَهله﴾ فَدلَّ أَن دَلِيل الْخُصُوص يجوز أَن ينْفَصل عَن الْعُمُوم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾
[ ٢ / ٣٠ ]
ثمَّ لما عَارضه ابْن الزبعري بِعِيسَى وَالْمَلَائِكَة ﵈ نزل دَلِيل الْخُصُوص ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قصَّة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُم أمروا بِذبح بقرة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ ثمَّ لما استوصفوها بَين لَهُم صفتهَا وَكَانَ ذَلِك دَلِيل الْخُصُوص على وَجه الْبَيَان مُنْفَصِلا عَن أصل الْخطاب
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن آيَة الْمَوَارِيث عَامَّة فِي إِيجَاب الْمِيرَاث للأقارب كفَّارًا كَانُوا أَو مُسلمين ثمَّ بَين رَسُول الله ﷺ أَن الْإِرْث يكون عِنْد الْمُوَافقَة فِي الدّين لَا عِنْد الْمُخَالفَة فَيكون هَذَا تَخْصِيصًا مُنْفَصِلا عَن دَلِيل الْعُمُوم وَقَوله تَعَالَى ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ عَام فِي تَأْخِير الْمِيرَاث عَن الْوَصِيَّة فِي جَمِيع المَال ثمَّ بَيَان رَسُول الله ﷺ أَن الْوَصِيَّة تخْتَص بِالثُّلثِ تَخْصِيص مُنْفَصِل عَن دَلِيل الْعُمُوم فَدلَّ على أَن ذَلِك جَائِز وَلَا يخرج بِهِ من أَن يكون بَيَانا وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فَإِنَّهُ عَام تَأَخّر بَيَان خصوصه إِلَى أَن كلم عُثْمَان وَجبير بن مطعم ﵄ رَسُول الله فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب كشيء وَاحِد وَقَالَ إِنَّهُم لم يُفَارِقُونِي فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام
ثمَّ قَالُوا تَأْخِير الْبَيَان فِي الْأَعْيَان مُعْتَبر بِتَأْخِير الْبَيَان فِي الْأَزْمَان وبالاتفاق يجوز أَن يرد لفظ مطلقه يَقْتَضِي عُمُوم الْأَزْمَان ثمَّ يتَأَخَّر عَنهُ بَيَان أَن المُرَاد بعض الْأَزْمَان دون الْبَعْض بالنسخ فَكَذَلِك يجوز أَن يرد لفظ ظَاهره يَقْتَضِي عُمُوم الْأَعْيَان ثمَّ يتَأَخَّر عَنهُ دَلِيل الْخُصُوص الَّذِي يتَبَيَّن بِهِ أَن المُرَاد بعض الْأَعْيَان دون الْبَعْض
وَحجَّتنَا فِيهِ أَن الْخصم يوافقنا بالْقَوْل فِي الْعُمُوم وَبطلَان مَذْهَب من يَقُول بِالْوَقْفِ فِي الْعُمُوم وَقد أوضحنا ذَلِك بِالدَّلِيلِ
ثمَّ من ضَرُورَة القَوْل بِالْعُمُومِ لُزُوم اعْتِقَاد الْعُمُوم فِيهِ وَالْقَوْل بِجَوَاز تَأْخِير دَلِيل الْخُصُوص يُؤَدِّي إِلَى أَن يُقَال يلْزمنَا اعْتِقَاد الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد
وكما يجب اعْتِقَاد الْعُمُوم عِنْد وجود صِيغَة الْعُمُوم يجوز الْإِخْبَار بِهِ أَيْضا فَيُقَال إِنَّه عَام
وَفِي جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان بِدَلِيل الْخُصُوص يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِجَوَاز الْكَذِب فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ بَاطِل
[ ٢ / ٣١ ]
وَهَذَا بِخِلَاف النّسخ فَإِن الْوَاجِب اعْتِقَاد الحقية فِي الحكم النَّازِل فَأَما فِي حَيَاة رَسُول الله ﵇ فَمَا كَانَ يجب اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِي ذَلِك الحكم وَلَا إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ مؤبد لِأَن الْوَحْي كَانَ ينزل سَاعَة فساعة ويتبدل الحكم كَالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَتَحْرِيم شرب الْخمر وَمَا أشبه ذَلِك وَإِنَّمَا اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِيهِ وَإِطْلَاق القَوْل بِهِ بعد رَسُول الله لقِيَام الدَّلِيل على أَن شَرِيعَته لَا تنسخ بعده بشريعة أُخْرَى
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ فَنَقُول بالِاتِّفَاقِ لَيْسَ المُرَاد جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن فَإِن الْبَيَان من الْقُرْآن أَيْضا فَيُؤَدِّي هَذَا القَوْل بِأَن لذَلِك الْبَيَان بَيَانا إِلَى مَا لَا يتناهى وَإِنَّمَا المُرَاد بعض مَا فِي الْقُرْآن وَهُوَ الْمُجْمل الَّذِي يكون بَيَانه تَفْسِيرا لَهُ وَنحن نجوز تَأْخِير الْبَيَان فِي مثله فَأَما فِيمَا يكون مغيرا أَو مبدلا للْحكم إِذا اتَّصل بِهِ فَإِذا تَأَخّر عَنهُ يكون نسخا وَلَا يكون بَيَانا مَحْضا وَدَلِيل الْخُصُوص فِي الْعَام بِهَذِهِ الصّفة
وَنَظِيره المحكمات الَّتِي هن أم الْكتاب فَإِن فِيهَا مَا لَا يحْتَمل النّسخ وَيحْتَمل بَيَان التَّقْرِير كصفات الله ﷻ فَكَذَلِك مَا ورد من الْعَام مُطلقًا قُلْنَا إِنَّه يحْتَمل الْبَيَان الَّذِي هُوَ نسخ وَلكنه لَا يحْتَمل الْبَيَان الْمَحْض وَهُوَ مَا يكون تَفْسِيرا لَهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَنهُ
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك﴾ قُلْنَا الْبَيَان هُنَا مَوْصُول فَإِنَّهُ قَالَ ﴿إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ وَالْمرَاد مَا سبق من وعد إهلاك الْكفَّار بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّهُم مغرقون﴾
فَإِن قيل فَفِي ذَلِك الْوَعْد نهي لنوح ﵊ عَن الْكَلَام فيهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا﴾ فَلَو كَانَ قَوْله ﴿إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ منصرفا إِلَى ذَلِك لما استجاز نوح ﵊ سُؤال ابْنه بقوله ﴿إِن ابْني من أَهلِي﴾ قُلْنَا إِنَّمَا سَأَلَ لِأَنَّهُ كَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَان وَكَانَ يظنّ فِيهِ أَنه يُؤمن حِين تنزل الْآيَة الْكُبْرَى وامتد رجاؤه لذَلِك إِلَى أَن آيسه الله تَعَالَى من ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّه عمل غير صَالح﴾ فَأَعْرض عَنهُ عِنْد ذَلِك وَقَالَ ﴿رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم﴾ وَنَظِيره اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم ﵊ لِأَبِيهِ (بِنَاء على رَجَاء أَن يُؤمن كَمَا وعد وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ﴾
[ ٢ / ٣٢ ]
ثمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأهْلك﴾ مَا تنَاول ابْنه الْكَافِر لِأَن أهل الْمُرْسلين من يتابعهم على دينهم وعَلى هَذَا لفظ الْأَهْل كَانَ مُشْتَركا فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد الْأَهْل من حَيْثُ النّسَب وَاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد الْأَهْل من حَيْثُ الْمُتَابَعَة فِي الدّين فَلهَذَا سَأَلَ الله فَبين الله لَهُ أَن المُرَاد أَهله من حَيْثُ الْمُتَابَعَة فِي الدّين وَأَن ابْنه الْكَافِر لَيْسَ من أَهله وَتَأْخِير الْبَيَان فِي الْمُشْتَرك صَحِيح عندنَا
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة﴾ فالبيان هُنَا مَوْصُول فِي هَذِه الْآيَة بقوله ﴿إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ وَفِي مَوضِع آخر بقوله ﴿إِلَّا آل لوط﴾
فَإِن قيل فَمَا معنى سُؤال إِبْرَاهِيم ﵊ الرُّسُل بقوله ﴿إِن فِيهَا لوطا﴾ قُلْنَا فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا أَن الْعَذَاب النَّازِل قد يخص الظَّالِمين كَمَا فِي قصَّة أَصْحَاب السبت وَقد يُصِيب الْكل فَيكون عذَابا فِي حق الظَّالِمين ابتلاء فِي حق المطيعين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾ فَأَرَادَ الْخَلِيل ﵇ أَن يبين لَهُ أَن عَذَاب أهل تِلْكَ الْقرْيَة من أَي الطَّرِيقَيْنِ وَأَن يعلم أَن لوطا ﵇ هَل ينجو من ذَلِك أم يبتلى بِهِ وَالثَّانِي أَنه علم يَقِينا أَن لوطا لَيْسَ من المهلكين مَعَهم وَلكنه خصّه فِي سُؤَاله لِيَزْدَادَ طمأنينة وليكون فِيهِ زِيَادَة تَخْصِيص للوط
وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ وَقد كَانَ عَالما متيقنا بإحياء الْمَوْتَى وَلَكِن سَأَلَهُ لينضم العيان إِلَى مَا كَانَ لَهُ من علم الْيَقِين فَيَزْدَاد بِهِ طمأنينة قلبه
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ فقد قيل إِن هَذَا الْخطاب كَانَ لأهل مَكَّة وهم كَانُوا عَبدة الْأَوْثَان وَمَا كَانَ فيهم من يعبد عِيسَى ﵊ وَالْمَلَائِكَة فَلم يكن أصل الْكَلَام متناولا لَهُم
وَالْأَوْجه أَن يَقُول إِن فِي صِيغَة الْكَلَام مَا هُوَ دَلِيل ظَاهر على أَنه غير متناول لَهُم فَإِن كلمة مَا يعبر بهَا عَن ذَات مَا لَا يعقل وَإِنَّمَا يعبر عَن ذَات من يعقل بِكَلِمَة من إِلَّا أَن الْقَوْم كَانُوا متعنتين يجادلون بِالْبَاطِلِ بعد مَا تبين لَهُم فحين عارضوا بِعِيسَى وَالْمَلَائِكَة ﵇ على رَسُول لمن عارضوا بِهِ وَقد كَانُوا أهل اللِّسَان فَأَعْرض عَن جوابهم امتثالا بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ﴾ ثمَّ بَين الله تَعَالَى تعنتهم الله ﵇ تعنتهم فِي ذَلِك وَأَنَّهُمْ يعلمُونَ أَن الْكَلَام غير
[ ٢ / ٣٣ ]
متناول فِيمَا عارضوا بِهِ بقوله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَمثل هَذَا الْكَلَام يكون ابْتِدَاء كَلَام هُوَ حسن وَإِن لم يكن مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي حق من لَا يتعنت وَإِنَّمَا كلامنا فِيمَا يكون مُحْتَاجا إِلَيْهِ من الْبَيَان ليوقف بِهِ على مَا هُوَ المُرَاد
وَالَّذِي يُوضح تعنت الْقَوْم أَنهم كَانُوا يسمونه مرّة ساحرا وَمرَّة مَجْنُونا وَبَين الوصفين تنَاقض بَين فالساحر من يكون حاذقا فِي عمله حَتَّى يلبس على الْعُقَلَاء وَالْمَجْنُون من لَا يكون مهتديا إِلَى الْأَعْمَال والأقوال على مَا عَلَيْهِ أصل الْوَضع وَلَكنهُمْ لشدَّة الْحَسَد كَانُوا يتعنتون وينسبونه إِلَى مَا يَدْعُو إِلَى تنفير النَّاس عَنهُ من غير تَأمل فِي التَّحَرُّز عَن التَّنَاقُض واللغو
فَأَما قصَّة بقرة بني إِسْرَائِيل فَنَقُول كَانَ ذَلِك بَيَانا بِالزِّيَادَةِ على النَّص وَهُوَ يعدل النّسخ عندنَا والنسخ إِنَّمَا يكون مُتَأَخِّرًا عَن أصل الْخطاب وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ لَو أَنهم عَمدُوا إِلَى أَي بقرة كَانَت فذبحوها لأجزأت عَنْهُم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم
فَدلَّ أَن الْأَمر الأول قد كَانَ فِيهِ تَخْفيف وَأَنه قد انتسخ ذَلِك بِأَمْر فِيهِ تَشْدِيد عَلَيْهِم
فَأَما قَوْله ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فقد قيل إِنَّه مُشْتَرك يحْتَمل أَن يكون المُرَاد قربى النُّصْرَة وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد قربى الْقَرَابَة فَلهَذَا سَأَلَ عُثْمَان وَجبير بن مطعم ﵄ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك وَبَين لَهما رَسُول الله ﷺ أَن المُرَاد قربى النُّصْرَة
أَو نقُول قد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد من يُنَاسِبه إِلَى أقْصَى أَب فَإِن ذَلِك يُوجب دُخُول جَمِيع بني آدم فِيهِ وَلَكِن فِيهِ إِشْكَال أَن المُرَاد من يُنَاسِبه بِأَبِيهِ خَاصَّة أَو بجده أَو أَعلَى من ذَلِك فَبين رَسُول الله ﵇ أَن المُرَاد من يُنَاسِبه إِلَى هَاشم ثمَّ ألحق بهم بني الْمطلب لانضمامهم إِلَى بني هَاشم فِي الْقيام بنصرته فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فَلم يكن هَذَا الْبَيَان من تَخْصِيص الْعَام فِي شَيْء بل هَذَا بَيَان المُرَاد فِي الْعَام الَّذِي يتَعَذَّر فِيهِ القَوْل بِالْعُمُومِ وَقد بَينا أَن مثل هَذَا الْعَام فِي حكم الْعَمَل بِهِ كالمجمل كَمَا فِي قَوْله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ فَيكون الْبَيَان تَفْسِيرا لَهُ فَلهَذَا صَحَّ مُتَأَخِّرًا
فَأَما تَقْيِيد حكم الْمِيرَاث بالموافقة فِي الدّين
[ ٢ / ٣٤ ]
فَهُوَ زِيَادَة على النَّص وَهُوَ يعدل النّسخ عندنَا فَلَا يكون بَيَانا مَحْضا
فَأَما قصر حكم تَنْفِيذ الْوَصِيَّة على الثُّلُث وجوبا قبل الْمِيرَاث فَيحْتَمل أَن السّنة المبينة لَهُ كَانَت قبل نزُول آيَة الْمِيرَاث فَيكون ذَلِك بَيَانا مُقَارنًا لما نزل فِي حَقنا بِاعْتِبَار الْمَعْنى فَإِنَّهُ لما سبق علمنَا بِمَا نزل كَانَ من ضَرُورَته أَن يكون مُقَارنًا لَهُ
فَأَما الْبَيَان الْمُتَأَخر فِي الْأَزْمَان فَهُوَ نسخ وَنحن لَا ندعي إِلَّا هَذَا فَإنَّا نقُول إِنَّمَا يكون دَلِيل الْخُصُوص بَيَانا مَحْضا إِذا كَانَ مُتَّصِلا بِالْعَام فَأَما إِذا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنهُ يكون نسخا
فَتبين أَن مَا اسْتدلَّ بِهِ من الْحجَّة هُوَ لنا عَلَيْهِ
وسنقرره فِي بَاب النّسخ إِن شَاءَ الله تَعَالَى