خليل الله ورسوله إبراهيم الذي أنزل الله سلطانًا بتصديقه، والأمر باتباعه.
وأن الخامس ليس بعبادة، كما مرّ.
وأن السادس عبادة، لكن لما كان محمد - ﵌ - يقول: إنه رسول الله، وأن الله أنزل سلطانًا بتصديقه والأمر باتباعه، والمسلمون يقولون ذلك، علم المشركون أنهم إن اعترضوا على النبي - ﵌ - والمسلمين أجابوهم بهذا، فلذلك تركوا ذاك الاعتراض، واقتصروا على التكذيب.
الوجه الثاني لدفع شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أن المشركين كانوا يعبدون إناثًا غيبيات يزعمون أنهن بنات الله، وأنهن يحببن أن يُعبَدن، وأنهن يشفعن عند الله ﷿ لعبّادهن، ويسمونهن تسمية الأنثى: اللات، العزى، مناة، ويقولون: إنهن هن الملائكة.
ولا ريب أن الملائكة ليسوا بهذه الصفة، فصح بهذا الوجه أيضًا أنهم لم يكونوا يعبدون الملائكة.
فأما عبادتهم لتلك الإناث، فتارة يجعلها القرآن [ص ٩٨] عبادة لما لا وجود له، وتارة يجعلها عبادة للشياطين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
[ ١٩ / ٢٢٣ ]
وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٧].
فالمراد هنا باللات والعزى ومناة: تلك الإناث الخياليات التي يزعمون أنها بنات الله، وأنها الملائكة، فوبَّخهم الله ﷿ على نسبة الولد إليه، مع اختيارهم له تعالى الإناث.
ثم بين أنه لا وجود لتلك الإناث، وإنما يوجد منها الأسماء، كما قال في آية العنكبوت: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ثم بيَّن أنه على فرض وجود إناث هن الملائكة، فالملائكة لا يستحقون العبادة؛ لأنهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، حتى الشفاعة فإنهم إنما يشفعون بعد إذنه ورضاه، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وفي ذلك آيات كثيرة.
ثم بين أن زعمهم أن الملائكة إناث، وتسميتهم إياهم تسمية الإناث، من جهلهم وضلالهم.
فبهذا يتبيَّن استقامة الكلام، وانتظامه، وائتلافه.
لكن كان المشركون قد جعلوا لتلك الإناث الخياليات [ص ٩٩] تماثيل، وسموها بأسمائها، كما هي عادة المشركين إلى الآن في الهند والصين
[ ١٩ / ٢٢٤ ]
وغيرها، وكما جاء في «الصحيح» (^١) في شأن ودّ وسُواع ويغوث ويعوق ونسر: أنها أسماء رجالٍ صالحين كانوا في قوم نوح فهلكوا، فاتخذ لهم مَن بعدهم تماثيل، وسمَّوها بأسمائهم وعبدوها، وكما هي العادة العامة في الصور والتماثيل، فيقال في صورة الفرس: «هذا فرس»، ويقال في صورة الرجل المعروف أو تمثاله: «هذا فلان» باسم ذلك الرجل، فاشتهرت تلك الأسماء: اللات والعزى ومناة في تلك التماثيل، وتُنوسِيَ أمر الجاهلية، فظن كثير من المفسرين أنها المرادة في آيات النجم، فوقعوا في خبط شديد.
وقد أوضحت هذا المقام في «كتاب العبادة» ولله الحمد، وذكرت أدلته من السنة والتاريخ وغيرهما.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦ - ١١٧].
وقد مر أن عبادة الشيطان هي طاعته في شرعِ الدين، ولعبادته وجه آخر، وهو: أن من شأنه أن يتعرض لعبادة البشر، لتكون في الصورة له. ولذلك جاء في الحديث: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» (^٢).
فالشمس لا تزال طالعة، تطلع على قطعة من الأرض، ثم على التي غربيها، وهكذا. فإذا طلعت على قطر [ص ١٠٠] انتصب الشيطان بين أهل ذلك القطر وبينها؛ لأن من أهل ذاك القطر من يسجدون لها عند طلوعها،
_________________
(١) البخاري (٤٩٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة.
[ ١٩ / ٢٢٥ ]
فيخيل الشيطان أنهم إنما سجدوا له، مع أنهم عابدون له من جهة الطاعة، كما مر.
ولكنه لا يقف عند ذلك، بل يتعرض لعبادة الله ﷿، فإذا رأى من يصلي لله ﷿ حاول أن يقف أمامه، ولذلك أمر النبي - ﵌ - باتخاذ السترة، مع الاستعاذة.
وتحقيق هذا يطول، وقد أوضحته في «كتاب العبادة».
فلما رأى الشياطين أن المشركين يعبدون إناثًا غيبيات، وسموها: اللات والعزى ومناة، ونصبوا لها التماثيل= قال الشياطين: ليس هناك إناث غيبيات عن الناس يحببن أن يُعبدن إلا من الشياطين، فعمدوا إلى شيطانةٍ سموها «العزى»، ووكلوها بتمثال «العزى»، وهكذا
ويوضح ذلك ما روي في الحديث في قصة هدم «العزى»، وفيه (^١): «فأتاها خالد، وكانت ثلاث سَمُرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي - ﵌ - فأخبره، فقال: ارجع، فإنك لم تصنع شيئًا فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون: يا عزَّى! يا عزَّى! فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - ﵌ - فأخبره، فقال ﵊: تلك العزى». راجع «الدر المنثور» (^٢)، وغيره.
_________________
(١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١١٥٤٧) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٧٧) من حديث أبي الطفيل.
(٢) (١٤/ ٣٠، ٣١).
[ ١٩ / ٢٢٦ ]