التعارض لغة: التقابل والتمانع.
واصطلاحًا: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر.
وأقسام التعارض أربعة:
الأول: أن يكون بين دليلين عامين وله أربع حالات:
١ - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع.
مثال ذلك: قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: من الآية ٥٢] وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: من الآية ٥٦] والجمع بينهما أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق وهذه ثابتة للرسول ﷺ.
والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل، وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول ﷺ ولا غيره.
٢ - فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول.
مثال ذلك: قوله تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٤] فهذه الآية تفيد
[ ٧٥ ]
التخيير بين الإطعام والصيام مع ترجيح الصيام، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: من الآية ١٨٥] تفيد تعيين الصيام أداء في حق غير المريض والمسافر، وقضاءً في حقهما، لكنها متأخرة عن الأولى، فتكون ناسخة لها كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع الثابت في «الصحيحين» (١) وغيرهما.
٣ - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ: «من مس ذكره فليتوضأ» (٢) وسئل ﷺ عن الرجل يمس ذكره؛ أعليه الوضوء؟ قال: «لا إنما هو بضعة منك» (٣)، فيرجح الأول؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر طرقًا، ومصححوه أكثر، ولأنه ناقل عن الأصل، ففيه زيادة علم.
_________________
(١) رواه البخاري «٤٥٠٧» كتاب التفسير، ٢٦ - باب فمن شهد منكم الشهر فليصمه. ومسلم «١١٤٥» كتاب الصيام، ٢٥ - باب بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾. بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
(٢) رواه أبو داود «١٨١»، والترمذي «٨٢»، وابن ماجه «٤٨١»، والنسائي في «الصغرى» «٤٤٤»، وأحمد «٦/ ٤٠٦/٢٧٣٣٤»، وصححه ابن حبان «٢١٣ - الموارد» كتاب الطهارة، ٢٩ - باب ما جاء في مس الفرج.
(٣) رواه أبو داود «١٨٢»، والترمذي «٨٥»، والنسائي في «الصغرى» «١٦٥»، وابن ماجه «٤٨٣».
[ ٧٦ ]
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولا يوجد له مثال صحيح.
القسم الثاني: أن يكون التعارض بين خاصين، فله أربع حالات أيضًا.
١ - أن يمكن الجمع بينهما فيجب الجمع.
مثاله حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة (١) وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صلاها بمنى (٢)، فيجمع بينهما بأنه صلاها بمكة، ولما خرج إلى منى أعادها بِمَنْ فيها من أصحابه.
٢ - فإن لم يمكن الجمع، فالثاني ناسخ إن علم التاريخ.
مثاله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٠]، وقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
_________________
(١) رواه مسلم «١٢١٨» في حديث جابر الطويل، كتاب الحج، ١٩ - باب حجة النبي ﷺ.
(٢) رواه البخاري «١٦٥٣» كتاب الحج، ٨٣ - باب أين يصلى الظهر يوم التروية. ومسلم «١٣٠٩» كتاب الحج، ٥٨ - باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر من حديث أنس. وراه مسلم «١٣٠٨» من حديث ابن عمر.
[ ٧٧ ]
حُسْنُهُن﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٢]، فالثانية ناسخة للأولى على أحد الأقوال.
٣ - فإن لم يمكن النسخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثاله: حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (١) وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم (٢)، فالراجح الأول لأن ميمونة صاحبة القصة فهي أدرى بها، ولأن حديثها مؤيد بحديث أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُما (٣).
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولا يوجد له مثال صحيح.
القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص.
_________________
(١) رواه مسلم «١٤١١» من حديث ميمونة: كتاب النكاح، ٥ - باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته و«١٤١٠» من حديث ابن عباس. قال ابن عبد البر «٣/ ١٥٢» من «التمهيد»: الرواية عن ميمونة متواترة.
(٢) رواه البخاري «٥١١٤» كتاب النكاح، ٣٠ - باب نكاح المحرم. ومسلم «١٤١٠» كتاب النكاح، ٥ - باب تحريم نكاح المحرم.
(٣) رواه ابن حبان «١٢٧٢ - الموارد» كتاب النكاح/ ١٤ - باب ما جاء في نكاح المحرم. وأحمد «٦/ ٣٩٢/٢٧٢٤١». والترمذي «٨٤١» كتاب الحج، ٢٣ - باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم، وقال: حسن. وضعفه الألباني.
[ ٧٨ ]
مثاله: قوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر» (١) وقوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٢) فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق.
القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه. فله ثلاث حالات:
١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٤]، وقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: من الآية ٤] فالأولى خاصة في المتوفى عنها عامة في الحامل وغيرها. والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفى عنها، وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية، وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج (٣)، وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها.
_________________
(١) سبق «ص ٤٣ ح رقم ١».
(٢) سبق «ص ٤٣ ح رقم ٢».
(٣) رواه البخاري «٥٣١٨» كتاب الطلاق، ٣٩ - باب ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ومسلم «١٤٨٥» كتاب الطلاق، ٨ - باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل.
[ ٧٩ ]
٢ - وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) وقوله: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (٢).
فالأول خاص في تحية المسجد عام في الوقت، والثاني خاص في الوقت عام في الصلاة، يشمل تحية المسجد وغيرها لكن الراجح تخصيص عموم الثاني بالأول، فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها، وإنما رجحنا ذلك لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد؛ كقضاء المفروضة وإعادة الجماعة؛ فضعف عمومه.
٣ - وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني، وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه، والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها.
لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على
_________________
(١) رواه البخاري «٤٤٤» كتاب الصلاة، ٦٠ - باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين. ومسلم «٧١٤» كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٥ - باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(٢) رواه البخاري «٥٨٦» كتاب مواقيت الصلاة، ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم «٨٢٧» كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٥١ - باب الأوقالت التي نهي عن الصلاة فيها.
[ ٨٠ ]
وجه لا يمكن فيه الجمع، ولا النسخ، ولا الترجيح؛ لأن النصوص لا تتناقض، والرسول ﷺ قد بيّن وبلّغ، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره. والله أعلم.
[ ٨١ ]