اعْلَم ان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي جَوَاز التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع وَالْكَلَام فِي ذَلِك يَنْقَسِم الى اصلين
احدهما تَقْلِيد الصَّحَابَة وَالثَّانِي تَقْلِيد من عداهم من الْعلمَاء فاما تَقْلِيد الصَّحَابَة فسنفرده بالْكلَام بعد ذَلِك ان شَاءَ الله تَعَالَى
فاما تَقْلِيد من سواهُم فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ
[ ١٠٦ ]
فَذهب بَعضهم الى انه يجوز للْعَالم اذا عنت لَهُ حَادِثَة ان يُقَلّد عَالما غَيره مَعَ اقتداره ان يحمل الاسنة ثمَّ الَّذين سوغوا التَّقْلِيد على هَذَا الْوَجْه اخْتلفُوا فِي انه هَل يجوز ان يُقَلّد ليفتي بِمَا قلد فِيهِ فَمنهمْ من جوز ذَلِك وَمِنْهُم من اباه
وَذهب بعض الْعلمَاء الى انه لَا يجوز للْعَالم ان يُقَلّد عَالما فِي مثل دَرَجَته وَيجوز لَهُ ان يُقَلّد من هُوَ اعْلَم مِنْهُ مَعَ استوائهما فِي كَون
[ ١٠٧ ]
كل وَاحِد مِنْهُمَا مُجْتَهدا والى ذَلِك مَال مُحَمَّد بن الْحسن وابو حنيفَة كَانَ يجوز التَّقْلِيد مُطلقًا
وَذهب الشَّافِعِي ومعظم الْعلمَاء الى انه لَا يجوز للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم من غير الصَّحَابَة ثمَّ هَؤُلَاءِ اخْتلفُوا فِي صُورَة وَاحِدَة وَهِي ان الْعَالم اذا انسدت عَلَيْهِ طرق الِاجْتِهَاد وتضيق عَلَيْهِ حكم الْحَادِثَة نَحْو الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة مَعَ تضيق وَقت الصَّلَاة فَهَل يسوغ لَهُ وَالْحَالة هَذِه ان يُقَلّد عَالما
فَمَا ذهب اليه الشَّافِعِي منع التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة ايضا واجاز الْمُزنِيّ التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة
قَالَ القَاضِي ﵀ وَالَّذِي نختاره منع التَّقْلِيد واذا قيل لنا فَهَل فِي الشَّرْع تَقْلِيد مُبَاح ابيناه وان الزمونا الْعَاميّ المستفتي لم نجعله مُقَلدًا على مَا اوضحنا القَوْل فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق
وَنحن نقدم على الْخَوْض فِي الْحجَّاج فصلا ذهل عَنهُ مُعظم الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا الْبَاب فَنَقُول لَو رددنا الى جائزات الْعُقُول لَكَانَ اخذ الْعَالم بقول عَالم اخر من الجائزات لَو قَامَت بِهِ حجَّة شَرْعِيَّة وَلَيْسَ من
[ ١٠٨ ]
المستحيلات فَكَانَ يجوز ان يَقُول الرب تَعَالَى لكل عَالم ان يَأْخُذ بقول عَالم مثله وَيتْرك الِاجْتِهَاد وَلَو ثَبت ذَلِك لم يكن ذَلِك تقليدا بل يصير قَول الْعَالم الْمُفْتِي علما وامارة فِي حق الْعَالم المستفتي وَيكون متمسكا بِمَا نَصبه الله تَعَالَى حجَّة لَهُ
ومعظم من خَاضَ فِي هَذَا الْبَاب بنى الادلة بِنَاء يدل على منع التَّقْلِيد عقلا وَنحن نذْكر مَا ذكره مانعوا التَّقْلِيد ونبين فَسَاده ثمَّ نذْكر مَا علينا الْمعول ان شَاءَ الله تَعَالَى
فمما عولوا عَلَيْهِ ان قَالُوا كل عَالم بصدد الزلل فَإِذا لم تجب لَهُ الْعِصْمَة لم تقم بقوله الْحجَّة واذا كَانَ الْمُجْتَهد قَادِرًا على التَّمَسُّك بالحجاج وَالِاجْتِهَاد فَذَلِك احرى لَهُ
وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة فَيُقَال لَهُم ان زعمتم ان من لَا يجب لَهُ الْعِصْمَة لَا يجوز الرُّجُوع الى قَوْله وَهل تنازعون الا فِي هَذَا فَلَو قَالَ الرب تَعَالَى مهما صدر قَول من عَالم فقبلوه وان جوزتم خطأه فحكمي
[ ١٠٩ ]
عَلَيْكُم مُوجب حكمه وَلَا عَلَيْكُم لَو اخطأ فِي نَفسه كَانَ ذَلِك غير مُسْتَحِيل
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك انا نرْجِع الى قَول الروَاة مَعَ جَوَاز زللهم وَنَرْجِع الى طرق الِاعْتِبَار فِي المجتهدات وان كُنَّا لَا نقطع بهَا وَنَرْجِع الى قَول الشُّهُود فِي الحكومات والخصومات مَعَ انا لَا نقطع بصدقهم فَبَطل التعويل على هَذِه الطَّرِيقَة
وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ ايضا ان قَالُوا اذا اسْتَوَى العالمان فِي التَّمَكُّن من الِاجْتِهَاد ينزلان فِي ذَلِك منزلَة الْعَاميّ والعالم فِي اصل الدّين فانهما لما اسْتَويَا فِي تصور الِاسْتِدْلَال وَالنَّظَر من كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي اصل الدّين لم يجز للعامي تَقْلِيد الْعَالم فِيمَا يقدر على الِاجْتِهَاد فِيهِ وَكَذَلِكَ العالمان فِي الْفُرُوع
فَيُقَال لَهُم هَذَا غير مُسْتَقِيم فانا لَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بتقليد الْعَالم الْعَالم فِي الْفُرُوع لم يسْتَحل كَمَا قدمْنَاهُ فِي صدر الْبَاب وَلَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بالتقليد فِي معرفَة الله تَعَالَى لَكَانَ مستحيلا فَإِن من شُرُوط
[ ١١٠ ]
وُرُود التَّكْلِيف معرفَة الْمُكَلف وَلنْ يعلم من طَرِيق التَّقْلِيد وَلَو قَالَ تَعَالَى لَا تستدلوا وَاعْلَمُوا لَكَانَ ذَلِك من قبيل تَكْلِيف الْمحَال وَهَذَا بَين لكل من تَأمله على ان الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع انما هُوَ تمسك بِمَا لَا يقطع بِهِ وَلَيْسَ كالاستدلال فِي الاصول وكل مَا يوردونه يبطل تقريبه من الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا
وَمِمَّا يستدلون بِهِ ايضا ان قَالُوا لَو جَازَ للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم لما افترق المتبع والمتبع وَالشّرط ان يُفَارق التَّابِع الْمَتْبُوع اما فِي علم واما فِي عصمَة وَقد عدما جَمِيعًا فِي الْمُتَنَازع فِيهِ
فَيُقَال لَهُم وَهَذِه دَعْوَى ايضا ثمَّ نقُول لم شرطتم اخْتِلَاف التَّابِع والمتبوع فِي الْعِصْمَة اَوْ الْعلم وَعَن هَذَا يسْأَلُون فيضعف كل مَا يعتصمون بِهِ
[ ١١١ ]
وَرُبمَا يستدلون بظواهر لَا تقوم بهَا حجَّة وَهِي كَثِيرَة وَالَّذِي يجب التعويل عَلَيْهِ ان نقُول لَو جَوَّزنَا للْعَالم ان يُقَلّد الْعَالم لَكَانَ قَوْله فِي حَقه علما مَنْصُوبًا على الحكم الْوَاجِب عَلَيْهِ وَينزل ذَلِك منزلَة سَائِر الادلة المنصوبة فِي الشرعيات على مَا اوضحناه فِيمَا سبق فَإِذا كَانَ كَذَلِك فيستحيل اثباته دَلِيلا عقلا فَإِن الادلة السمعية يدْرك جَوَاز كَونهَا ادلة بالعقول فاما ان يدْرك ثُبُوتهَا ادلة بالعقول فَلَا فانها لَا تدل على مدلولالتها لانفسها وانما تدل بِنصب صَاحب الشَّرِيعَة اياها ادلة
فاذا وضح ذَلِك قُلْنَا قد قَامَت الادلة القاطعة على انتصاب المقاييس والعبر وَغَيرهَا من طرق الِاجْتِهَاد ادلة وَبَقِي التَّقْلِيد على النزاع وموارد الشَّرْع الَّتِي تلتمس مِنْهَا دلالات الْقطع مضبوطة مِنْهَا نُصُوص الْكتاب وَالسّنَن المستفيضة واجماع الامة وَلَيْسَ مَعَ خصومنا نَص كتاب وَلَا نَص سنة مستفيضة وَلَا يَنْبَغِي الاجماع فِي مَوضِع الْخلاف ايضا فَهَذَا مصَادر الادلة الشَّرْعِيَّة القطعية فاذا انسدت بَطل كَون قَول الْعَالم حجَّة فِي حق
[ ١١٢ ]
عَالم مثله فان قَالُوا اما الاجماع فَلَا ندعيه واما نُصُوص الْكتاب فَلم زعمتم انتفاؤها وَهل هَذَا الا تمسك مِنْكُم بِالدَّعْوَى وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة بالسنن
قيل لَهُم هَذَا الان تعنت مِنْكُم وعناد فَإنَّا قُلْنَا لَيْسَ مَعكُمْ نَص كتاب لَا يقبل التَّأْوِيل فِي اثبات التَّقْلِيد وَلَا يمكننا ان نتلو الْقُرْآن عَلَيْكُم من اوله الى اخره وَلَكنَّا تأملنا مَا فِيهِ اعتصامكم من أَي الْكتاب فرأيناها لَا تبلغ مبالغ النُّصُوص ويعارضها مَا هُوَ اقوى مِنْهَا فِي الِاحْتِجَاج وَمَا قُلْنَاهُ فِي السّنَن يتَحَقَّق على هَذَا الْمنْهَج اذ لَيْسَ فِيهَا نَص وَلَو قدر كَانَ سَبيله الاحاد
وتتأكد هَذِه الدّلَالَة بِأَصْل نوضحه فَنَقُول لَا ينْتَصب النَّص دَلِيلا وعلما فِي الشرعيات الا بِدلَالَة قَاطِعَة فَإِنَّهُ لَو ثَبت بِمَا لَا يقطع بِهِ لاحتاج الى اثبات يُثبتهُ ثمَّ تسلسل القَوْل فِيهِ الا مَا لَا يتناهى فَهَذِهِ هِيَ الدل الة السديدة وَمَا عَلَيْهَا معترض
[ ١١٣ ]
فان قَالُوا اكثر مَا ادعيتموه انْتِفَاء وُرُود الشَّرْع بِنصب قَول الْعَالم علما فِي حق الْعَالم وَعدم وُرُود الشَّرْع لَا يدل على تَحْرِيم التَّقْلِيد فَإِن التَّحْرِيم يفْتَقر الى دَلِيل كَمَا ان الاباحة تفْتَقر الى دَلِيل فانتفاء دَلِيل الاباحة لَا يدل على التَّحْرِيم
وَهَذَا لعمري سُؤال يجب الاعتناء بِالْجَوَابِ عَنهُ فَنَقُول اذا ثَبت ان قَول الْعَالم لم ينْتَصب علما شرعا وَلم يقم عَلَيْهِ الظَّن حجَّة وَمثل ذَلِك لَو قدر لَكَانَ سَبيله الشَّرْع فقد وضح وجوب الِاجْتِهَاد بالادلة القاطعة فَلَا سَبِيل الى ترك مَا ثَبت قطعا بِمَا لم يثبت
ويتضح هَذَا بِأَن نقُول اجْمَعْ الْمُسلمُونَ على ان من تصدى لَهُ طَرِيقَانِ شرعيان وَصَحَّ طَرِيق الشَّرْع فِي احدهما وجوبا وَلم يرد الشَّرْع فِي الثَّانِي لَا نفيا وَلَا اثباتا فَيجب التَّمَسُّك بِمَا وضح الشَّرْع فِيهِ وَهَذَا اجماع فاذا ثَبت لنا انْتِفَاء الادلة السمعية فَتثبت مُلَازمَة الِاجْتِهَاد بطرِيق الاجماع وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ
واوما القَاضِي ﵀ الى الِاسْتِدْلَال بالظواهر المنصوبة على الامر بِالِاعْتِبَارِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ الى غير ذَلِك من الظَّوَاهِر الدَّالَّة على وجوب الِاعْتِبَار وَهِي سهلة الْمدْرك اذا تتبعتها وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾
[ ١١٤ ]
وَلذَلِك شَوَاهِد من سنة الرَّسُول ﷺ وَلكنهَا احاد
وكل مَا ذَكرْنَاهُ دَلِيلا فِي هَذَا الْفَصْل فَهُوَ دَلِيل فِي جملَة فُصُول الْبَاب ونرد بِهِ على من جوز الْفَتْوَى بالتقليد وعَلى من جوز تَقْلِيد الاعلم فطريق الرَّد على جَمِيعهم وَاحِد غير مُخْتَلف