قَالَ أَبُو دَاوُد قلت لِأَحْمَد الْأَوْزَاعِيّ هُوَ اتبع أم مَالك قَالَ لَا تقلد دينك أحدا من هَؤُلَاءِ مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فخذبه ثمَّ التَّابِعين بعد الرجل فيهم مُخَيّر وَقد فرق الإِمَام أَحْمد بَين التَّقْلِيد والاتباع فَقَالَ أَبُو دَاوُد سمعته يَقُول الِاتِّبَاع أَن يتبع الرجل مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه ثمَّ هُوَ من بعد مَعَ التَّابِعين مُخَيّر وَقَالَ أَحْمد أَيْضا لَا تقلدني وَلَا تقلد مَالِكًا وَلَا الشَّافِعِي وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا الثَّوْريّ وَخذ من حَيْثُ أخذُوا وَقَالَ من قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال
قَالَ ابْن الْقيم وَلأَجل هَذَا لم يؤلف الإِمَام أَحْمد كتابا فِي الْفِقْه وَإِنَّمَا دون أَصْحَابه مذْهبه من أَقْوَاله وأفعاله وأجوبته وَغير ذَلِك
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس اعْلَم أَن الْمُقَلّد على غير ثِقَة فِيمَا قلد وَفِي التَّقْلِيد إبِْطَال مَنْفَعَة الْعقل لِأَنَّهُ خلق للتأمل والتدبر وقبيح بِمن أعطي شمعة يستضيء بهَا أَن يطفئها وَيَمْشي فِي الظلمَة
وَاعْلَم أَن عُمُوم أَصْحَاب الْمذَاهب يعظم فِي قُلُوبهم التفحص عَن أَدِلَّة إمَامهمْ فيتبعون قَوْله وَيَنْبَغِي النّظر إِلَى القَوْل لَا إِلَى الْقَائِل كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ لِلْحَارِثِ بن عبد الله الْأَعْوَر بن الحوتي وَقد قَالَ لَهُ أتظن أَن طَلْحَة وزبيرا كَانَا على الْبَاطِل فَقَالَ لَهُ يَا حَارِث إِنَّه ملبوس عَلَيْك إِن الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ اعرف الْحق تعرف أَهله انْتهى
وَقَالَ ابْن الْقيم فَإِذا جَاءَت هَذِه أَي النَّفس المطمئنة بتجريد الْمُتَابَعَة للرسول ص جَاءَت تِلْكَ أَي الْإِمَارَة بتحكيم آراء الرِّجَال وأقوالهم فَأَتَت بِالشُّبْهَةِ المضلة بِمَا يمْنَع من كَمَال الْمُتَابَعَة وتقسم بِاللَّه مَا مرادها إِلَّا الْإِحْسَان والتوفيق وَالله يعلم أَنَّهَا كَاذِبَة وَمَا مرادها إِلَّا التفلت من سجن الْمُتَابَعَة إِلَى فضاء إرادتها وحظوظها وتريه أَي وَترى النَّفس الأمارة صَاحبهَا تَجْرِيد الْمُتَابَعَة للنَّبِي ص وَتَقْدِيم قَوْله على الآراء فِي صُورَة تنقص الْعلمَاء وإساءة الْأَدَب عَلَيْهِم المفضي إِلَى إساءة الظَّن بهم وَأَنَّهُمْ قد فاتهم الصَّوَاب فَكيف لنا قُوَّة الرَّد عَلَيْهِم أَو نحظى بِالصَّوَابِ دونهم وتقاسمهم بِاللَّه إِن أَرَادَت إِلَّا إحسانا وتوفيقا أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا وَالْفرق بَين تَجْرِيد مُتَابعَة الْمَعْصُوم وإهدار أَقْوَاله وإلغائها أَن تجرد الْمُتَابَعَة لَا تقدم على مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ قَول أحد وَلَا رَأْيه كَائِنا من كَانَ بل ينظر فِي صِحَة الحَدِيث أَو لَا فَإِذا صَحَّ نظر فِي مَعْنَاهُ ثَانِيًا فَإِذا تبين لَهُ لم يعدل
[ ١١٣ ]
عَنهُ وَلَو خَالفه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب ومعاذ الله أَن تتفق الْأمة على ترك مَا جَاءَ بِهِ نَبينَا ص بل لَا بُد أَن يكون فِي الْأمة من قَالَ بِهِ وَلَو خَفِي عَلَيْك فَلَا تجْعَل جهلك بالقائل حجَّة على الله تَعَالَى وَرَسُوله ص فِي تَركه بل اذْهَبْ إِلَى النَّص وَلَا تضعف وَاعْلَم أَنه قد قَالَ بِهِ قَائِل قطعا وَلَكِن لم يصل إِلَيْك علمه هَذَا مَعَ حفظ مَرَاتِب الْعلمَاء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم فِي حفظ الدّين وَضَبطه فهم ﵁ دائرون بَين الْأجر والأجرين وَالْمَغْفِرَة وَلَكِن لَا يُوجب هَذَا إهدار النُّصُوص وَتَقْدِيم قَول الْوَاحِد مِنْهُم عَلَيْهَا بِشُبْهَة أَنه أعلم مِنْك فَإِن كَانَ كَذَلِك فَمن ذهب إِلَى النُّصُوص أعلم فَهَلا وافقته إِن كنت صَادِقا فَمن عرض أَقْوَال الْعلمَاء على النُّصُوص ووزنها بهَا وَخَالف مِنْهَا مَا خَالف النَّص لم يهدر أَقْوَالهم وَلم يهضم جانبهم بل اقْتدى بهم فَإِنَّهُم كلهم أمروا بذلك بل مخالفتهم فِي ذَلِك أسهل من مخالفتهم فِي الْقَاعِدَة الْكُلية الَّتِي أمروا بهَا ودعوا إِلَيْهَا من تَقْدِيم النَّص على أَقْوَالهم وَمن هَذَا تبين الْفرق بَين تَقْلِيد الْعَالم فِي جَمِيع مَا قَالَ وَبَين الِاسْتِعَانَة بفهمه والاستضاءة بِنور علمه فَالْأول يَأْخُذ قَوْله من غير نظر فِيهِ وَلَا طلب دَلِيله من الْكتاب وَالسّنة والمستعين بإفهامهم يجعلهم بِمَنْزِلَة الدَّلِيل فَإِذا وصل اسْتغنى بدلالته عَن الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ فَمن اسْتدلَّ بِالنَّجْمِ على الْقبْلَة لم يبْق لاستدلاله معنى إِذا شَاهدهَا
قَالَ الشَّافِعِي أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله ﷺ لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد وَمن هَذَا تبين الْفرق بَين الحكم الْمنزل الْوَاجِب الِاتِّبَاع وَالْحكم المؤول الَّذِي غَايَته أَن يكون جَائِز الِاتِّبَاع بِأَن الأول هُوَ الَّذِي أنزل الله تَعَالَى على رَسُوله ص متلوا أَو غير متلو إِذا صَحَّ وَسلم من الْمُعَارضَة وَهُوَ حكمه الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ وَلَا حكم لَهُ سواهُ وَإِن الثَّانِي أَقْوَال الْمُجْتَهدين الْمُخْتَلفَة الَّتِي لَا يجب اتباعها وَلَا يكفر وَلَا يفسق من خالفها فَإِن أَصْحَابهَا لم يَقُولُوا هَذَا حكم الله وَرَسُوله قطعا وحاشاهم عَن قَول ذَلِك وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَنهُ فِي قَوْله وَإِذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله ص فَلَا تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَلَا ذمَّة نبيه وَلَكِن اجْعَل لَهُم ذِمَّتك وَذمَّة أَصْحَابك فَإِنَّكُم إِن تخفروا ذممكم وَذمَّة أصحابكم أَهْون من أَن تخفروا ذمَّة الله وَرَسُوله ص وَإِذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تنزلهم على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله وَلَكِن أنزلهم على حكمك فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله أم لَا أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَمُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث بُرَيْدَة بل قَالُوا اجتهدنا رَأينَا فَمن شَاءَ قبله وَمن شَاءَ لم يقبله وَلم يلْزم أحد مِنْهُم بقول الْأَئِمَّة قَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة هَذَا رَأْيِي فَمن جَاءَ بِخَير مِنْهُ قبلته انْتهى وَلَو كَانَ هُوَ عَن حكم الله لما سَاغَ لأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا مُخَالفَته فِيهِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك لما استشاره هَارُون الرشيد فِي أَن يحمل النَّاس على مَا فِي الْمُوَطَّأ فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ قد تفرق أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي الْبِلَاد
[ ١١٤ ]
وَصَارَ عِنْد كل قوم من الْأَحَادِيث مَا لَيْسَ عِنْد الآخرين وَهَذَا الشَّافِعِي نهى أَصْحَابه عَن تَقْلِيده ويوصيهم بترك قَوْله إِذا جَاءَ الحَدِيث بِخِلَافِهِ وَهَذَا الإِمَام أَحْمد مُنكر على من كتب فَتَاوِيهِ ودونها وَيَقُول لَا تقلدني وَلَا تقلد فلَانا وَفُلَانًا وَخذ من حَيْثُ أخذُوا انْتهى كَلَام ابْن الْقيم بِطُولِهِ
وَقَالَ فِي أَعْلَام الموقعين وَكَانَ أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى شَدِيد الْكَرَاهَة لتصنيف الْكتب وَكَانَ يحب تَجْرِيد الحَدِيث وَيكرهُ أَن يكْتب كَلَامه ويشتد عَلَيْهِ جدا فَعلم الله حسن نِيَّته وقصده فَكتب من كَلَامه وفتواه أَكثر من ثَلَاثِينَ سفرا وَجمع الْخلال نصوصه فِي الْجَامِع الْكَبِير فَبلغ عشْرين سفرا أَو أَكثر
وَكَانَت فتواه مَبْنِيَّة على خَمْسَة اصول أَحدهَا النُّصُوص فَإِذا وجد النَّص أَي الْكتاب أَو السّنة أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه وَلَا من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى خلاف عمر فِي المبتوتة لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَلَا إِلَى خِلَافه فِي التَّيَمُّم للْجنب لحَدِيث عمار بن يَاسر وَلَا خِلَافه فِي اسْتِدَامَة الْمحرم الطّيب الَّذِي تطيب بِهِ قبل إِحْرَامه لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة فِي ذَلِك وَلَا خِلَافه فِي منع الْمُفْرد والقارن من الْفَسْخ إِلَى التَّمَتُّع لصِحَّة أَحَادِيث الْفَسْخ وَكَذَا لم يلْتَفت إِلَى قَول عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَأبي أَيُّوب وَأبي بن كَعْب ﵃ فِي ترك الْغسْل من الإكسال لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا فعلته هِيَ وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلا وَلم يلْتَفت إِلَى قَول ابْن عَبَّاس وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عَليّ أَن عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا الْحَامِل أقْصَى الْأَجَليْنِ
[ ١١٥ ]
لصِحَّة حَدِيث سبيعة الأسْلَمِيَّة وَلم يلْتَفت إِلَى قَول معَاذ وَمُعَاوِيَة فِي تَوْرِيث الْمُسلم من الْكَافِر لصِحَّة الحَدِيث الْمَانِع من التَّوَارُث بَينهمَا وَلم يلْتَفت إِلَى قَول ابْن عَبَّاس فِي الصّرْف لصِحَّة الحَدِيث بِخِلَافِهِ وَلَا إِلَى قَوْله بِإِبَاحَة لُحُوم الْحمر كَذَلِك وَهَذَا كثير جدا وَلم يكن يقدم على الحَدِيث الصَّحِيح عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا قَول صَاحب وَلَا عدم علمه بالمخالف الَّذِي يُسَمِّيه كثير من النَّاس إِجْمَاعًا ويقدمونه على الحَدِيث الصَّحِيح وَقد كذب أَحْمد من ادّعى الْإِجْمَاع وَلم يسغْ تَقْدِيمه على الحَدِيث الثَّابِت وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي أَيْضا نَص فِي رسَالَته الجديدة على أَن مَالا يعلم فِيهِ الْخلاف لَا يُقَال لَهُ إِجْمَاع وَلَفظه مَالا يعلم فِيهِ خلاف فَلَيْسَ إِجْمَاعًا
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل سَمِعت أبي يَقُول مَا يدعى فِيهِ الرجل الْإِجْمَاع فَهُوَ كذب من ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا مَا يدريه وَلم ينْتَه إِلَيْهِ فَلْيقل لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلَكِن يَقُول وَلَكِن لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا وَلم يبلغنِي ذَلِك هَذَا لَفظه ونصوص رَسُول الله ﷺ عِنْد الإِمَام أَحْمد وَسَائِر أَئِمَّة الحَدِيث أجل من أَن تقدم عَلَيْهَا توهم إِجْمَاع مضمونه عدم الْعلم بالمخالف وَلَو سَاغَ لتعطلت النُّصُوص وساغ لكل من لم يعلم مُخَالفا فِي حكم مَسْأَلَة أَن يقدم جَهله بالمخالف على النُّصُوص فَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ من دَعْوَى الْإِجْمَاع لَا مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه استبعاد لوُجُوده