قال أبو محمد رحمه الله تعالى (^١): ادعى الحنيفيون التواتر في خبر الوضوء من القهقهة في الصلاة (^٢)، وفي خبر الوضوء بالنبيذ (^٣) وفي تعويض نصف صاع بُرٍّ مكان صاع من الشعير، أو صاع تمر (^٤)، وفي خبر إضعاف الصدقة علي بني تغلب النصارى (^٥).
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الذي أرجحه أن تكون الإشارة إلى حديث التصرية وقد تقدم تخريجه؛ فقد قال المؤلف في المحلى (٩/ ٦٧) حاكيا مذاهب الفقهاء؛ وذاكرا من روى خبر المصراة: " روينا خبر المصراة من طريق ابن سيرين وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد والليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج، وهؤلاء الأئمة الأثبات الثقات، ورواه عن هؤلاء من لا يحصيهم إلا الله ﷿، فصار نقل كافة وتواتر لا يرده إلا محروم غير موفق .. وقال زفر بن الهذيل: يردها وصاعا من تمر؛ أو صاعا من شجر أو نصف صاع من بر ". قلت: ويعكر على هذا الفهم أن الحنفية يقولون إن خبر التصرية مخالف للأصول، والأمر مشكل والعلم عند الله تعالى.
(٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال (ص ٥٠٦) عن زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب فقال: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواش، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك بهم، قال: فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة، واشترط أن لا ينصروا أولادهم".
[ ٢ / ٦١٦ ]
وفي خبر "الاستطاعة زاد الراحلة" (^١).
وَأَكْذَبَهُمْ المالكيون في ذلك كله، وادعوا التواتر في خبر "الأذنان
_________________
(١) ورد من حديث ابن عمر؛ أخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج، بالزاد والراحلة برقم (٨١٠)، وابن ماجه في المناسك، باب ما يوجب الحج؟ برقم (٢٨٩٦)؛ والدارقطني في السنن (٢/ ٢١٨)؛ والشافعي في مسنده (ص ١٠٩)؛ والبيهقي في الكبرى (٤/ ٣٣٠) ومعرفة السنن (٣/ ٤٧٧)؛ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة". قال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٣/ ٥٤٢): "الظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده وإلا ففي سند هذا الحديث إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك الحديث، كما صرح به الحافظ في التقريب". وورد أيضا من حيث أنس: أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٨)، والحاكم في المستدرك في المناسك برقم (١٦١٣)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ٤٧٧)، قال: "قيل يا رسول الله ما السبيل إليه؟ قال: "الزاد والراحلة". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ثم أخرجه الحاكم أيضا برقم (١٦١٤)، من طريق عمرو بن هشام الحراني عن أبي قتادة عن حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس، وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وورد من حديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٢١٨)، وابن ماجه في المناسك، باب ما يوجب الحج برقم (٢٨٩٧). قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٢٢١): "وسنده ضعيف". وورد من حديث جابر وعلي، وابن مسعود وعائشة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، روى ذلك كله عنهم الدارقطني في السنن (٢/ ٢١٨ - ٢١٩). قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٢٢١): "وطرقها كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: "لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من الروايات، رواية الحسن المرسلة".
[ ٢ / ٦١٧ ]
من الرأس" (^١)، وفي خبر: "الفخذ عورة" (^٢)، وفي خبر: "من اغتسل يوم الجمعة، والغسل أفضل" (^٣)، وفي خبر معاذ: "أجتهد
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود في الحمام، باب النهي عن التعري برقم (٤٠١٤)، والترمذي في الأدب، باب ما جاء أن الفخذ عورة برقم (٢٩٤٧)، والدارمي في الاستئذان، باب في أن الفخذ عورة برقم (٢٥٥٢)، وأخرجه أبو داود من طريق مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه قال: "كان جرهد هذا من أصحاب الصفة، قال: جلس إلى رسول الله - ﷺ - عندنا وفخذي منكشفة فقال: "أما علمت أن الفخذ عورة". قال الترمذي: "هذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل"، قلت: وحديث جرهد هذا علقه البخاري في صحيحه في الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ (١/ ٤٧٨)، قال الحافظ في الفتح: "وحديثه موصول عند مالك في الموطأ، والترمذي، وحسنه؛ وابن حبان وصححه، وضعفه المصنف في التاريخ للاضطراب في إسناده، وقد ذكرت كثيرا من طرقه في تغليق التعليق".
(٣) كذا أورد المؤلف هذا الحديث، والذي في كتب الحديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"؛ أخرجه الترمذي في الجمعة، باب في الوضوء يوم الجمعة برقم (٤٩٥)، والنسائي في الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة (٣/ ٩٤)؛ ومن طريق الحسن عن سمرة بن جندب، قال الترمذي: "حديث سمرة حديث حسن". وقال النسائي: "الحسن عن سمرة كتابا ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة". وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في ذلك برقم (١٠٩١)، من طريق يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: "من توضأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٦٢): "ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خزيمة وابن حبان، وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن؛ والأخرى أنه اختلف عليه فيه، =
[ ٢ / ٦١٨ ]
رأيي ولا آلو" (^١).
وقد خالفهم غيرهم من الفقهاء في كل ذلك.
وخالفوا من الأخبار الصحاح التي جاءت مجيء التواتر: أخبار المسح
_________________
(١) = وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عدي من حديث جابر، وكلها ضعيفة". وانظر: نصب الراية (١/ ٨٨) والتلخيص الحبير (٢/ ٦٧).
(٢) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء برقم (٣٥٩٢)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي برقم (١٣٤٢)، كلاهما عن أبي عون عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله - ﷺ - قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - ﷺ -؛ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو ". قال الترمذي "لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بمتصل". وقال ابن حزم في الإحكام (٢/ ٤٣٨): "هذا حديث ساقط لم يروه أحد من غير هذا الطريق وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا فلا حجة فيمن لا يعرف من هو، وفيه الحارث بن عُمر وهو مجهول لا يعرف من هو، ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه". ثم نقل ابن حزم كلام البخاري في أنه لا يصح. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٤/ ١٨٢ - ١٨٣): "وقال الدارقطني في العلل: رواه شعبة عن أبي عون هكذا؛ وأرسله ابن مهدي وجماعات عنه، والمرسل أصح وقال ابن حزم: "وادعى بعضهم فيه التواتر؛ وهذا كذب بل هو ضد التواتر؛ لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث، فكيف يكون متواترا؟ ! ". وقال عبد الحق: "لا يسند، ولا يوجد من وجه صحيح". وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: "لا يصح؛ وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم؛ ويعتمدون عليه، وإن كان معناه صحيحا" وقد استند أبو العباس بن القاص في صحته إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول قال: وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية ".
[ ٢ / ٦١٩ ]
على العمامة (^١)، وتجميعه ﵇ في قرية بني مالك بن النجار (^٢) - وهي صغيرةٌ - منحازةٌ عن سائر القرى، وفي إعطاء خيبر نصف ما يخرج منها من زرع وتَمْرٍ (^٣) إلى أجل (^٤)، والأخبار في رَصِّ الصفوف وتعديلها (^٥)، وأذان أهل مكة وأهل المدينة وإقامتهم (^٦)، والخرص
_________________
(١) مضى تخريج بعض الأخبار المفيدة لذلك.
(٢) لم أجده هكذا - بعد البحث الكثير - وقال المؤلف في المحلى (٥/ ٥٤) في أثناء اعتراضه على من قصر الجمعة على المدن دون القرى: "ومن أعظم البرهان عليهم: أن رسول الله - ﷺ - أتى المدينة، وإنما هي قرى صغار مفرقة: بنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم أموالهم ونخلهم، وبنو عدي بن النجار في دارهم كذلك ".
(٣) أخرج أبو داود في الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في حكم أرض خيبر برقم (٣٠٠٨)، عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله - ﷺ - أن يقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، فقال رسول الله - ﷺ -: "أقركم فيها على ذلك ما شئنا فكانوا على ذلك ".
(٤) كذا قرأتها ومعنى الحديث يؤيد ذلك، والله أعلم.
(٥) من هذه الأخبار: قوله - ﷺ -: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". أخرجه البخاري في الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها برقم (٧١٧)، ومسلم في الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها (٤/ ١٥٦) وأبو داود في الصلاة، باب تسوية الصفوف برقم (٦٦٢) والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في إقامة الصفوف برقم (٢٢٧)، والنسائي في الصغرى (٢/ ٨٩) في الإمامة، باب كيف يقوم الإمام الصفوف؟ وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب إقامة الصفوف برقم (٩٩٤)، كلهم من حديث النعمان بن بشير.
(٦) فأما أذان أهل مكة فأخرجه مسلم في الأذان، باب صفة الأذان (٤/ ٨٠)، وأبو داود في الصلاة باب كيف الأذان رقم (٥٠٢)، والنسائي في الأذان، باب خفض الصوت في الترجيع في الأذان (٢/ ٤)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الترجيع في الأذان برقم (١٩١)، وابن ماجه في الأذان، باب الترجيع في الأذان برقم (٧٠٨) =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
في الزكاة (^١)، وإنفاقه ﵇ أمواله بالمدينة وفدك وخيبر (^٢)، وغير ذلك كثير جدا، وفيما ذكرنا كفاية لمن عقل ونصح نفسه بتوفيق الله تعالى لَهُ (^٣).
* * *
_________________
(١) = من حديث أبي محذورة - ﵁ -. وأما أذان أهل المدينة: فأخرجه البخاري في الأذان باب بدء الأذان برقم (٦٠٣)، ومسلم في الصلاة، باب بدء الأذان (٤/ ٧٥) وأبو داود في الصلاة، باب كيف الأذان؟ برقم (٤٩٩)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان برقم (١٨٩)، وابن ماجه في الأذان، باب بدء الأذان برقم (٧٠٦)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٢) من هذه الأخبار ما أخرجه البخاري في الزكاة، باب خرص التمر برقم (١٤٨١) عن أبي حميد الساعدي وذكر الحديث وفيه قال النبي - ﷺ -: "اخرصوا ".
(٣) أخرج البخاري في كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس برقم (٣٠٩٢)، عن عائشة أن فاطمة ﵍ ابنة رسول الله - ﷺ - سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله - ﷺ - أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله - ﷺ - مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: "إن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، فهجرت أبا بكر قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله - ﷺ - من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة ". قال الحافظ في الفتح (٦/ ٢٠٣): " وأما فدك - وهي بفتح الفاء والمهملة بعدها كاف -: بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل".
(٤) سقطت "له" من (ت).
[ ٢ / ٦٢١ ]