"بلغني أنَّ الملِكَ الكامل وُضِع له شَمْعَدان - هو عَمُودٌ طويلٌ من نحاس له مراكز يوضع عليها الشمعُ للإِنارة - كلما مَضَى من الليل ساعةٌ انفتح بابٌ منه، وخرج منه شخصٌ يقِفُ في خدمة الملِك، فإذا انقضَتْ عشرُ ساعات طلع الشخص على أعلى الشمعدان وقال: صبَّح الله السلطان بالخيرِ والسعادة، فيَعلمُ أن الفجر قد طلع.
قال: وقد عَمِلتُ أنا هذا الشَمْعَدَانَ، وزِدتُ فيه أنَّ الشمعة يتغيَّرُ لونُها في كل ساعة، وفيه أسَدٌ تتغيَّر عيناه من السَّوَادِ الشديد إلى البياض الشديد إلى الحُمرة الشديدة، في كل ساعة لها لون، وتَسقُطُ حَصَاتان من طائرين، ويَدخل شخصٌ ويَخرج شخصٌ غيرُه، ويُغلَقُ بابٌ ويُفتحُ باب، فإذا طلع الفجر طلع الشخص على أعلى الشمعدان، وإصبعُه على أُذُنِه يُشِيرُ إلى الأذان ولكني عَجَزْتُ عن صَنْعَةِ الكلام، ثم صَنَعْتُ صُورةَ حيوانِ يمشي ويلتفِتُ يمينًا ويسارًا، ويُصَفِّرُ، ولا يتكلَّم (١).
وهذا ذكاء خارق عجيب ومهارةُ يَدٍ صَنَاعٍ فائقة من الإمام القرافي (٢).
_________________
(١) ونقله العلامة أحمد تِيمور باشا في كتابه "التصوير عند العرب" ص ٧٩ و١٠٤ عن ابن طولون في رسالته "قطرات الدمع فيما ورد في الشمع". ولا يَرِدُ على الِإمام القرافي الفقيهِ العبقريِّ الفَذّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: كيف صَنَع تمثالًا، والتماثيلُ محرَّمةْ في الإسلام تحريمًا قاطعًا، وهو من أعلم النَّاس بذلك، لأنَّ ما صَنَعه لا يزيدُ على آلةِ ذاتِ أجزاء متقطعة - تَعملُ بحركةِ منتظِمة - لا يمكنُ أن تعيش بذلك، والقرافي إمامٌ فقيه ورعٌ، لا يمكن أن يُقدِم على صُنع شيء محرَّم بالنص قطعًا. وانظر مقالًا ماتعًا للأستاذ عبد المجيد وافي بعنوانِ (علماء فَنَانون: الِإمام القرافي) في "مجلة الوعي الإسلامي" التي تصدرها وزارة الأوقاف الإسلامية في الكويت في عددها ٤٠ من سنتها الرابعة سنة ١٣٨٨= ١٩٦٨ ص ٥٤ - ٥٩.
(٢) وهذه المهارة العجيبة وأمثالُها وأشباهُها، تُوجَدُ في أفراد من العلماء الأفذاذ في الأحيان المتباعدة، يتميزون بها عن سواهم من ذوي العلم والمعارف، ولي صديقٌ عزيزٌ رَحَلَ =
[ ٢٦ ]
وكان - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - كثيرًا ما يتمثلُ - في التحذير من مناظرة الحَسَدة الفَسَدة، سَرَّاقي العلوم، ومدعي المعرفة ومختطفيها من العلماء النبلاء، وما أكثرَهم في كل عصر وبَرٍّ ومِصر - بقول القائل:
وإذا جلستَ إلى الرِّجالِ وأشرقَتْ في جَوِّ باطنِكَ العُلُومُ الشُّرَّدُ
فاحذَرْ مناظرةَ الحسودِ فإنما تغتاظُ أنت ويَستفيدُ ويَجحَدُ
وكان كثيرًا أيضًا ما يتمثلُ بقول محي الدين المعروفِ بحافِي رأسِه:
عتبتُ على الدنيا بتقديم جاهل وتأخيرِ ذي علم فقالت خُذِ العُذْرَا
بنو الجهلِ أبنائي، وكل فضيلةٍ فأبناؤها أبناءُ ضَرَّتيَ الأخرى