وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين فِي شرح بُلُوغ المرام فِي شرح حَدِيث إِن الْحَاكِم إِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر مَا لَفظه إِنَّه اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ على اشْتِرَاط أَن يكون الْحَاكِم مُجْتَهدا قَالَ وَهُوَ المتمكن من أَخذ الاحكام من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قَالَ وَلكنه يعز وجوده بل كَاد يعْدم بِالْكُلِّيَّةِ
[ ١٦٠ ]
وَمَعَ تعذره فَمن شَرطه أَي الْحَاكِم أَن يكون مُقَلدًا مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَمن شَرطه أَن يُحَقّق أصُول إِمَامه وأدلته وَينزل أَحْكَامه عَلَيْهَا فِيمَا لَا يجده مَنْصُوصا فِي مَذْهَب إِمَامه اه وَقد نَقَلْنَاهُ فِي شرحنا سبل السَّلَام وتعقباه بقولنَا قلت وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْبطلَان وَإِن تتَابع عَلَيْهِ الْأَعْيَان وَمَا أرى هَذِه الدَّعْوَى الَّتِي تطابق عَلَيْهَا الأنظار إِلَّا من كفران نعْمَة الله عَلَيْهِم فَإِنَّهُم أَعنِي المدعين لهَذِهِ الدَّعْوَى والمقررين لَهَا وَهِي دَعْوَى عزة وجود الْمُجْتَهدين فِي الاحكام بِالْكُلِّيَّةِ أَو كيدودة عَدمه مجتهدون يعرف أحدهم من الْقَوَاعِد الَّتِي يُمكنهُ بهَا الاستنباط واستخراج الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة النَّبَوِيَّة مَا لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قَاضِي رَسُول الله ﷺ على مَكَّة وَلَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَاضِي رَسُول الله ﷺ فِي الْيمن وَلَا معَاذ بن جبل قاضيه فِيهَا وعامله عَلَيْهَا وَلَا شُرَيْح قَاضِي عمر وَعلي ﵃ فِي الْكُوفَة من هَذِه الشَّرَائِط الَّتِي أفادها قَول ذَلِك الشَّارِح ﵀ إِن من شَرط الْحَاكِم أَن يكون مُجْتَهدا فِي مَذْهَب إِمَامه وَأَن يُحَقّق أُصُوله وأدلته إِلَى آخِره هِيَ شَرَائِط الْمُجْتَهد فِي الْكتاب وَالسّنة فَإِن هَذَا هُوَ الِاجْتِهَاد الَّذِي قَالَ بعزة وجوده أَو كيدودة عَدمه بِالْكُلِّيَّةِ وَسَماهُ متعذرا هلا جعل هَذَا الْمُقَلّد الْمُجْتَهد أَمَامه كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ عوضا عَن كَلَام إِمَامه وتتبع نُصُوص الْكتاب وَالسّنة عوضا عَن تتبع نُصُوص إِمَامه
[ ١٦١ ]
والعبارات كلهَا أَلْفَاظ دَالَّة على مَعَانِيهَا فَهَلا استبدل بِأَلْفَاظ إِمَامه ومعانيها أَلْفَاظ الشَّارِع ومعانيها وَنزل الْأَحْكَام عَلَيْهَا إِذا لم يجده نصا شَرْعِيًّا عوضا عَن تنزيلها على مَذْهَب إِمَامه فِيمَا لم يجده مَنْصُوصا تالله لقد استبدل الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير من معرفَة السّنة وَالْكتاب إِلَى معرفَة كَلَام الشُّيُوخ وَالْأَصْحَاب وتفهم مرامهم والتفتيش عَن كَلَامهم وَمن الْمَعْلُوم يَقِينا أَن كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله أقرب إِلَى الأفهام وَأدنى إِلَى إِصَابَة بُلُوغ المرام فَإِنَّهُ أبلغ الْكَلَام بِالْإِجْمَاع وأعذبه فِي الأفواه والأسماع وأقربه إِلَى الْفَهم وَالِانْتِفَاع وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا جلمود الطباع وَمن لَا حَظّ لَهُ فِي النَّفْع وَالِانْتِفَاع والأفهام الَّتِي فهم بهَا الصَّحَابَة الْكَلَام الإلهي وَالْخطاب النَّبَوِيّ هِيَ كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا إِذْ لَو كَانَت الأفهام مُتَفَاوِتَة تَفَاوتا يسْقط مَعَه فهم الْعبارَات الإلهية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة لما كُنَّا مكلفين وَلَا مأمورين وَلَا منهيين لَا اجْتِهَادًا وَلَا تقليدا أما الأول فلاستحالته وَأما الثَّانِي فلأنا لَا نقلد حَتَّى نفهم جَوَازه وأدلته وَلَا يفهم ذَلِك إِلَّا من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَقد تعذر ذَلِك كَمَا قُلْتُمْ وَقد سبق بسط هَذَا
[ ١٦٢ ]
على أَنا لَا نشرط فِي هَذَا مَا سلف من الشَّرَائِط فِي الْمُجْتَهد الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن مؤلف العواصم والقواصم إِنَّمَا نقُول إِنَّه يستروي عَن الْعَالم الْآيَة والْحَدِيث فِي الحكم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ فِي الْحَالة الراهنة ثمَّ يعْمل بِهِ بعد فهمه إِنَّمَا يشْتَرط أَن تُؤْخَذ الرِّوَايَة عَمَّن يوثق بصدقه وَدينه وورعه وشهرته بِالْعلمِ النافع من الْكتاب وَالسّنة وَألا يسْأَله عَن مَذْهَب فلَان وَلَا فلَان وَكَيف وَفِي كتب الْأُصُول نقل الْإِجْمَاع على تَحْرِيم تَقْلِيد الْأَمْوَات