تقدم في ص ١٢١ عند قول النبي - ﷺ -: "من قَتَل قتيلًا فله سَلَبُه"، قولُ الإِمام القرافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (قال مالك: هذا تصرُّفٌ من النبي - ﷺ - بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدِ أن يَختَصَّ بسَلَبِ إِلَّا بإذن الإِمام في ذلك قَبْلَ الحرب، كما اتَّفق ذلك من رسول الله - ﷺ -).
وذكرتُ هناك تعليقًا أنَّ في قول القرافي: (قَبْلَ الحرب) إشكالًا، وهو أن مذهب الإِمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: لا يجوزُ للإمام التنفيلُ إِلا بعدَ الحرب، فهذا القولُ هنا (قبلَ الحرب) مشكلٌ ومعارِضٌ لما تقرَر في مذهبه، وأني سألتُ عنه طائفة من كبار علماء السادة المالكية، وراسلتهم، فكاتبوني وأجابوا بأجوبة كثيرة، وكلامِ طويل، فرأيتُ إثبات كلامهم وإجاباتهم بآخر الكتاب، نظرًا لطولها، ولئلا ينقطع اتصالُ الكلام بفاصلِ طويل جدًا، فها أناذا أوردُ ما قالوه مشكورين.
وأوَّلُ من سألتُه وراسلته في ذلك العلامةُ الجليل، والفقيه المحدِّث النبيل سماحة الشيخ محمد الجَوَاد الصِّقِلِّي عميدُ كلية الشريعة في مدينة فاس بالمغرب - ﵀ - تعالى (١)، وكانت رسالتي إليه من مدينة الرياض، في ٢ من صفر سنة ١٣٨٩، فأجابني بما يلي، مُضفيًا علي بعضَ الأوصافِ اللائقةِ به، عملًا بتواضعه الجم، وأدبِه الرفيع الذي عُرف به ساداتنا العلماء المغاربة، قال:
_________________
(١) توفي الشيخُ الجليلُ - رحمةُ الله تعالى - عليه ليلةَ عيد الفطر من عام ١٣٩٢.
[ ٢٧٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إلى سماحة العلامة المحقق سيدي الفاضل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد، فالجوابُ عن استشكالكم قولَ القرافي في "الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام": (فلا يجوز لأحدٍ أن يَختصَ بسَلَبٍ إِلا بإذن الإِمام في ذلك قَبلَ الحرب، كما اتَّفَقَ ذلك من رسول الله - ﷺ -). بما بينتموه في سؤالكم.
الجوابُ عن ذلك هو أن الإمام مالكًا يقول: إنه لا يَستحق القاتلُ سَلَبَ القتيل إِلَّا بإذن الإمام، وإنه لا يَجُوزُ أن يقول الإمامُ قبلَ الحرب: (من قتَل قتيلًا فله سَلَبُه)، وإنما يجوز بعدَها.
نَعَمْ إن قال ذلك قبلَ الحرب مضَى القولُ المذكور كان لم يَجُز، لأنه بمنزلةِ حُكمٍ بمختَلَفٍ فيه، إذ ثَمَ من أجازه كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حنيفة.
وعليه: فلو زاد القرافيُّ (ولَوْ)، بحيث تكون العبارة هكذا: (إِلَّا بإذن الإمام في ذلك ولَوْ قَنلَ الحرب)، لكان حسنًا، ويكون قولُه: (كما اتفَق ذلك من رسول الله - ﷺ -) راجعًا إلى ما قبلَ المبالَغَة.
وأحسَنُ من هذا أنْ لو حذَفَ قولَه (قَبْلَ الحرب)، فيكون كلامُه شاملًا لما إذا وقع إذنُ الإمامِ بعدَ الحرب أو قبلَها.
ولكن حيث إنه ذَكَرَ هذا اللفظَ وهو (قَبْلَ الحرب)، بدون زيادةِ (ولو)، فكلامُه ليس غلطًا، وغايةُ الأمر أنه صرَّح بالمُتَوَهَم، وهو إذا كان الإِذنُ قبلَ الحرب، فيكون غيرُهُ - وهو إذا كان الِإذن بعدَ الحرب - أولَى وأحرى.
وعليه فقولُه: (كما اتفق ذلك من رسول الله - ﷺ -) راجعٌ إلى الِإذنِ لا بقيدِ كونه قبلَ الحرب، إذْ إِذنُ النبي - ﷺ - كان بعدَ الحرب لا قبلَها.
وبيانُ الأخروية المذكورة - أي البعديَّة - هو أنه إذا كان القاتل يختص بسَلَبِ
[ ٢٧١ ]
القتيل، فيما إذا كان إذنُ الإمام حَرَامًا بأنْ كان قبلَ الحرب، فلأَنْ يَختَصَّ به فيما إذا كان إذنُ الإِمام جائزًا بأن كان بعدَ الحرب من بابِ أولى وأحرى.
وأمَّا إبدالُ لفظ (قَبْلَ) بلفظِ (بَعدَ)، فهو غيرُ صحيح، لأنه يقتضي أنه لا يَختَصُّ القاتلُ بالسَّلَب إِلَّا إذا كان إذنُ الإمام بعد الحرب، وأمَّا إذا كان قبلَها فلا يَختصُّ به، وليس الأمرُ كذلك كما علمتم.
لا يُقالُ: إنَّ هذا يَرِدُ أيضًا على عبارته، فيقتضي أنه لا اختصاص إِلا إذا كان الإِذنُ قبلَ الحرب، وأمَّا إذا كان بعدَها فلا، لأنَّا نقول: هذا غيرُ متَوهَّم، فضلًا عن أن يكون مقتضىَ للأخروية المتقدمة.
كما أنَّ كونَ عبارة القرافي صحيحةً لروايةِ في المذهب تُقرِّرُ ذلك، واختارها القرافي فهو أيضًا غيرُ صحيح لوجهين:
الأول: أنه لا وجود لهذه الرواية أصلًا، وإنما هو قولٌ لبعض أشياخ المذهب المالكي، حسبما ذَكَر التلمسَاني ونَقَلَه عنه الرُّهُوني في "حاشيته على الزرقاني" ٣: ١٦٣.
الوجهُ الثاني: أنه لو كانت هذه الرواية موجودة واختارها القرافي، لكان كلامُه فاسدًا، لأنه يقتضي أنه لا يَختَصُّ القاتلُ بالسَّلَب إِلا في صورة واحدة من صُورَتَيْ الجواز، وهي ما إذا كان الِإذنُ قبلَ الحرب، دون الصورة الثانية، وهي ما إذا كان الإِذنُ بعدَ الحرب، مع أنه لم يقل أحدٌ بعدمِ اختصاص القاتل بالسَّلَب إذا كان الإِذنُ بعدَ الحرب.
هذا ما ظهر لي في المسألة، والله أعلم بالصواب. وتقبلوا أطيبَ تحياتي وفائقَ احترامي، والسلامُ عليكم ورحمة الله.
فاس - كلية الشريعة ٢٥/ ٢/ ١٣٨٩ محمد الجواد بن عبد السلام الصِّقِلِّي الحُسَيني.
وراسلت في شأن هذا الإشكال في عبارة الإِمام القرافي، صاحبَ الفضيلة الأجل والعلامة الكبير الفقيه الأصولي المالكي، سماحة الشيخ صالح موسى شرف - ﵀ -
[ ٢٧٢ ]
تعالى، عضو جماعة كبار العلماء في الجامع الأزهر، وأستاذ الدراسات العليا فيه، أوَّلاَ بواسطة الأخ الفاضل الأستاذ محمد فؤاد البَرَازي وفقه الله، وكان في حينها أحَدَ طلحة الشيخ وملازميه، فأجابني بما سيأتي، ثم راسلته ثانيًا مباشرةً بيني وبينه، فأجابني بجواب آخر، وهذا نصُّ الجواب الأول منهما، الذكره تفضل به:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ومولانا محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته ومن تَبعَ هديَه إلى يوم الدين.
وبعد، فإلى تلميذنا الوفيّ الأستاذ الشيخ فؤاد البَرَازي، أكتب هذه الرسالة التي بَعَثَ بها إليَ، يَستفهم فيها عن سَلَب القتيل لمن يقتله، وذلك بتكليف له من شيخه العلامة المفضال الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، الذي أراد أن يستوثق من قول الإمام القرافي المالكي في هذا الموضوع.
أقول وبالله التوفيق: إنَّ للإمام أو أميرِ الجيش أن يُرغب المقاتلين في القتال للعدو، فله أن يُنَفل بعضَهم للمصلحة، بشرط أن يهون هذا النَّفَل من خُمس الغنيمة لا من الأربعة الأخماس التي خُصِّصَتْ للمجاهدين، فله أن يقول - بعدَ انقضاء القتال -: من كان منكم قَتَل قتيلاَ فله سَلَبُه. وهو ما يُوجَدُ مع القتيل حالَ الحرب، من فرسه ودرعه وسيفه ورمحه ومِنطقتِهِ وما شابَة ذلك من السلبِ المعتاد، دون ما ينفردُ بعضُ العظماء من سِوارٍ وتاجٍ على القول المشهور في المذهب.
هذا، ولا يجوز للإمام قبلَ انقضاء القتال أن يقول: من قتَل قتيلًا فله سَلَبُه، لأنَّ ذلك قد يَصرفُ المقاتلين عن نيَّة الجهادِ في سبيل الله، فيصيرَ قتالُهُ لا ثواب فيه، وقيل: إن قول الإِمام ذلك قبلَ انقضاء القتال ممنوع، ولكنَّ المعتمد كراهةُ ذلك، لأنَّ القتال لأجل الغنيمةِ ليس حرامًا، بل خلافُ الأكمَل.
وقولُه ذلك (١) فيه تجوُّزٌ من الماضي إلى المستقبل، أي من يقتُل قتيلًا فله سَلَبَهُ،
_________________
(١) أي قول أمير الجيش: (من قتَل قتيلًا) بصيغة الفعل الماضي.
[ ٢٧٣ ]
بخلاف ما لو قال ذلك بعدَ انقضاء القتال، فالماضي على حقيقته. وإذا تعدَّد مقتولُه فله سلَبُ الجميع.
هذا، ولا يجوز لغير الإمام أو أمير الجيش أن يُنَفِّل شيئًا من خُمُس الغنيمة، لأنَّ هذا موكولٌ لهما فقط، بما يريانه من المصلحة، كما أنه ليس للقاتل من نفسِه أن يَختَصَ بشيء من سلبِ من قتله بدونِ إذنِ الإِمام له بذلك، أو بقوله: من قَتَل قتيلًا فله سَلَبُه، كما أن ذلك ليس مختصًا بالقتال في عصر الرسول - ﵊ -، بل هو جائز في كلِّ قتال يَدُور بين المسلمين وأعداءِ الإِسلام، يُشترط أن يكون القولُ بعدَ انقضاء القتال، أمَّا قبلَه فمكروه كما تقدم أو ممنوع، روايتان عن الإِمام مالك، ولكن المعتمدَ في المذهب الكراهة.
هذا، ولا يكون السَّلَبُ لامرأةٍ أو صبيٍّ أو شيخٍ فانٍ أو راهب، إِلا إن اشتركوا في القتال، والله أعلم.
صالح موسى شرف المالكي
عضو جماعة كبار العلماء
وأستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر
المَرَاجع:
١ - كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني.
٢ - حاشية الشيخ علي الصعيدي على هذه الرسالة.
٣ - الشرح الصغير على متن خليل للشيخ الدردير.
٤ - حاشية الصاوي على الشرح المذكور.
٥ - حاشية الدُّسُوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير على متن خليل.
٦ - نقولٌ عن سُحنون، عبد الباقي، ابن حبيب، ابن القاسم، المدوَّنة حول هذا الموضوع.
انتهى نصُّ جوابه الأول، وهذا نصُّ جوابه الثاني الموجَّهِ منه إليَّ - مع الإِعراض عما أسبغه عليَّ فيه من ثناء وتكريم، والله يغفر لي وله -:
[ ٢٧٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَحمَدُه ﷾ ونشكره على فضله ونَعْمائه الجزيلة، التي لا تُحصَى ولا تُعَد، ونصلي ونُسلم على سيدنا ومولانا خاتم الأنبياء والمرسلين، محمدِ بن عبد الله الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحابته ومن تَبعَ هديَه إلى يوم الدين.
وبعد، فإلى صاحب الفضل والفضيلة، العالم الجليل، الذي وهبه الله علمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا، ونورًا ساطعًا، وبسطةَ في العلم، الإِمام الجليل الشيخ عبد الفتاح أبي غدة، أكتبُ هذه الرسالة، ردًا على رسالته فأقول وبالله التوفيق: وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته.
لقد وصلتني رسالتكم الكريمة، المؤرَّخَة في ٩/ ٥/ ١٣٩٨، ردًا على رسالتي التي حَمَّلتُها لابننا وتلميذنا الشيخ فؤاد البَرَازي، الذي بلغني عن سعة علمكم في المعقول والمنقول الشيءَ الكثير.
أمَّا من خاصَّةِ مما جاء في كتاب القرافي، نقلًا عن إمامنا الجليل الإِمام مالك - ﵄ - ونفعنا بعلمهما، فإنَّ عبارته سليمةٌ لا غبار عليها، وقولَه في النَّفَل: (لا يجوزُ لأحدٍ أن يختص بسَلَبٍ إِلَّا بإذن الإِمام في ذلك قبلَ الحرب ) إلى آخره، معناه أنه لا يجوز لغير الإِمام أن يَأذن قبلَ الحرب باختصاص سَلَب القتيل.
فقولُه: (قبلَ الحرب) ليس متعلقًا باختصاص السَّلَب، وإنما هو جار ومجرور، متعلقٌ بإذن الإِمام، ويكون معنى العبارة أنَّ للإِمام أن يأذن قبلَ بدءِ القتال بأنَّ من قَتَلَ قتيلاَ فله سَلَبُه، فالإِعلامُ لا يكون إِلَّا من الإِمام - ومثلُهُ نائبُه - قبل الحرب.
وأمَّا تملكُ السَلَب والإختصاصُ به يكونُ بعدَ انتهاء القتال، هكذا كان يَفعلُ رسولُ الله - ﷺ - وصحابتُهُ مِن بعدِه، لعلمهم أن المقاتلين في هذا العهد لم تَشغلهم الأموال ولا الأولاد عن الجهاد في سبيل الله، لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فكان إذنُ الإِمام قبلَ الحرب بأنَ من قتَل قتيلًا فله سَلَبُه (١)، لا يَصرفُهم عما خرجوا لأجله، من
_________________
(١) تُفيدُ عبارةُ الشيخ هنا أن الِإذن من النبي - ﷺ - بسَلَب القتيل لقاتله صَدَر قبلَ القتال، وهو خلاف الواقع، إنما كان بعد القتال كما في حديث أبي قتادة وشرحِهِ في قصة حُنَين، في فتح الباري ٦: ٢٧٤، وشرح صحيح مسلم ٥٨:١٢.
[ ٢٧٥ ]
نصرة دين الله وإعلاءِ كلمته.
ثم لمَّا ضَعُفَتْ النفوس، وشُغِلَت بمُتَع الحياة الدنيا وزخرفها، رأى بعض الفقهاء ومنهم المالكية: أن الإِذن يُكرَهُ قبلَ الحربِ أو في أثناء القتال، خوفًا من أن تُشغَل هذه النفوس بالسَّلَب، فينصرفوا عفا خرجوا لأجله، فيكون قتالهم لأجل هذا السَّلَب.
هذا ما وقفتُ عليه في أمهات كتب المالكية، وقد سَبَق أن ذكرتُ لسيادتكم في رسالتي السابقة أنَّ هذا الِإذن ليس خاصًا بعهد رسول الله - ﷺ -، وإنما هو متروك للإِمام أو نائبِه في أي عصر، كما ذكرتُ أيضًا أنه ليس لغير الإِمام أو نائبه أن يأذن في ذلك.
ومن هذا يُعلم أن نَقْلَ القرافي صحيح، متفِقٌ مع المذهب، من أن الإِعلام يكونُ قبلَ بدءِ القتال، حينما كانت النفوس صافية، لا يُلهيها مالٌ ولا ولد عن نُصرة الدين والقتالِ لأجله، حتى إن بعض الصحابة لا يهمه أن تقتُلَ أباه الكافر أو ابنَه كذلك، لأنَّ الِإيمان عند هؤلاء كان أغلى وأبقَى من رابطةِ النَّسَبِ والقُربَى.
ثم لقَا ضَعُفَتْ النفوس وشُغِلت بمَتَاع الحياة من مالي وسلاح، خِيفَ أن يكون الإذنُ قبلَ الحرب داعيًا إلى قتالهم لأجل هذا السَّلَب. وعلى كلِّ فالتملُّكُ للسَّلَب بعدَ انتهاء الفتال، إذْ لا يُعقَلُ أن يكون قبلَ الحرب. والله أعلم.
الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
كتبه بخطه الفقيرُ الراجي عفوَ ربه وحُسنَ ختامِه، تحريرًا في ٢٣ من جمادى الأولى ١٣٩٨، الموافق ١/ ٥/ ١٩٧٨.
صالح موسى شرف
عضو جماعة كبار العلماء وأستاذ بالدراسات العليا في كليات الجامعة الأزهرية الإِسلامية والعربية.
ورأيتُ بعدَ هذه الإِجابات الثلاث ممن سَمَيتُ من فضلاء علماء السادة المالكية: أن أنقُلَ طائفة من النصوص من كتب فقه السادة المالكية، لاستكمال الوقوف على هذه المسألة، مكتفيًا بثلاثة نصوص من كثير نحوِها، فإن كتب المذهب المالكي بالمتناول لمن أرادها.
[ ٢٧٦ ]
١ - جاء في "المقدمات الممهِّدات" للإِمام ابن رُشد الجد ١: ٢٦٩ من طبعة الساسي، قولُه - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:"ولا يَرَى مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - للإِمام أن يُنَفلَ قبلَ القتال، لئلا يَرغب الناسُ في العطاء، فتَفْسُدَ نيَّاتُهم في الجهاد، فإن وقع ذلك مَضَى، للإختلافِ الواقعِ في ذلك والآثارِ المروية فيه".
٢ - وجاء في "المنتَقَى" شرح "الموطأ" للإِمام أبي الوليد الباجي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عند شرح حديث أبي قتادة، وقد شرحه شرحًا أطيب من قَطْر الندى، قولُه في ٣: ١٩٠:"والذي ذهب إليه مالك أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك بعد أن بَرَد القتال.
والدليلُ على أن هذا القول إنما كان بعد الفراغ من القتال ". ثم ذكر أربعة وجوه تدل على ذلك.
جاء في الوجه الثالث منها قولُهُ: "لا خلاف أن النبي - ﷺ - إنما قال ذلك بعد الفراغ ورجوع الناس من الهزيمة، وهذا يدل على أنه لم يُرِد به التحريض، ولو أراد به التحريض على القتال ذلك اليوم لقاله في أول القتال وقبل الهزيمة.
وجاء في الوجه الرابع منها قوله: " وإذا قال ذلك الإِمامُ بعد تقضي الحرب كانت النيات قبله سليمة صحيحة، ولم يقاتل أحد إلَّا لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قاله في أول القتال أثر ذلك في النيات، وعرَّضَ الناسَ ليقاتلوا لما يَحصُل لهم من السَّلَب".
٣ - وقال العلامة خليل في "مختصره" في باب الجهاد "ونَفّل - أي الإِمام - منه - أي من خُمُس الغنيمة - السَّلَبَ لمصلحةِ. ولم يَجُزْ إن لم يَنْقَضِ القتالُ: - قولُ - مَنْ قتل قتيلًا فله السلب. ومَضَى إن لم يُبطله قبل المَغْنَم".
جاءَ في شرحه "جواهر الإِكليل" لصالح عبد السميع الآبي الأزهري ١: ٢٦١ تعليقًا على قول خليل: (ولم يَجُزْ) للإِمام، نصُّ المدؤَنة: يُكْرَهُ، فأبقاه بعضهم على ظاهره، وحمَلَه غيره على المنع. (إن لم يَنقضِ القتالُ) صادقٌ بأثنائِه وقبلَه، وفاعِلُ لم يَجُزْ - لَفْظُ - (من قتَل قتيلًا فله سَلَبُه) أي هذا اللفظُ، لإِفساد نياتهم بالقتال للمال، ولتأديه إلى تحامُلِهم على القتال، وقد قال عمر - ﵁ -: لا تُقدِّموا جَمَاجِمَ المسلمين إلى
[ ٢٧٧ ]
الحصون، فلَمُسْلِمٌ أستبقيه أحَبُّ إليَّ من حِضنِ أفتَحُه. (ومَضَى إن لم يُبطله) الإِمامُ أي قولَه: من قَتَل (قبلَ حَوْز المغنم) بأن لم يُبطله أصلًا، أو أبطله بعده. فإن أبطله قبله أي أظهر الرجوع عنه قبله اعتُبِر إبطالُه فيما يُقتل بعده، لا فيما قُتِلَ قبله، ولا يعتبر إبطاله بعده، فيستحق من فَعَل شيئًا من الأسباب ما رتبه عليه الإِمام ولو كان من أصل الغنيمة حيث نَصَّ عليه، فإنْ نَصَّ على أنه من الخمس أو أطلق فمنه". انتهى.
هذا، وبقي شيء يتصل بالمقام يَحسن التنبيه إليه، وهو أنه لمَّا جاء في "صحيح مسلم" بشرح الإِمام النووي ٥٨:١٢، عند حديث أبي قتادة - ﵁ - في وقعة حُنين، وقولِهِ: " ثم إنَ الناس رجعوا وجَلَس رسول الله - ﷺ - فقال: من قتَل قتيلًا فله سَلَبُه".
قال الإمام النووي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "اختلف العلماء في معنى الحديث، فقال الشافعي ومالكٌ والأوزاعي .. يَستحق القاتلُ سَلَبَ القتيل في جميع الحروب، سواء قال أميرُ الجيش قبل ذلك: من قَتَل قتيلًا فله سلبه، أم لم يقل ذلك. وهذه فتوى من النبي - ﷺ - وإخبارٌ عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول أحد.
وقال أبو حنيفة ومالكٌ ومن تابعهما - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -: لا يَستحق القاتلُ بمجرَّدِ القتل سَلَبَ القتيل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة، إِلَّا أن يقول الأميرُ قبلَ القتال: من قَتَل قتيلًا فله سَلَبُه، وحملوا الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقًا من النبي - ﷺ -، وليس بفتوى وإخبار عام". انتهى كلام الإمام النووي.
وفيه إقحامُ (مالك) في الرأي الأول خطأً من الناسخ، إذ قد جاء ذِكرُهُ في الرأي الثاني أيضًا مع أبي حنيفة، وإن كان ذِكْرُهُ في الرأي الثاني فيه نظر أيضًا، لأن مالكًا يمنعُ التنفيلَ قبلَ القتال أو يكرهه كما تقدم نقله عن "جواهر الإِكليل" في ص ٢٧٧.
وقد أجاد الإِمام ابن قدامة الحنبلي عَزْوَ مذاهب الأئمهّ الفقهاء في هذه المسألة، فقال في كتابه "المغني" ١٠: ٤٢٦: "الفصل السادس: أن القاتل يَستحقُّ السَّلَب، قال ذلك الإِمامُ أو لم يقُل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
[ ٢٧٨ ]
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يستحقه إِلا أن يشرطه الإمام له. وقال مالك: لا يستحقه إِلا أن يقول الإمامُ ذلك، ولم يَرَ أن يقول الإمامُ ذلك إِلا بعد انقضاء الحرب، على ما تقدم من مذهبه في النَّفَل، وجعلوا السَّلَب هاهنا من جملة الأنفال. وقد رُوي عن أحمد مثلُ قولهم". انتهى ما أردتُ ذكرَه في هذا الموضوع.
[ ٢٧٩ ]