قال الشيخ مصطفى بن محمد بن مصطفى: [وقد رجَّح الشاطبي رحمه الله تعالى هذا التعريف الذي يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات (٤)، حيث قال: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من سابقة التعبد، لأن مالا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي. فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات والجنايات كلها عادى، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من هذا الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا".
_________________
(١) الذاريات: ٥٦.
(٢) أي على طريقة من يدخل العادات في معنى البدع.
(٣) الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٦: ٤٢].
(٤) وقد وافق في ذلك الغامدي في كتابه حقيقة البدعة وأحكامها (١/ ٢٥٦).
[ ١٣ ]
وقال أيضا: شبه والرد عليها: إذا كان الأصل في العقود والشروط والمعاملات العفو حتى يحرمها الله تعالى، فكيف تدخلها البدع؟
والجواب، أولًا: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من شائبة التعبد لكونه مقيدًا بأوامر الشرع إلزامًا أو تخييرًا أو إباحة.
ثانيًا: البدع لا تدخل في الأمور العادية إلا من الوجه العبادي فيها، فإذا ألحق المكلف حكمًا شرعيًا بعمل عادى وقصد به القربة وهو في حقيقته ليس كذلك فقد ابتدع.
قال ابن رجب ﵀: (فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام ).
وكما يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: والأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر.
وقال النووي في شرح مسلم لحديث (وفى بضع أحدكم صدقة)، " في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقة ".
ويقول الغزالي في الإحياء (٤/ ٣٧١): وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات.
ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (١/ ٣١١): الأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسنة رسله، ولا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك.
وقال في الاستقامة (٢/ ١٥٢): لذات الدنيا ونعيمها إنما هي متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة وكذلك خلقت، فكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهو مما أمر الله به ورسوله، ويثاب على ما يقصد به وجهه ).
ويمكن توضيح هذه المعاني بالأمثلة:
- وضع المكوس على الناس حتى تصبح أمرًا محتومًا دائمًا أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع كالزكاة.
- نكاح المحلل الذي يحتال به لإجازة ما هو حرام شرعًا إذا اعتقد فاعلوه جواز ذلك، وحله في الشريعة، أما إذا لم يعتقدوا ذلك فيكون حرامًا ومعصية لا بدعة.
[ ١٤ ]
- وفى العادات بمثل التقيد بلباس معين أو عادة معينة، بحيث يجعل ذلك لازمًا أو مستحبًا وهو في الأصل مباح، فذلك يعد بدعة كما نص شيخ الإسلام على ذلك، وقد نص رحمه الله تعالى على لبس الصوف ( اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقًا إلى الله بدعة) الفتاوى ١١/ ٢٨، ٥٥٥.] اهـ (١).
(وفق الشاطبي بين الطريقتين وجعلهما كالقول الواحد حيث قال: [هل يدخل في الأُمور العادية أم يختص بالأُمور العبادية؟ أفعال المكلفين - بحسب النظر الشرعي فيها - على ضربين: أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات. والثاني: أن تكون من قبيل العادات.
فأما الأول: فلا نظر فيه هاهنا. وأما الثاني: - وهو العادي - فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة تختلف فيها، فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعبادات، فكما أنَّا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العاديات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأُمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأُمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعبادات، وإلا فلا. وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي - ﷺ - من أنها تقع وتظهر وتنتشر أُمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة. وإن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهبًا واحدًا، وبالله التوفيق].اهـ (٢)