أـ أن يكون معلوم الصفة من وجوب أو ندب أو إباحة، وهذا يحمل على صفته ولا يحتمل خلافا. وإنما تعلم صفته بالقرائن أو اتفاق السلف على حكمه، مثل الاعتكاف فهو مستحب عند جميع الفقهاء، مع أنه لم يثبت فيه إلا فعل الرسول ﷺ.
ب - أن يكون غير معلوم الصفة ولم يظهر فيه قصد القربة، فهذا يحمل على الإباحة؛ لأن الأصل عدم التعبد، وقيل على الندب مثل الترجل والتكحل.
ج - أن يكون غير معلوم الصفة (الحكم) ولكن ظهر فيه قصد القربة، وهذا فيه خلاف قوي بين العلماء على أقوال:
القول الأول: الوجوب: وهو قول الأكثر، فهو محكي عن الإمام مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، واختاره أكثر أصحابه واختاره ابن السمعاني وقال هو أشبه بمذهب الشافعي، وهو مذهب أكثر المعتزلة (١).
واستدل لهذا القول بأدلة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف١٥٨].
_________________
(١) ينظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٨، والإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، واللمع ص ٣٧، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٨٧.
[ ١٢١ ]
ووجه الدلالة: أن الأمر في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ يحمل على الوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣]. وفعله من أمره.
٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران٣١]. ومحبة الله واجبة فما ترتب عليها كذلك.
٤ - ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - من أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة فخلعوا نعالهم. أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم. ووجه الدلالة من الحديث أن الصحابة فهموا وجوب المتابعة في الفعل المجرد.
القول الثاني: الندب: وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وحكي عن الشافعي.
واستدل لهذا بأن القربات التي يفعلها الرسول ﷺ لا تخرج عن الوجوب والندب، وأقل درجاتها الندب، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل.
القول الثالث: لا يفيد الوجوب ولا الندب بمفرده بل يحمل على الإباحة، وهو مذهب الكرخي واختاره السرخسي، وقال ابن عبد الشكور: «هو الصحيح عند أكثر الحنفية» (١). وهؤلاء يستدلون بأن الرسول ﷺ مأمور بالتبليغ، والتبليغ لا يكون إلا باللفظ، فالفعل يحتمل الوجوب والندب والإباحة فنجزم بالمتيقن وهو الإباحة وما زاد على ذلك لا بد من دليل آخر عليه.
_________________
(١) ينظر: أصول السرخسي ٢/ ٨٧، وكشف الأسرار ٣/ ٢٠١ - ٢٠٣، وفواتح الرحموت على مسلم الثبوت ٢/ ١٨١ - ١٨٢.
[ ١٢٢ ]
القول الرابع: الوقف، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب، ويبدو أن سببه تعارض الأدلة.
والراجح هو القول الثاني، وهو حمله على الندب.
وما ذكره أصحاب القول بالوجوب لا دلالة فيه؛ فالأمر باتباع الرسول ﷺ أمر مطلق فلا يدل على اتباعه في كل فعل، وامتثال المطلق يتحقق بالاتباع فيما عرفنا أنه واجب. وفعل الصحابة لا دليل فيه على أنهم اعتقدوا الوجوب، بل يحتمل أنهم فعلوه على الندب، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور٦٣] ظاهره المخالفة فيما أمر به أمر إيجاب، وكلامنا في الفعل المجرد عن الأمر.
وأما حديث أبي سعيد فهو دليل على عدم الوجوب لمجرد الفعل؛ حيث سألهم النبي ﷺ عن سبب خلع نعالهم سؤال إنكار، ولو كان فعله يقتضي الوجوب لما أنكر عليهم.
وأما القائلون بحمله على الإباحة فيرد عليهم بأن ما يغلب على الظن كونه قربة لا يمكن حمله على الإباحة، وقولهم إن الرسول مأمور بالبلاغ يجاب بأن المندوب يكفي في تبليغه فعل الرسول إياه، بخلاف الواجب.
وأما الوقف فمرده لتعارض الأدلة، وقد بينت رجحانَ أدلة القول الثاني.
وقد حمل بعض العلماء القول بالوجوب على أن المراد بالوجوب وجوب التأسي بالرسول ﷺ، فما فعله الرسول على جهة الوجوب عليه فهو واجب على غيره، وما فعله على جهة الاستحباب فهو مستحب لغيره، وهذا تأويل حسن يتفق مع صنيع الفقهاء في تفريعاتهم.
[ ١٢٣ ]