قال أبو محمد أنكر بعض اليهود النسخ جملة وقد تكلمنا في هذا في كتابنا الموسوم بالفصل ونعيد ههنا منا ما يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى فنقول وبالله تعالى التوفيق إن منكري النسخ قالوا ليس من الحكمة أن يأمر الله تعالى بشيء أمس ثم ينهى عن مثله اليوم وهذا من نظائر قول أصحابنا بالعلل وهؤلاء قوم يتعقبون على ربهم تعالى فيقال لهم أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر به لكانت تبطل حكمته أو لو أمر بغير ما أمر به لكانت تبطل حكمته أو ترون إذ قدس الأرض المقدسة ولعن أريحا ولعن أورشليم أكان ذلك مفسدا لحكمته وإذ حظر العمل في السبت وأباحه في الأحد أرأيتم لو عكس الأمر أكان ذلك مبطلا لحكمته فإن راموا فرقا بين شيء من ذلك لحقوا بالمجانين وجاهروا بما لا يفهم وبما يعلم بطلانه
ثم يقال لهم أليس الله تعالى قد ملك قوما من الكفار العصاة الظلمة
[ ٤ / ٦٧ ]
ومكنهم وأذل قوما من الكفار العصاة الظلمة وملك غيرهم رقابهم وملك قوما صالحين فضلاء مؤمنين ومكنهم وبسط أيديهم وأذل قوما صالحين فضلاء مؤمنين وملك غيرهم رقابهم ومد أعمار قوم كفار طغاة واخترم آخرين منهم قبل بلوغ الاكتهال وفعل مثل ذلك بقوم مؤمنين أفاضل ومكن قوما عصاة مردة من البيان والكلام في العلوم حتى أضلوا أمما من الخلق وجعل آخرين منهم بلداء أغبياء وفعل مثل ذلك أيضا بالمؤمنين سواء بسواء فما الذي جعل هذا حكمه دون عكس كل ذلك وما الفرق بين هذا من أفعاله تعالى وبين أن يأمر اليوم بأمر ثم ينهى عن مثله غدا وما يفرق بين كل ما ذكر إلا عديم عقل أو وقح سخيف فإن قالوا إن هذا هو البداء لزمهم مثل ذلك في كل ما ذكرنا آنفا وفي إحيائه من يحيي ثم إماتته وفي إغنائه من يغني ثم إفقاره وفي تصحيحه جسم من يرزقه العافية ثم يمرضه وفي الهرم بعد الفتوة فإن قال قائل ما الفرق بين البداء والنسخ قيل له وبالله تعالى التوفيق الفرق بينهما لائح وهو أن البداء هو أن يأمر بالأمر والأمر لا يدري ما يؤول إليه الحال والنسخ هو أن يأمر بالأمر والأمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد قد سبق ذلك في عمله وحتمه من قضائه فلما كان هذان الوجهان معنيين متغايرين مختلفين وجب ضرورة أن يعلق على كل واحد منها اسم يعبر به عنه غير اسم الآخر ليقع التفاهم ويلوح الحق فالبداء ليس من صفات الباري تعالى ولسنا نعني الباء والدال والألف وإنما نعني المعنى الذي ذكرنا من أن يأمر بالأمر لا يدري ما عاقبته فهذا مبعد من الله ﷿ وسواء سموه نسخا أو بداء أو ما أحبوا وأما النسخ فمن صفات الله تعالى من جهة أفعاله كلها وهو
[ ٤ / ٦٨ ]
القضاء بالأمر قد علم أنه سيحيله بعد مدة معلومة عنده ﷿ كما سبق في علمه تعالى ولسنا نكابر على النون والسين والخاء وإنما نعني المعنى الذي بينا وسواء سموه نسخا أو بداء أو
ما أحبوا من الأسماء ولكن اسمه عند النسخ وبهذه العبارة نعبر عن هذا المعنى الذي لا يخلو الله تعالى فعل منه أصلا في دار الابتلاء وكل شيء منها كائن فاسد وهذا هو النسخ وهو نوع من أنواع الكون والفساد الجاريين في طبيعة العالم
بتقدير خالقه ومخترعه ومدبره ومتممه لا إله إلا هو واسم الصفة الأولى عندنا البداء فيها يعبر عن هذا المعنى الذي هو من صفات المختارين من الإنس والجن وسائر الحيوان وهو خلق مذموم لأنه نتيجة الملل والندم والسآمة وهذه الأخلاق منفية عن الملائكة بنص القرآن فكيف عن الباري تعالى فهذا فرق ما بين البداء والنسخ قد لاح والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم قال أبو محمد والنسخ قبل حلول الوقت الذي علم الله ﷿ أنه يحيل فيه الحال ممتنع في الوجود لا في قدرته تعالى على ذلك وهو عندنا في ظاهر الأمر ممكن قال أبو محمد وهو في وقت حلوله وبلوغ أمده الذي قدره تعالى كائنا فيه واجب وهو بعد أن علمنا الله ﷿ أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ممتنع لا سبيل إليه في الوجود لا على معنى أنه تعالى لا يوصف بالقدرة على ذلك بل نعوذ بالله من الفكر في هذا أو التشكيك بل هو ﷿ قادر الآن وأبدا على أن يبعث نبيا آخر بدين آخر ولكنه أخبرنا أنه لا يفعل ذلك مريدا لتركه وقوله الحق فعلمنا أن كون ما لا يريد تعالى كونه ممتنع أن يكون أبدا ويقال لمن أبى النسخ ما الفرق بين أن يأمرنا الله بشيء في وقت ما ويبينه لنا ويعلمنا أنه إذا أتى وقت كذا وجب الانتقال إلى شيء آخر وبين أن
[ ٤ / ٦٩ ]
يأمرنا ولا يعلمنا أنه سينقلنا إلى شيء آخر وهذا ما لا سبيل إلى وجود فرق فيه أبدا لذي تمييز وعقل لأنه ليس لنا على الله تعالى شرط ولا عليه أن يطلعنا على علمه ولا يتقمن مسارنا ولا أن يأخذ آراءنا في شيء ومدعي هذا ملحد في دين الله ﷿ كافر به مفتر عليه وقد نص تعالى على ذلك بقوله تعالى ﴿لله لا إله إلا هو لحي لقيوم لا تأخذه سنة ولا نوم
له ما في لسماوات وما في لأرض من ذا لذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه لسماوات ولأرض ولا يؤوده حفظهما وهو لعلي لعظيم﴾ وبقوله ﷿ ﴿عالم لغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من رتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ وهذا ما لا يخالفنا فيه إلا بعض اليهود وأما أهل
الإسلام فكلهم يجيزون النسخ إلا بعض من منع من هذه اللفظة وأجاز المعنى وهذا ما لا ننازعه فيه إذا سلم لنا الصفة المسماة فلسنا ممن يشتغل بالاسم إلا حيث أوجب ذلك النص وأما اليهود فغير منكر من شدة جهلهم وضعف عقولهم وعظيم بهتهم وكذبهم وتناقض أقوالهم وصلابة وجوههم ورخاوة قلوبهم وفرط غيظهم على ربهم ﷿ إذا أحل بهم من البلاء والذل والمهانة والخسة ما أحل أن يدعوا أن لهم على ربهم شروطا أكثر من هذا فهم يدعون لكلب من أخبارهم يسمى إشماعيل لعنة الله عليه وعليهم أن الله تعالى عما يقول اليهود المشركون علوا كبيرا تعلق في خرب بيت المقدس بثياب إشماعيل وهو يعنون ربهم يبكي ويئن كما تئن الحمامة وأنهم يعنون ربهم رغب إلى إشماعيل هذا الرذل أن يبارك عليه بمعنى أن ربهم طلب من إشماعيل البركة فمن كان ربه عنده في نصاب من يطلب بركة إشماعيل لنفسه غير منكر أن يسفهوه
[ ٤ / ٧٠ ]
فيما أحبوا وهذه صفة جني لعب بعقولهم وسخر منهم لا صفة الباري تعالى ﷿ على أنه قد بين لهم في التوراة أمر رسول الله ﷺ وأنذروا به فصح بذلك أن شريعتهم إنما علقت لهم بشرط ما لم يأت النبي ﷺ المنتظر الذي هو رجاء الأمم والذي يستعلي من جبار فاران ومعه ألوف من الصالحين والذي يجعل الله تعالى كلامه في فمه ومن عصاه انتقم منه فصار ذلك بمنزلة ما أمروا به من العمل في التيه بأوامر ما وفي البيت والشام بأوامر أخر ومثله ما أمروا به من العمل في غير السبت ثم تحريم العمل في السبت وبمنزلة صيام وقت ما والمنع منه في وقت آخر ومثل إباحة الوطء في وقت ما وتحريمه في وقت الحيض وسائر الشرائع المرتبطة بأوقات ما فإذا عدمت تلك الأوقات انتقل حكم تلك الشرائع وكل ذلك لا علة له ولا شيء يوجبه أصلا لا مصلحة ولا غيرها إلا أنه تعالى أراد ذلك كما أراد خلق ما خلق من الخلائق المختلفات فقط وبالله تعالى التوفيق فكيف وفي توراتهم أن الله تعالى أباح لآدم
وبنيه أكل حيوان حاشا الدم وهذا خلاف شريعة موسى ﵇ فقد صح النسخ عندهم