وَهَذِه وُجُوه أَرْبَعَة نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم جَمِيعًا وَنسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة وَنسخ رسم التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم والنسخ بطرِيق الزِّيَادَة على النَّص
فَأَما الْوَجْه الأول فنحو صحف إِبْرَاهِيم وَمن تقدمه من الرُّسُل ﵈ فقد علمنَا بِمَا يُوجب الْعلم حَقِيقَة أَنَّهَا قد كَانَت نازلة تقْرَأ وَيعْمل بهَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ ثمَّ لم يبْق شَيْء من ذَلِك فِي أَيْدِينَا تِلَاوَة وَلَا عملا بِهِ فَلَا طَرِيق لذَلِك سوى القَوْل بانتساخ التِّلَاوَة وَالْحكم فِيمَا يحْتَمل ذَلِك
وَله طَرِيقَانِ إِمَّا صرف الله تَعَالَى عَنْهَا الْقُلُوب وَإِمَّا موت من يحفظها من الْعلمَاء لَا إِلَى خلف
ثمَّ هَذَا النَّوْع من النّسخ فِي الْقُرْآن كَانَ جَائِزا فِي حَيَاة رَسُول الله ﵇ بقوله تَعَالَى ﴿سنقرئك فَلَا تنسى إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ فالاستثناء دَلِيل على جَوَاز ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها﴾ وَقَالَ ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ فَأَما بعد وَفَاة الرَّسُول ﵊ لَا يجوز هَذَا النَّوْع من النّسخ فِي الْقُرْآن عِنْد الْمُسلمين
وَقَالَ بعض الْمُلْحِدِينَ مِمَّن يتستر بِإِظْهَار الْإِسْلَام وَهُوَ قَاصد إِلَى إفساده هَذَا جَائِز بعد وَفَاته أَيْضا وَاسْتدلَّ فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ كَانَ يقْرَأ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَإِنَّهُ كفر بكم
وَأنس ﵁ كَانَ يَقُول
[ ٢ / ٧٨ ]
قَرَأنَا فِي الْقُرْآن بلغُوا عَنَّا قَومنَا أَنا لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا وأرضانا
وَقَالَ عمر ﵁ قَرَأنَا آيَة الرَّجْم فِي كتاب الله ووعيناها
وَقَالَ أبي بن كَعْب إِن سُورَة الْأَحْزَاب كَانَت مثل سُورَة الْبَقَرَة أَو أطول مِنْهَا
وَالشَّافِعِيّ لَا يظنّ بِهِ مُوَافقَة هَؤُلَاءِ فِي هَذَا القَوْل وَلكنه اسْتدلَّ بِمَا هُوَ قريب من هَذَا فِي عدد الرضعات فَإِنَّهُ صحّح مَا يرْوى عَن عَائِشَة ﵂ وَإِن مِمَّا أنزل فِي الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات يحرمن فنسخن بِخمْس رَضعَات مَعْلُومَات وَكَانَ ذَلِك مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآن بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ الحَدِيث
وَالدَّلِيل على بطلَان هَذَا القَوْل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ المُرَاد الْحِفْظ لَدَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى يتعالى من أَن يُوصف بِالنِّسْيَانِ والغفلة فَعرفنَا أَن المُرَاد الْحِفْظ لدينا فالغفلة وَالنِّسْيَان متوهم منا وَبِه يَنْعَدِم الْحِفْظ إِلَّا أَن يحفظه الله ﷿ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْء من أَوْقَات بَقَاء الْخلق فِي الدُّنْيَا عَن أَن يكون فِيمَا بَينهم مَا هُوَ ثَابت بطرِيق الْوَحْي فِيمَا ابتلوا بِهِ من أَدَاء الْأَمَانَة الَّتِي حملوها إِذْ الْعقل لَا يُوجب ذَلِك وَلَيْسَ بِهِ كِفَايَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَقد ثَبت أَنه لَا نَاسخ لهَذِهِ الشَّرِيعَة بِوَحْي ينزل بعد وَفَاة رَسُول الله ﵇ وَلَو جَوَّزنَا هَذَا فِي بعض مَا أُوحِي إِلَيْهِ لوَجَبَ القَوْل بتجويز ذَلِك فِي جَمِيعه فَيُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِأَن لَا يبْقى شَيْء مِمَّا ثَبت بِالْوَحْي بَين النَّاس فِي (حَال) بَقَاء التَّكْلِيف وَأي قَول أقبح من هَذَا وَمن فتح هَذَا الْبَاب لم يَأْمَن أَن يكون بعض مَا فِي أَيْدِينَا الْيَوْم أَو كُله مُخَالف لشريعة رَسُول الله بِأَن نسخ الله ذَلِك بعده وَألف بَين قُلُوب النَّاس على أَن ألهمهم مَا هُوَ خلاف شَرِيعَته فلصيانة الدّين إِلَى آخر الدَّهْر أخبر الله تَعَالَى أَنه هُوَ الْحَافِظ لما أنزلهُ على رَسُوله وَبِه يتَبَيَّن أَنه لَا يجوز نسخ شَيْء مِنْهُ بعد وَفَاته بطرِيق الاندراس وَذَهَاب حفظه من قُلُوب الْعباد وَمَا ينْقل من أَخْبَار الْآحَاد شَاذ لَا يكَاد يَصح شَيْء مِنْهَا وَيحمل قَول من قَالَ فِي آيَة الرَّجْم إِنَّه فِي كتاب الله أَي فِي حكم الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ أَي حكم الله عَلَيْكُم وَحَدِيث عَائِشَة لَا يكَاد يَصح
[ ٢ / ٧٩ ]
لِأَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِك الحَدِيث وَكَانَت الصَّحِيفَة تَحت السرير فاشتغلنا بدفن رَسُول الله فَدخل دَاجِن الْبَيْت فَأَكله وَمَعْلُوم أَن بِهَذَا لَا يَنْعَدِم حفظه من الْقُلُوب وَلَا يتَعَذَّر عَلَيْهِم إثْبَاته فِي صحيفَة أُخْرَى فَعرفنَا أَنه لَا أصل هَذَا الحَدِيث
فَأَما الْوَجْهَانِ الْآخرَانِ فهما جائزان فِي قَول الْجُمْهُور من الْعلمَاء وَمن النَّاس من يَأْبَى ذَلِك
قَالُوا لِأَن الْمَقْصُود بَيَان الحكم وإنزال المتلو كَانَ لأَجله فَلَا يجوز رفع الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة لخلوه عَمَّا هُوَ الْمَقْصُود وَلَا يجوز نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم لِأَن الحكم لَا يثبت بِدُونِ السَّبَب وَلَا يبْقى بِدُونِ بَقَاء السَّبَب أَيْضا
وَمِنْهُم من يَقُول يجوز نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة وَلَا يجوز نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي وجوب الِاعْتِقَاد فِي المتلو أَنه قُرْآن وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى كَيفَ يَصح أَن يعْتَقد فِيهِ خلاف هَذَا فِي شَيْء من الْأَوْقَات وَالْقَوْل بنسخ التِّلَاوَة يُؤَدِّي إِلَى هَذَا فَكَانَ هَذَا نوعا من الْأَخْبَار الَّتِي لَا يجوز فِيهَا النّسخ
فَأَما دليلنا على وجود نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة قَوْله تَعَالَى ﴿فأمسكوهن فِي الْبيُوت﴾ فَإِن الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ كَانَ حد الزِّنَا وَقد انتسخ هَذَا الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج﴾ فَإِن تَقْدِير عدَّة الْوَفَاة بحول كَانَ منزلا وانتسخ هَذَا الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة
وَقَوله تَعَالَى ﴿فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ فَإِن حكم هَذَا قد انتسخ بقوله ﴿فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم﴾ وَبقيت التِّلَاوَة
وَحكم التَّخْيِير بَين الصَّوْم والفدية قد انتسخ بقوله ﴿فليصمه﴾ وَبقيت التِّلَاوَة وَهُوَ قَوْله ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك أَنه يتَعَلَّق بِصِيغَة التِّلَاوَة حكمان مقصودان أَحدهمَا جَوَاز الصَّلَاة وَالثَّانِي النّظم المعجز وَبعد انتساخ الحكم الَّذِي هُوَ الْعَمَل بِهِ يبْقى هَذَانِ الحكمان وهما مقصودان أَلا ترى أَن بالمتشابه فِي الْقُرْآن إِنَّمَا يثبت هَذَانِ الحكمان فَقَط وَإِذا حسن ابْتِدَاء رسم التِّلَاوَة لهذين الْحكمَيْنِ فالبقاء أولى
وَقد بَينا أَن
[ ٢ / ٨٠ ]
الدَّلِيل الْمُوجب لثُبُوت الحكم لَا يكون مُوجبا للبقاء وبالانتساخ إِنَّمَا يَنْعَدِم بَقَاء الحكم وَذَلِكَ مَا كَانَ مُضَافا إِلَى مَا كَانَ مُوجبا ثُبُوت الحكم فانتهاء الحكم لَا يمْنَع بَقَاء التِّلَاوَة من هَذَا الْوَجْه
وَأما نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم فبيانه فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن صَوْم كَفَّارَة الْيَمين ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات
وَقد كَانَت هَذِه قِرَاءَة مَشْهُورَة إِلَى زمن أبي حنيفَة
وَلَكِن لم يُوجد فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر الَّذِي يثبت بِمثلِهِ الْقُرْآن وَابْن مَسْعُود لَا يشك فِي عَدَالَته وإتقانه فَلَا وَجه لذَلِك إِلَّا أَن نقُول كَانَ ذَلِك مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآن كَمَا حفظه ابْن مَسْعُود ﵁ ثمَّ انتسخت تِلَاوَته فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ بِصَرْف الله الْقُلُوب عَن حفظهَا إِلَّا قلب ابْن مَسْعُود ليَكُون الحكم بَاقِيا بنقله فَإِن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل بِهِ وقراءته لَا تكون دون رِوَايَته فَكَانَ بَقَاء هَذَا الحكم بعد نسخ التِّلَاوَة بِهَذَا الطَّرِيق
وَالدَّلِيل على جَوَازه مَا بَينا أَن بَقَاء الحكم لَا يكون بِبَقَاء السَّبَب الْمُوجب لَهُ فانتساخ التِّلَاوَة لَا يمْنَع بَقَاء الحكم أَلا ترى أَن البيع مُوجب للْملك ثمَّ لَو قطع المُشْتَرِي ملكه بِالْبيعِ من غَيره أَو أزاله بِالْإِعْتَاقِ لم يَنْعَدِم ذَلِك البيع لِأَن الْبَقَاء لم يكن مُضَافا إِلَيْهِ
ثمَّ قد بَينا أَن حكم تعلق جَوَاز الصَّلَاة بتلاوته وَحُرْمَة قِرَاءَته على الْجنب وَالْحَائِض مَقْصُود وَهُوَ مِمَّا يجوز أَن يكون موقتا يَنْتَهِي بِمُضِيِّ مدَّته فَيكون نسخ التِّلَاوَة بَيَان مُدَّة ذَلِك الحكم كَمَا أَن نسخ الحكم بَيَان الْمدَّة فِيهِ وَمَا توهمه بَعضهم فَهُوَ غلط بَين فَإِن بَعْدَمَا اعتقدنا فِي المتلو أَنه قُرْآن وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى لَا نعتقد فِيهِ أَنه لَيْسَ بقرآن وَأَنه لَيْسَ بِكَلَام الله تَعَالَى بِحَال من الْأَحْوَال وَلَكِن بانتساخ التِّلَاوَة يَنْتَهِي حكم تعلق جَوَاز الصَّلَاة بِهِ وَحُرْمَة قرآءته على الْجنب وَالْحَائِض لضَرُورَة أَن الله تَعَالَى رفع عَنَّا تِلَاوَته وَحفظه وَهُوَ نَظِير مَا يَقُول فَإِن رَسُول الله ﷺ بعد مَا قبض نعتقد فِيهِ أَنه رَسُول الله وَأَنه خَاتم الْأَنْبِيَاء ﵈ على مَا كَانَ فِي حَال حَيَاته وَإِن أخرجه الله من بَيْننَا بانتهاء مُدَّة حَيَاته فِي الدُّنْيَا
وأيد جَمِيع مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ ثمَّ قد بَينا أَنه يجوز إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء بِوَحْي غير متلو فَلِأَن يجوز بَقَاء الحكم بَعْدَمَا انتسخ حكم التِّلَاوَة من الْوَحْي المتلو كَانَ أولى
[ ٢ / ٨١ ]
وَأما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ الزِّيَادَة على النَّص فَإِنَّهُ بَيَان صُورَة وَنسخ معنى عندنَا سَوَاء كَانَت الزِّيَادَة فِي السَّبَب أَو الحكم وعَلى قَول الشَّافِعِي هُوَ بِمَنْزِلَة تَخْصِيص الْعَام وَلَا يكون فِيهِ معنى النّسخ حَتَّى جوز ذَلِك بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
وَبَيَان هَذَا فِي النَّفْي مَعَ الْجلد وَقيد صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين
وَجه قَوْله إِن الرَّقَبَة اسْم عَام يتَنَاوَل المؤمنة والكافرة فإخراج الْكَافِرَة مِنْهَا يكون تَخْصِيصًا لَا نسخا بِمَنْزِلَة إِخْرَاج بعض الْأَعْيَان من الِاسْم الْعَام أَلا ترى أَن بني إِسْرَائِيل استوصفوا الْبَقَرَة وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم طلب الْبَيَان الْمَحْض دون النّسخ وَبَعْدَمَا بَينهَا الله لَهُم امتثلوا الْأَمر الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ وَهَذَا لِأَن النّسخ يكون بِرَفْع الحكم الْمَشْرُوع وَفِي الزِّيَادَة تَقْرِير الحكم الْمَشْرُوع وإلحاق شَيْء آخر بِهِ بطرِيق المحاورة فَإِن إِلْحَاق النَّفْي بِالْجلدِ لَا يخرج الْجلد من أَن يكون مَشْرُوعا وإلحاق صفة الْإِيمَان بِالرَّقَبَةِ لَا يخرج الرَّقَبَة من أَن تكون مُسْتَحقَّة الْإِعْتَاق فِي الْكَفَّارَة
وَهَذَا نَظِير حُقُوق الْعباد فَإِن من ادّعى على غَيره ألفا وخمسائة وَشهد لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلف وآخران بِأَلف وخمسائة حَتَّى قضى لَهُ بِالْمَالِ كُله كَانَ مِقْدَار الْألف مقضيا بِهِ بِشَهَادَتِهِم جَمِيعًا وإلحاق الزِّيَادَة بِالْألف فِي شَهَادَة الآخر يُوجب تَقْرِير الأَصْل فِي كَونه مشهودا بِهِ لَا رَفعه
فَتبين بِهَذَا أَن الزِّيَادَة لَا تتعرض لأصل الحكم الْمَشْرُوع فَلَا يكون فِيهَا معنى النّسخ بِوَجْه من الْوُجُوه
ثمَّ قد يكون بطرِيق التَّخْصِيص وَقد لَا يكون وَلِهَذَا لَا يشْتَرط فِيهَا أَن تكون مقرونة بِالْأَصْلِ كَمَا يشْتَرط ذَلِك فِي دَلِيل الْخُصُوص وحاجتنا إِلَى إِثْبَات أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ وَقد أَثْبَتْنَاهُ بِمَا قَررنَا
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن أَكثر مَا ذكره الْخصم دَلِيل على أَن الزِّيَادَة بَيَان صُورَة وَنحن نسلم ذَلِك وَلَكنَّا ندعي أَنه نسخ معنى وَالدَّلِيل على إِثْبَات ذَلِك أَن مَا يجب حَقًا لله تَعَالَى من عبَادَة أَو عُقُوبَة أَو كَفَّارَة لَا يحْتَمل الْوَصْف بالتجزي وَلَيْسَ للْبَعْض مِنْهُ حكم الْجُمْلَة بِوَجْه فَإِن الرَّكْعَة من صَلَاة الْفجْر لَا تكون فجرا والركعتين من صَلَاة الظّهْر فِي حق الْمُقِيم لَا تكون ظهرا وَكَذَلِكَ الْمظَاهر إِذا صَامَ شهرا ثمَّ عجز فأطعم ثَلَاثِينَ مِسْكينا لَا يكون مكفرا بِهِ بِالْإِطْعَامِ
[ ٢ / ٨٢ ]
وَلَا بِالصَّوْمِ وَلِهَذَا قُلْنَا الْقَاذِف إِذا جلد تِسْعَة وَسبعين سَوْطًا لَا تسْقط شَهَادَته لِأَن الْحَد ثَمَانُون سَوْطًا فبعضه لَا يكون حدا
إِذا تقرر هَذَا فَنَقُول الثَّابِت بِآيَة الزِّنَا جلد وَهُوَ حد فَإِذا الْتحق النَّفْي بِهِ يخرج الْجلد من أَن يكون حدا لِأَنَّهُ يكون بعض الْحَد حِينَئِذٍ وَبَعض الْحَد لَيْسَ بِحَدّ بِمَنْزِلَة بعض الْعلَّة فَإِنَّهُ لَا يُوجب شَيْئا من الحكم الثَّابِت بِالْعِلَّةِ فَكَانَ نسخا من هَذَا الْوَجْه وَكَذَلِكَ فِي الرَّقَبَة فَإِن مَعَ الْإِطْلَاق التَّكْفِير بتحرير رَقَبَة وَبعد الْقَيْد تَحْرِير رَقَبَة بعض مَا يتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَة
فَعرفنَا أَنه نسخ وَبِه فَارق حُقُوق الْعباد فَإِنَّهُ مِمَّا يحْتَمل الْوَصْف بالتجزي فَيمكن أَن يَجْعَل إِلْحَاق الزِّيَادَة بِهِ تقريرا للمزيد عَلَيْهِ حَتَّى إِن فِيمَا لَا يحْتَمل التجزي من حُقُوق الْعباد الحكم كَذَلِك أَيْضا فَإِن البيع لما كَانَ عبارَة عَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول لم يكن الْإِيجَاب الْمَحْض بيعا وَنِكَاح أَربع نسْوَة لما كَانَ مُوجبا حُرْمَة النِّكَاح عَلَيْهِ لَا يثبت شَيْء من ذَلِك بِنِكَاح امْرَأَة أَو امْرَأتَيْنِ لِأَن لَيْسَ بِنِكَاح أَربع نسْوَة وَقد بَينا فِي قصَّة بني إِسْرَائِيل أَن ذَلِك كَانَ بَيَانا صُورَة وَكَانَ نسخا معنى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس ﵄ بقوله شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم
يدل عَلَيْهِ أَن النّسخ لبَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَإِثْبَات حكم آخر ثمَّ الْإِطْلَاق ضد التَّقْيِيد فَكَانَ من ضَرُورَة ثُبُوت التَّقْيِيد انعدام صفة الْإِطْلَاق وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد انْتِهَاء مُدَّة حكم الْإِطْلَاق وَإِثْبَات حكم هُوَ ضِدّه وَهُوَ التَّقْيِيد وَإِذا كَانَ إِثْبَات حكم غير الأول على وَجه يعلم أَنه لم يبْق مَعَه الأول نسخا فإثبات حكم هُوَ ضد الأول أولى أَن يكون نسخا بطرِيق الْمَعْنى وَبِه فَارق التَّخْصِيص فَإِن التَّخْصِيص لَا يُوجب حكما فِيمَا تنَاوله الْعَام غير الحكم الأول وَلَكِن يبين أَن الْعَام لم يكن متناولا لما صَار مَخْصُوصًا مِنْهُ وَلِهَذَا لَا يكون التَّخْصِيص إِلَّا مُقَارنًا يقرره أَن التَّخْصِيص للإخراج وَالتَّقْيِيد للإثبات وَأي مشابهة تكون بَين الْإِخْرَاج من الحكم وَبَين إِثْبَات الحكم
وَهَذَا لِأَن الْإِطْلَاق يعْدم صفة التَّقْيِيد وَالتَّقْيِيد إِيجَاد لذَلِك الْوَصْف فَبعد مَا ثَبت التَّقْيِيد لَا يتَصَوَّر بَقَاء صفة الْإِطْلَاق وَلَا يكون الحكم ثَابتا لما تنَاوله صِيغَة الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يكون ثَابتا بالمقيد من اللَّفْظ فَأَما الْعَام إِذا خص مِنْهُ شَيْء يبْقى الحكم ثَابتا فِيمَا وَرَاءه بِمُقْتَضى لفظ الْعُمُوم فَقَط
[ ٢ / ٨٣ ]
وَإِذا كَانَ بَقَاء الحكم بِمَا كَانَ النَّص الْعَام متناولا لَهُ عرفنَا أَن التَّخْصِيص لَا يكون تعرضا لما وَرَاء الْمَخْصُوص بِشَيْء
وَبَيَان هَذَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَإِن خص مِنْهُ أهل الذِّمَّة وَغَيرهم فَمن لَا أَمَان لَهُ يجب قَتله لِأَنَّهُ مُشْرك
وَفِي قَوْله ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ إِذا قيدنَا بِصفة الْإِيمَان لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِمَا يتَنَاوَلهُ اسْم الرَّقَبَة بل بِمَا يتَنَاوَلهُ اسْم الرَّقَبَة المؤمنة
فَعرفنَا أَنه فِي معنى النّسخ وَلَيْسَ بتخصيص وَلِأَن التَّخْصِيص يصرف فِيمَا كَانَ اللَّفْظ متناولا لَهُ بِاعْتِبَار دَلِيل الظَّاهِر لَوْلَا دَلِيل الْخُصُوص وَالتَّقْيِيد تصرف فِيمَا لم يكن اللَّفْظ متناولا لَهُ أصلا لَوْلَا التَّقْيِيد فَإِن اسْم الرَّقَبَة لَا يتَنَاوَل صفتهَا من حَيْثُ الْإِيمَان وَالْكفْر فَعرفنَا أَنه نسخ والنسخ فِي الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يكون بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا بِالْقِيَاسِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَا تتَعَيَّن الْفَاتِحَة للْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة ركنا لِأَنَّهُ زِيَادَة على مَا ثَبت بِالنَّصِّ وَلَا تثبت الطَّهَارَة عَن الْحَدث شرطا فِي ركن الطّواف لِأَنَّهُ زِيَادَة على النَّص وَلَا يثبت النَّفْي حدا مَعَ الْجلد فِي زنا الْبكر لِأَنَّهُ زِيَادَة وَلَا يثبت اشْتِرَاط صفة الْإِيمَان فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار لِأَنَّهُ زِيَادَة
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله شرب الْقَلِيل من الطلاء المثلث لَا يكون حَرَامًا لِأَن الْمحرم السكر بِالنَّصِّ وَشرب الْقَلِيل بعض الْعلَّة فِيمَا يحصل بِهِ السكر فَلَا يكون مُسكرا
وعَلى هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِذا وجد الْمُحدث من المَاء مَا لَا يَكْفِيهِ لوضوئه أَو الْجنب مَا لَا يَكْفِيهِ لاغتساله فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَلَا يسْتَعْمل ذَلِك المَاء لِأَن الْوَاجِب اسْتِعْمَال المَاء الَّذِي هُوَ طهُور وَهَذَا بِمَنْزِلَة بعض الْعلَّة فِي حكم الطَّهَارَة فَلَا يكون طهُورا فوجوده لَا يمْنَع التَّيَمُّم
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا شهد أحد الشَّاهِدين بِالْبيعِ بِأَلف وَالْآخر بِالْبيعِ بِأَلف وَخَمْسمِائة لَا تقبل الشَّهَادَة فِي إِثْبَات العقد بِأَلف وَإِن اتّفق عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ ظَاهرا لِأَن الَّذِي شهد بِأَلف وَخَمْسمِائة قد جعل الْألف بعض الثّمن وانعقاد البيع بِجَمِيعِ الثّمن الْمُسَمّى لَا بِبَعْضِه فَمن هَذَا الْوَجْه كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَعْنى شَاهد لعقد آخر وَالْألف الْمَذْكُور فِي شَهَادَة الثَّانِي كَانَ بِحَيْثُ يثبت بِهِ العقد لَوْلَا وصل شَيْء آخر بِهِ بِمَنْزِلَة التَّخْيِير فِي الطَّلَاق وَالْعتاق يصير شَيْئا آخر إِذا اتَّصل بِهِ التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَحكم الزِّيَادَة يكون بِهَذِهِ الصّفة أَيْضا
وَالَّذِي يُقرر جَمِيع مَا ذكرنَا أَن النّسخ إِنَّمَا يثبت بِمَا لَو جهل التَّارِيخ فِيهِ كَانَ مُعَارضا وَهَذَا يتَحَقَّق فِي الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد فَإِنَّهُ لَو جهل التَّارِيخ بَين النَّص الْمُطلق والمقيد يثبت التَّعَارُض بَينهمَا فَعرفنَا أَنه عِنْد معرفَة وَيجوز أَن يرد النّسخ على مَا هُوَ نَاسخ كَمَا يجوز أَن يرد النّسخ على مَا كَانَ مَشْرُوعا ابْتِدَاء إِذْ الْمَعْنى لَا يُوجب الْفرق بَينهمَا
وَبَيَان هَذَا فِيمَا نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن حُرْمَة مفاداة الْأَسير الثَّابِت بقوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ قد انتسخ التَّارِيخ بَينهمَا يكون
[ ٢ / ٨٤ ]
التَّقْيِيد فِي النَّص الْمُطلق نسخا من حَيْثُ الْمَعْنى بقوله تَعَالَى ﴿فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ ثمَّ قَالَ السّديّ هَذَا قد انتسخ بقوله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ لِأَن سُورَة بَرَاءَة من آخر مَا نزل فَكَانَ نَاسِخا للْحكم الَّذِي كَانَ قبله
وَكَذَلِكَ حكم الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ فِي كَونه حدا قد انتسخ بقوله ﵇ (خُذُوا عني) الحَدِيث
ثمَّ هَذَا الحكم انتسخ بنزول قَوْله تَعَالَى ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وبرجم النَّبِي ﵇ مَاعِز بن مَالك ﵁ وَاسْتقر الحكم على أَن الْحَد الْكَامِل فِي حق غير الْمُحصن مائَة جلدَة وَفِي حق الْمُحصن الرَّجْم
وَمِمَّا اخْتلفُوا فِي أَنه نسخ أم لَا حكم الْمِيرَاث فقد كَانَ التوريث بِالْحلف وَالْهجْرَة ثَابتا فِي الِابْتِدَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا﴾ الْآيَة ثمَّ انتسخ هَذَا عِنْد بعض الْعلمَاء بنزول قَوْله تَعَالَى ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله من الْمُؤمنِينَ والمهاجرين﴾ الْآيَة
وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا لَيْسَ بنسخ وَلَكِن هَذَا تَقْدِيم وَارِث على وَارِث فَلَا يكون نسخا كتقديم الابْن على الْأَخ فِي الْمِيرَاث لَا يكون نسخ التوريث بالأخوة وَتَقْدِيم الشَّرِيك على الْجَار فِي اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة لَا يكون نسخ حكم الشُّفْعَة بالجوار
وَالأَصَح أَن نقُول هَذَا نسخ بعض الْأَحْوَال دون الْبَعْض فَإِن قَوْله تَعَالَى ﴿فآتوهم نصِيبهم﴾ تنصيص على أَن بِالْحلف يسْتَحق النَّصِيب من الْمِيرَاث مَعَ وجود الْقَرِيب ثمَّ انتسخ هَذَا الحكم بقوله تَعَالَى ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ حَتَّى لَا يسْتَحق بِالْحلف شَيْئا مَعَ وجود الْقَرِيب أصلا
فَعرفنَا أَن هَذَا الحكم قد انْتهى فِي هَذِه الْحَالة فَكَانَ نسخا وَإِن كَانَ
[ ٢ / ٨٥ ]
الْإِرْث بِهَذَا السَّبَب بَاقِيا فِي غير هَذِه الْحَالة وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ ابْن مَسْعُود ﵁ فِي قَوْله يَا معشر هَمدَان إِنَّه لَيْسَ حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب أَحْرَى أَن يَمُوت الرجل فيهم وَلَا يعرف لَهُ نسب مِنْكُم فَإِذا كَانَ ذَلِك فليضع مَاله حَيْثُ أحب
وَالله أعلم