يفتقر الكلام في هذا الباب إلى النظر في حد البيان ومراتبه، وجواز تأخيره، فأما حده فقد أكثر الناس القول فيه، فمن مشاهير حدودهم حد أبي بكر الصيرفي إذ قال في حد البيان: إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، ورد هذا الحد أبو المعالي لأجل ما اشتمل عليه من المجاز بذكر الحيز والتجلي، وهذا رد ضعيف، لأنه مجاز يفهم القصد به، من غير افتقار إلى مراجعة القائل، واستفساره عن مراده، ورد القاضي أبو بكر بن الطيب ئة هذا الحد، بأن من أحكام الشريعة ما ورد نصا جليا مبتدأ من غير أن يسبقه إشكال يكون هذا النص مفسرا له. وهذا النوع بيان للأحكام، وهو خارج من حد الصيرفي، لأنه قصر البيان على ما تقدم فيه إشكال.
وأشار القاضي أبو محمد عبد الوهاب إلى الانفصال عن هذا التعقب، بأن النصوص الواردة في حكم المبتدأ قد أفادت علما لم يكن حصل للسامع، وهو قبل سماع هذه النصوص يشبه في عدم علمه للحكم من أشكل عليه خطاب سبق وروده في هذا الحكم، وهذه مضايقة بين القاضيين في عبارة، فقد لا يسلم القاضي أبو بكر تسمية عدم العلم إشكالا.
وإذا لم يسلم ذلك صح تعقبه على الصيرفي، إلا أن يمانعه الصيرفي في تسمية هذا
[ ١٣٤ ]
القسم الذي هو النصوص الواردة مبتدأة بيانا، ويزعم أن هذه التسمية مقصورة على نصوص بين بها القصد بلفظ مشكل تقدمها، وقد قال: أما الكلام من أصحابنا أن حد العلم بأنه تبيين المعلوم ففاسد، لأجل أن التبيين ينبئ عن تقدم خفاء وإشكال، وعلم الله سبحانه لم يتقدمه خفاء ولا إشكال، فأنت ترى هؤلاء كيف يشيرون بهذا إلى منع وقوع هذه التسمية على منع ما لم يتقدمه إشكال.
وقد أشار أبو المعالي في كتابه إلى اعتراض القاضي إشارة عن بعد فقال: وذو البصائر لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها من غير قصور ولا ازدياد، فأنت تراه كيف التفت إلى التنبيه على فساد الحد من ناحية قصوره عن الاستيعاب، والقاضي إنما تعقبه من ناحية كونه قاصرا عن الاستيعاب.
وذهبت طائفة إلى أن البيان هو [الدليل] لكن بين هؤلاء اتلاف:
فحذاقهم كالقاضي أبي بكر وغيره يقول: إن البيان هو الدليل، قولا مطلقا، فالدليل العقلي بيان ().
ومن هؤلاء من يقيد مقاله فيرى أن البيان هو الدليل القولي، فقصر هؤلاء البيان على مآخذ الأقوال.
[وبعضهم ذهب] إلى أن البيان هو العلم، واختلفت طائفة من هؤلاء، فمنهم من قال: هو العلم بالأمر المتبين قولا مطلقا، ومنهم من () فقال هو العلم الحادث بالأمر المتين. و[من] هؤلاء الحادين بالعلم من أشار إلى طريقة [الص ] للأمر () فقال: البيان هو العلم [بما كان] إشكالا خفيا، وقد حد () (ص ٤٥) خط أو إشارة.
وهذا عندي وإن كان قد حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب، فإنه يجب أن يؤخر
[ ١٣٥ ]
الكلام عليه إلى القول في مراتب البيان، وقد رد على القائلين بأن البيان هو العلم بطريقتن:
إحداهما: أن العرب تقول أكملت البيان، وأتممت البيان لك، وهذا يشعر بكون البيان طريقا للعلم من العلم.
والثانية: أن البيان إذا كان هو العلم، فليكن العلم بيانا، وهذا يقتضي تسمية علم الله سبحانه بيانا، وقد تقدم تعقب الأئمة فيه.
ولما أحس بعضهم بهذا الاعتراض الثاني قيد حده بأن قال: هو العلم الحادث، على حسب ما حكيناه عنه، ليسلم بهذا التقييد من المعارضة بعلم الله سبحانه، لكون علمه تعالى غير حادث.
وأما من أشار من الحادين بالعلم إلى التقييد لمفارقة الإشكال فإنه قصد ما ذكرناه من قصد الصيرفي، وبيناه من قصر هذه التسمية على ما تقدمه إشكال، على ما يشير إليه تعقب المتكلمين للحد الذي ذكرناه، وهؤلاء أيضًا يخاطبهم القاضي بما خاطب به الصيرفي، في قصره البيان على ما تقدمه إشكال، وقد تقدم بسط القول فيه.
واعلم أن النكتة التي تدور عليها هذه المذاهب أن هذه اللفظة مأخوذة من الانفصال والانقطاع، وبانت اليد عن الجسد بمعنى قطعت فصارت بقطعها متميزة عن الجسد، وبان الهلال ظهر، وفارق الخفاء، وبانت المسألة بهذا المعنى أيضا، وقد علم أن شخصا إذا استتر، فإن البصر منا لا يدركه، فإذا رفع الستر ووقع البصر الصحيح ظهر له، وفارق الستر والخفاء، ولكن هذه المفارقة للخفاء يصح إسنادها إلى وقع البصر عليه، ونفس الإدراك له، وإلى ارتفاع الستر الحائل بني البصر وبينه.
وكذلك المعاني المستورة عن العقل إذا رفعت الفكرة فيها هذا الستر حتى أدركها العقل، وحصل العلم بها فإنه قد يصح إسناد مفارقتها للخفاء، وحصولها معلومة إلى نفس الفكرة الرافعة لما أخفاها عن العقل، ويصح أن تصرف إلى نفس إدراك العقل لها، والعلم بها، فمن الالتفات إلى النظر في هذا وقع الخلاف في البيان، هل يرجع إلى الدليل أو إلى العلم، والبيان قد يطلق بمعنى التبيين، فيرجع ذلك إلى الطريق إلى العلم، وقد يكون مصدرًا من بان يبين بيانا، فيرجع إلى العلم.
فهذا سبب النزاع في معنى هذه اللفظة، لكن القاضي وغيره لما اختاروا صرفها إلى الطريق إلى العلم، قال ذلك قولا مطلقا، طردا، اقتضى هذا الذي بيناه، وزعم غيره ممن
[ ١٣٦ ]
سلك مسلكه أن العرب إنما تطلق هذا في البيان القولي، لا في العقلي فقد حده بما ذكرنا، فهذا منشأ الخلاف بين أصحاب هذه الحدود، مطلقها ومقيدها.
وأما الوجه الثاني وهو القول في مراتب البيان فإن أبا المعالي نقل في ذلك ثلاثة مذاهب:
- أحدهما أن المراتب ثلاثة أولها النص.
- والثاني الظاهر.
- والثالث المحتمل على التساوي.
والمذهب الثاني أنها خمسة على ما ذكره الشافعي:
- أولها: النص الجلي، الذي يدركه الجميع، كقوله تعالى في صيام المتمتع: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) أكده بقوله: (تلك عشرة كاملة).
- وثانيها: النص الذي ينفرد بدركه العلماء، كالواو التي في آية الطهارة، فإن هذين الحرفين يقتضيان معاني معلومة عند أهل اللسان.
- ثالثهما: نصوص السنة الواردة بيانا لمشكل في القرآن، كالنص على ما يخرج من الحصاد مع تقدم قوله تعالى: (حقه يوم حصاده) ولم يذكر في القرآن مقدار هذا الحق.
- رابعها: نصوص السنة المبتدأة.
- خامسها: القياس
والمذهب الثالث أنها ستة:
- أولها: القول.
- ثانيها: الفعل.
- ثالثها: الإشارة كقوله: "الشهر هكذا، وهكذا وحبس في الثالثة لسبعة" الحديث.
- رابعها: الكتابة.
- خامسها: المفهوم بالموافقة وهو الفحوي، أو بالمخالفة وهو دليل الخطاب.
[ ١٣٧ ]
- سادسها: القياس.
ومما تعجب [منه] في نقل هذه المذاهب أن الغزالي نخل هذا الكتاب الذي نحن آخدين في [شرحه] فذكر أن الأصوليين () على أن مراتب البيان خمسة، وإنما اختلفوا في أوضاعها، وهذا أبو المعالي قد حكى في الأصل الذي هذبه الغزالي () قولا إنها ثلاث، وقولا إنها ست، فلا عذر للغزالي في هذا النقل، إلا أن يكون قد استكذب نقل إمامه، وكان من (حق ) هذا الكتاب أن ينبه على غلط إمامه في هذا النقل، لئلا يعود قارئ كتابه مستكذبا له هو ( هب) المتفق عنده على ( ك) المقالة التي عددناها ثلاث مراتب، أما () (ص ٤٦) مرتبتين فجعل بينها ثانيها وثالثها المحذوف المفهوم آخره عن الظاهر، وقدمه عن المحتمل، وزاد مرتبة خامسة وهي القياس، ولما حكى المراتب الستة أسقط منها الكتابة، حتى صارت هذه بإسقاط هذه الواحدة خمسا، وتلك بزيادة الاثنين خمسا.
فأما ما نقل الشافعي فقد تعقبه عليه ابن داود بإسقاطه الإجماع في هذه المراتب، وقد أعذر عنه بأن الإجماع مستند إلى خبر الرسول ﷺ، وخبر الرسول قد عد في المراتب الخمس، فاستغنى عن الإجماع بذكره، لكن هذا ينتقض بعده القياس، فإنه مستند إلى الإجماع، فكان يجب أن يسقط لاستناده للإجماع الذي أسقط أيضًا لاستناده للخبر المعدود، والقياس أولى بالحذف من الإجماع على موجب هذا الاعتذار، وعندي أنه قد يقدح في قوله: من طريقة أخرى، لأنه أشار إلى طرق لا حظ لها في التفاوت من ناحية القوة والضعف، والحرف الذي أشار إليه في آية الطهارة إن كان محتملا في اللسان عند العلماء، فلا وجه لعده في البيان، وإن كان نصا لا احتمال فيه، فلا وجه لتقاصره على النص الذي يعرفه الجميع، لأن زيادة العالمين بالشيء أو نقصهم لا يؤثر في العلم قوة ولا ضعفا وهكذا السنة الصحيحة، هي على مرتبة واحدة في الضعف والقوة، إذا نقلت عن النبي ﷺ،
[ ١٣٨ ]
سواء كان المنقول حكما لمبتدأ أو بيانا لمشكل تقدم.
وقد أشار أبو المعالي إلى قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) تأكيدا، وهذا وإن لم يكن غرض هذا العلم، بل هو من شغل أهل التأويل حسن عندنا لما عن هاهنا أن نشير إيه، وأمثل جواب قيل فيه أن قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) إنما قصد به رفع ما قد يهجس في النفوس من أن المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر، ثلاثة منها في الحج، ويكمل سبعة إذا رجع، ويلوح لي معنى آخر، وذلك أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لا يجب على المفكر أن يجمع بينهما، ألا ترى الحانث في اليمين بالله لا يلزمه أن يطعم المساكين ويكسوهم، ولا يلزم المظاهر أن يعتق ويصوم، ولا القاتل أن يعتق ويصوم، ولا الحالق في الحج أن يهدي ويصوم أو يطعم ويصوم.
فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، صار باختلاف المحلين كالجنسين، والجنسان لا يجمع بينهما هذه الزيادة، وهي قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) [ترمي] إلى رفع ما قد يهجس في النفوس من أنه إنما عليه أحد النوعين، إما الثالث، وإما السبع.
وأما المذهب الثاني الذي عد فيه المراتب ثلاثة فإنه يتعقب على نقل أبي المعالي من جهة واحدة، وهي إدخال المحتمل المجمل في مراتب البيان كالقرء وشبهه، والاحتمال نقبض البيان، ويتعقب على نقل الغزالي بهذا، وبوجه آخر، وهو إتيانه المحذوف المفهوم كقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) مؤخررا عن الظواهر، مع كون الظواهر ظنية وهذه المحذوفات قطعية.
وأما المذهب الثالث فإن عد فيه الأفعال من مراتب البيان، وهي مسألة اختلف الأصوليون فيها، فالأكثرون على أن البيان يقع بالأفعال، ومنهم من أنكر البيان بالفعل، ورأى مجرد الأفعال لا تنبئ على المراد، بخلاف صيغ الأقوال التي تنبئ على المراد بالاصطلاح عليها، ومن لم يسلم هذا المذهب يقول متى استؤذن إنسان في أن يؤخذ شيء من ماله، فأشار برأسه نعم، أو لا، فإن هذه الإشارة تنزل بمجردها منزلة القول: نعم، أو لا، فقد صار مجرد الفعل حل محل النصوص من الأقوال، وربما حل الفعل محل الظواهر من الأقوال، كمن فعل فعلا يحتمل أن يريد به أمرا، وأمرا، لكنه في إنبائه عن أحد الأمرين أظهر.
فإن هذا كالمحتمل من الأقوال، ولكنه في أحد محتمليه أظهر، وقد يكون أفعال كالمجمل من الأقوال، باحتمالها الإنباء عن مرادين، احتمالا متساويا، كمن رأيناه صائمًا
[ ١٣٩ ]
يوما، لا مزية لذلك اليوم على غيره، فإنه يحتمل أن يصومه طوعا، أو نذرا، احتمالا متساويا، ولو رأيناه صائما يوم عاشوراء، وقد كان مفطرا قبله، وهو مفطر بعده، لكان غلبة الظن أنه صامه لفضله، وإن أمكن يصومه قضاء، عن نذر عليه.
والمنكرون لكون الفعل بيانا يعتلون بأن البيان لا يتأخر عن أحد القولين، والفعل قد يتأخر، أو يشرع فيه عقيبه، فيطول، وهذا ضعيف، لأن هذا ليس بالتأخير الممنوع، عند من منع تأخير () يفتقر البيان القولي إلى إطالة وتكرر، وهؤلاء يرون أن صلاته ﵇ إنما اتبع فيها وحجه إنما اتفق عليه لقوله (ص ٤٧): "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم" والفعل لا يكون بيانا حتى يتقدمه قول يشعر بكونه بيانا، ألا تراه ﷺ قال للسائل له عن الأوقات: "صل معنا".
فالبيان مسند إلى هذه الأقوال، لا إلى مجرد الأفعال، يجيبون عن هذا بأن مجرد قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لا يتعلم منه ركوع الصلاة وسجودها، وإنما يتعلم ذلك من نفس فعله للركوع والسجود، فكان إضافة البيان إليه أولى، وهذه عندي مشاحة في عبارة، فلابد من إشعار بكون الفعل بيانا من مقال، أو قرينة حال، ولولا هذا الإشعار لم يحصل للمكلف بيان، ولولا الفعل لم يتعلم صور الأفعال، فعاد الخلاف في هذا مناقشة في عبارة على أن المفهوم من نقل بعض المصنفين صرف الاختلاف إلى معنى، وهو هل يتصور فعل ينبئ مجرده عن المراد من غير إسناد ذلك إلى مقال، أو قرينة حال، فهذا لا تمس الحاجة إلى الكلام عليه هاهنا لأن الأحكام استقرت. وأفعال ﵇ التي وقعت قد قال كل طائفة من العلماء مذهبه واعتقاده في الصفة التي وقعت عليها، وأنبأت عنها.
ولما اختار أبو المعالي أن البيان هو الدليل عقليه، وسمعيه، رأى أن لا تفاوت فيه إلا على الطريقة التي قدمنا القول فيها في الكلام على النظر.
أما العقلي فيتفاوت بقربه من الضرورة وبعده منها، والسمعي يتفاوت بقربه من دلالة المعجزة، وبعد عنها، فسامع خطاب النبي ﷺ حصل في أول المراتب، والإجماع ثانية، لكونه علما على خبر النبي ﷺ، وخبر الواحد والقياس ثالثهما، لأنهما إنما ثبتا
[ ١٤٠ ]
بالإجماع، ثم تتفاوت الأخبار، والأقيسة في القوة والضعف، على حسب ما تبين في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
والوجه الثالث، وهو القول في تأخير البيان، فالكلام في أربعة أوجه:
- إظهار فائدته.
- ونقل المذاهب فيه.
- وسبب الاختلاف فيه.
- وإثبات وقوعه في الشرع.
فأما فائدة الكلام فيه فإن الفقيه إذا عثر على عموم القرآن ثم عثر على خبر واحد يرفع بعض ذلك العموم، وعلم تاريخ نزول الآية، وتاريخ الخبر، وأن الخبر متأخر عن نزول الآية فإنه إن اعتقد إحالة تأخير البيان قضي بكون الخبر نسخا، فلم يأخذ به، إذ النسخ لا يكون بأخبار الآحاد، وإن أجاز تأخير البيان قضي بكونه مخصصا، فأخذ به، إذا كان من مذهبه التخصيص بخبر الواحد، وهذا كما يستدل الشافعي على أن السلب للقاتل، بقوله: ﵇ "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث المشهور.
ونقل إن هذا الحديث كان في غزوة حنين، وأن الآية وهي قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء) كانت قبل ذلك في غزوة بدر، وتقع المنازعة في معنى الحديث، هل قال ذلك حكما جزما، أو قاله لأنه أعطى ذلك نفلا، وقد قال تعالى في هذه الآية: (فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى). وقد ورد الخبر بتخصيص بعض الأقارب، فينظر أيضا في تاريخه، ويجري على ما بيناه من كيفية العمل في هذا الأصل.
وهكذا يجري النظر في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هل هي وضع الحمل، لقوله تعالى: (فأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فعم المتوفى عنها زوجها والمطلقة، هذا يقتضي أن وضع الحمل نهاية عدة المتولي عنها زوجها، وهو المشهور من المذهب عندنا، وقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، فعم الحايل والحامل، وهذا يقتضي أن الحامل إذا وضعت قبل أربعة أشهر
[ ١٤١ ]
وعشرا، [فإنها تخرج من عدتها] لعموم هذه الآية، وأما وضع الحمل، إذ لا يصح لحامل أن تتزوج، ولا يسقي الإنسان زرع غيره، مع قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن).
وورد أيضًا في الصحيح حديث سبيعة الأسلمية، وفيها أنها "حلت بوضع الحمل من عدة الوفاة"، فينظر في تواريه هذه الظواهر كلها، فإن علم تأخير حديث سبيعة، عن آية سورة البقرة، وقلنا بإحالة تأخير البيان صار ناسخًا، فلا يؤخذ به، وإن أجزنا تأخير البيان كان مخصصا، فيصح الأخذ به، وهكذا ينظر أيضًا في تاريخ الآيتين، ليعلم من التواريخ المتأخر، فينظر هل أنت تطلب نسخًا فلا يكون إلا بقاطع، أو تخصيصا فيكون بغير قاطع، وهذا مما يكثر، ومن استبحر في مسائل الخلاف، وطرق المحاجة من أهلها ألفي من هذا كثير.
ومما يلتحق بالكلام في هذا (ص ٤٨) الباب أن تعلم فرق ما بين من يقول بالوقف، وينكر صيغ العموم، وبين من يقول بالعموم، ويقف انتظارًا للبيان، فإن هذا وقف، وهذا واقف، ولكن أحدهما يقف لأجل احتمال اللفظ، فلا ينقض وقوفه حتى يعثر على ما يبين له المراد باللفظ، فإن لم يعثر على ما يبين له المراد باللفظ فلا متمسك له بذلك اللفظ، والآخر وهو القائل بالعموم المجوز لتأخير البيان يقف ترقبا ورود مخصص فإن يئس منه تمسك، فشتان بين متمسك بالعروة حتى لا تزال يده منها، وبين من يتلطف التوصل للتمسك بها.
وأما الوجه الثاني وهو نقل المذاهب في تأخير البيان، فاعلم أن الخطاب إذا ورد، ومست الحاجة إلى امتثاله وإنفاذه، فإن الاتفاق قد حصل من أهل المذاهب على أن البيان لا يتأخر حينئذ، لأنه لو تأخر في هذه الصورة، وكلف المكلف القصد إلى من لم يعلمه مراده، ولا فعل له دليلا عليه، كان هذا تكليف ما لا يطاق، وقد حصل الإطباق على أنه لا يقع هاهنا، وإن اختلف في تجويز ورود الشرع به، على حسب ما تقدم فيما قبل.
والمعتزلة يلتفتون مع هذه النكتة إلى طريق ثانية في الإحالة وهي النظر في الاصطلاح، والتقبيح والتحسين العقلي، وذلك أصل لا نساعدهم عليه.
وأما تأخير البيان على وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الامتثال، فإن المنقول فيه ستة أقوال:
من الناس من ذهب إلى إجازة ذلك على الإطلاق، وبه قال الشافعي، وأكثر أصحابه، والأقل من أصحاب أبي حنيفة، ومن أصحابنا ابن بكير، وأبو الفرج، وابن خويز منداد، وحذاق المتكلمين من أصحابنا.
[ ١٤٢ ]
ومنهم من ذهب إلى منع ذلك على الإطلاق، وبه قال الأكثر من أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، ومن أصحابنا أبو بكر الأبهري، وغيره، وهو قول المعتزلة.
ومن الناس من لم يطلق الجواب، بل فصله، فقال بعضهم يجوز تأخير البيان في الأوامر والنواهي دون الأخبار.
ومنهم من قال بالعكس.
وقال بعض الناس يجوز تأخير البيان في المجمل، ولا يجوز في العموم
وذكر بعض المصنفين قولا سادسا، وهو عكس هذا، وهذا القول السادس، وهو إجازة تأخير البيان في العموم ومنعه في المجمل، ولست أثق بنقله كما أثق بنقل المذاهب الخمس. وقد قال القاضي عبد الوهاب في بعض مصناته: ما أحد قال به، وأراه إنما نبه عليه، لأنه استراب نقله أيضًا، فلم ينقله مع جمله المذاهب، ولكنه رمز إليه بمثل هذا التنبيه عليه.
وإذا ورد بيان لمشكل، فهل يترقب وقوع بيان آخر بعده على القول بجواز تأخير البيان؟ اختلف الناس فيه أيضًا على أربعة أقوال:
فمنهم من أجاز ذلك في الثاني والثالث وما بعدهما، كما أجازه في الأول.
ومنهم من منع ذلك في الثاني وما بعده، وقدر أن ورود البيان الأول يشعر بانحسام طرق ترقب بيان آخر، لأن المخاطب جد في بيان ما أشكل فاقتضى الحال إكمال البيان.
ومنهم من أجاز ذلك في المجمل، ومنعه في العموم كإحدى المقالات المقولة في البيان الأول، فمنهم من منع تأخير الثاني، إلا أن يشعر المبين بأنه قد بقي بيان آخر، فحينئذ يجوز تأخير بيان بعد بيان.
وأما الوجه الثالث، وهو سبب الاختلاف بين أهل هذه المذاهب، فإنه مما ينبغي أن يعلم قبل الخوض في هذا أنا ذكرنا أن الكلام في هذه المسألة من أربعة أنحاء:
منها إثبات وقوع ذلك في الشرع، وأنت إذا اشتغلت بهذا الوجه وأثبتت وقوع ذلك في الشرع أغناك عن النظر في جواز وقوعه، وهذا كما قال المستدل بالسمع على أن الله تعالى يرى في القيامة يتضمن استدلاله جواز الرؤية، ويعينه عن إفراد ذلك بالذكر.
[ ١٤٣ ]
فأما القائلون بجواز تأخير البيان على الإطلاق فإنهم يعتمدون على أن تصور هذا ممكن متأت، ولا بعد في العقول في أن السيد يقول لعبده: اصنع لي غدا طعاما، ثم يبين في غد جنس الطعام الذي يصنع له.
وإنما منع المانعون تأخير البيان، لأنهم قدروا تضمنه إحالة، لا لكونه في نفسه محالا، واختلفت عبارتهم عن وجه الإحالة، فمنهم من يشير إلى أن تأخير البيان يصير الخطاب المشكل كالعدم، أو كخطاب الميت، أو كخطاب الزنجي بالعربية.
ومنهم من يشير إلى كون هذا الخطاب إغراء بالجهالة، وتسليط الغلط، ومنهم من يشير إلى كونه مهجنا للخطاب، مفسدا للغة، كما يهجن الخطاب تأخير الاستثناء، ويفسد اللغة، ومنهم من [يشير] إلى الاستصلاح الواجب على الله سبحانه للعباد، وهؤلاء هم المعتزلة، وأصلهم غير مسلم كما قررناه مرارا، على أنا لو [سلمنا] لهم لم يبعد كون الاستصلاح في تأخير التعيين، وربما كان تقدمه مفسدة، وتأنيس الطبع به، وتدرجه عليه (ص ٤٩) أقرب إلى الصلاح.
وأما من جعل الخطاب كالعدم فباطل، لأنه موجود حسا، ومن شبهه بخطاب الموتى فباطل، لأن الميت لا يفهم جملا ولا تفصيلا، وهذا يفهم على الجملة، ويعلم أنه مكلف عبادة، وينتظر بيانها له، فهو مطيع في تصديقه، وعازم على فعلها عند البيان، ويتوقع البيان، والميت لا يتوقعه.
وتشبيههم بخطاب الزنجي باطل أيضًا لما قررناه من كون الزنجي لا يفهم جملة وتفصيلا هذا على أن نجوز خطاب الزنجي بالعربية بشرط بيانها له، وقد كلف النبي ﵇، أمته امتثال ما جاء به للعجم، كما كلفه للعرب، ولم يقبح ذلك لكونه يترجم لهم عنه، على أن هذا الإعلال تتوجه المطالبة به على من احتج به، وذلك أن المانعين لتأخير البيان لا ينكرون ورود الخطاب بالمشكل إذا قارنه بيان، وخطاب الميت لا يحسن ولو قارنه البيان، وخطاب الزنجي حسن، والبيان واقع عقيبه، أو متأخرا عنه، على حد سواء.
وهكذا لو درس فقيه الفقه سائر نهاره بالعجمية، والتلامذة عرب فإن حسن البيان
[ ١٤٤ ]
عقيب الفراغ من التدريس، وبعض حين على حد سواء، فإن كان قبيحا ففي الأمرين، وإن كان حسنا ففي الأمرين.
وأما تعويلهم على أن في ذلك إغراء بالجهالة فإنه باطل، لأنه من حق سامع العموم أن يترقب ورود بيان وتخصيص، لكونه ذلك لا إحالة في تأخيره، فإن بادر فصمم على القطع على الشمول فالذنب له، لا للفظ، ولا يجعل غلط الغالطين إفسادًا للحقائق، ولا قلبا لها عن صورتها.
وأما من قبحه قياسا على قبح تأخير الاستثناء فإنه باطل، لأن العرب لم تنطق بالاستثناء مؤخرا، ونطقت بمشكلات ثم بينتها فيما بعد، فالقبح والحسن هاهنا متلقى من اللسان، وإذا وضح فساد ما تخيله هؤلاء من طرق الإحالة، ثبت جواز الذي قلناه، ويناقضون بتأخير النسخ، فإنه عند المعتزلة وغيرهم ممن اتبعهم على هذا المذهب بيان مدة انقطاع العبادة، والنسخ تخصيص للأزمان، والتخصيص يكون في الأعيان، ولا فرق بين إخراج بعض الأزمان، أو بعض الأعيان، فإذا جاز التأخير في النسخ، جاز ذلك في إخراج بعض الأعيان، وهذا لا يتصور فيه فرق محقق.
وقد دعا توجه هذا الإلزام بعض المبتدعة إلى أن كابر في تأخير النسخ فمنعه، وأوجب اقترانه للخطاب نصا، أو إشعارا، وهذا معلوم على الضرورة، أن الشريعة جاءت بخلافه، وأن النواسخ كلها لم تقارن المنسوخ، ولو قارنته تصريحا لم يكن نسخا، إذ لو كان ذلك لكان كل تقييد، أو اشتراط نسخا، حتى يكون قوله تعلى في الحيض: (حتى يطهرن) نسخا لتحريم وطء الحائض، وقوله تعالى: (إلى الليل) نسخا لقوله: (ثم أتموا الصيام).
والإشعار على الجملة من غير تصريح لا معنى له، لأنا بالعقل نجوز نسخ ما تعبدنا به، فلا ثمرة لقوله: صلوا إلا أن أنسخ ذلك عنكم، لأنا نعلم بالعقول أن الأمر كذلك يكون، وأما من فرق بين الأخبار والأحكام فأجاز في الأحكام دون الأخبار، فإنه قدر أن تأخير البيان [في] الأخبار يطرق سوء الظن إلى صدق الصادق، بخلاف الأحكام فإنها ليست بخبر يدخله الصدق والكذب، ورفع جميعها بالنسخ غير مستنكر، فكيف برفع بعضها.
[ ١٤٥ ]
وأما من عكس هذا، فقدر أن الغلط في الأحكام مضر بالمكلفين، ومفسد للعباد، وتأخير البيان فيه إغراء بالغلط، والغلط في الأخبار غير مفسد للعباد، فصح فيه التأخير.
وأما من أجاز في المجمل، ومنع في العموم، فلأن المجمل لا طريق له إلى اعتقاد أمن فيه فيؤمن الغلط عليه، والعموم له طريق إلى اعتقاد التعميم، لكونه مقتضى ظاهر اللفظ، وقد يغلط في اعتقاده، إذا أخر التخصيص.
وأما من عكس هذا المذهب إن ثبت النقل لهذا المذهب، فإنه يرى أن العموم له ظاهر يدل على المعاني، فالخطاب به خطاب بما يفيد، والمجمل لا فائدة [فيه] فضارع الخطاب به خطاب العربي بالزنجية.
وأما الأربع مذاهب التي نقلناها في جواز تأخير البيان الثاني فقد نبهنا على سبب الخلاف في المذهبين المطلقين بالمنع والإجازة، والمذاهب المعتدة توجيهها، والرد عليها مأخوذ مما قررناه.
وأما الوجه الرابع فإن الناس استدلوا على وقوع البيان متأخرا في الشريعة بقوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه) و"ثم" للمهل والتراخي.
وبقوله تعالى: (ثم فصلت آياته) و"ثم" للمهملة كما قررناه.
وقد قالت الملائكة: (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) ولم يستثنوا لوطا، حتى قال إبراهيم ﵇: (إن فيها لوطا) فـ (إن فيها لوطا)، نخصص من أهل القرية.
وهكذا [وعد الله] (ص ٥٠) سبحانه نوحا بأنه ينجيه وأهله، ولم يستثن من الأهل ابنه، حتى قال نوح: (إن ابني من أهلي) فأخبر بتخصيصه من الأهل، وهذان بيانان تأخرا.
وقد أمر الله بني إسرائيل بذبح بقرة، والقصد بالأمر بقرة معلومة، وراجع بنو إسرائيل فيها مرة بعد مرة، حتى بين لهم ما عرفوها به، وهذا تأخير البيان، وهكذا قصة موسى ﵇ مع الخضر، فإنه لم يخبره بجواب ما سأله عنه إلا بعد تراخ، على حسب ما أخبر الله
[ ١٤٦ ]
سبحانه عنهما في قتل النفس، وخرق السفينة، وإقامة الجدار، وقد سأل رجل النبي ﷺ عن صلاة الصبح "فأمره أن يصلي معه يومين" الحديث، فأخر البيان حتى أوقعه بالفعل.
وقد فرض الحج، وأخر بيانه حتى حج النبي ﷺ، وبين المناسك حالا فحالا، هكذا نصب الزكوات وأحكامها، والصلوات وأنواعها، وركوعها وسجودها، أخر بيان جميع ذلك عن أوقات ورود الأمر بها على الجملة، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وبعض هذه الظواهر وإن نوزع في التعلق بها، فإن جميعها وتكاثرها يقضي وقوع تأخير البيان، مع المنقول في الحج والصلاة من الأحوال الدالة على التأخير.