٣٩٤- وأجمع تقسيم فيه أن نقول فعله ﷺ ينقسم إلى ما شهد عليه قول منه ناص وإلى ما لم يشهد عليه قول ناص فأما ما يشهد عليه قول منه فهو كأفعاله.
[ ١ / ١٨٢ ]
في صلاته في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١ وكأفعاله في نسكه مع قوله: "خذوا عني مناسككم" ٢ فهذا الفن خارج عن متعلق الغرض من الكلام في الأفعال فإن الأقوال هي المتبعة في هذا القسم والأفعال في حكم الأعلام ولكنا ذكرنا ذلك لاستيعاب الأقسام.
٣٩٥- فأما ما ورد غير مقترن بقول شاهد عليه فينقسم إلى الأفعال الجبلية التي لا يخلو ذو الروح عن جميعها كالسكون والحركة والقيام والقعود وما ضاهاها من تغاير أطوار الناس فإذا ظهر ذلك فلا استمساك بهذا الفن من فعل رسول الله ﷺ.
٣٩٦- وأما ما لم يقترن به ما يدل على كونه من الأفعال الجارية في العادات فإنه ينقسم إلى ما يقع بيانا وإلى مالا يظهر ذلك فيه.
فأما ما يقع بيانا فهو بمثابة ورود [قول] في الكتاب على إجمال فإذا وقع من رسول الله صلى الله ﷺ فعل في حكاية حال أو مراجعة وسؤال فظهور قصده في بيان الإجمال ينزل منزلة القول المقترن بالفعل الشاهد عليه.
٣٩٧- فأما ما لم يظهر فيه قصد البيان فهو ينقسم إلى ما يقع في سياق القرب ويظهر كونه في قصد الرسول ﵇ قربة وإلى مالا يقع في سياق القرب فأما ما يقع قربة في قصده فهو الذي اختلف فيه الخائضون في هذا الفن فذهب طوائف من المعتزلة إلى أن فعله ﷺ محمول على الوجوب ويتعين اتباعه فيه وذهب إلى هذا المذهب ابن سريج وأبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا.
وذهب ذاهبون إلى أن فعله لا يدل على الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب وفي كلام الشافعي ما يدل على ذلك.
وذهب الواقفية إلى الوقف فإنهم في ظواهر الأقوال سباقون إليه فالفعل الذي لا صيغة له بذلك أولى.
٣٩٨- فأما من صار إلى أن فعله على الوجوب فمما استدلوا به قوله تعالى:
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ مسلم ٤/٧٩، وأبو داود "١٩٧٠"، والترمذي ١/١٦٨"، والنسائي ٢/٥٠"، وابن ماجه "٣٠٢٣" وأحمد ٣/٣٠١ و٣١٨ و٣٣٢ و٣٣٧.
[ ١ / ١٨٣ ]
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ﴾ ١ وهذا الاستدلال مدخول فإن من يقف لا يسلم أن فعله يعدوه ويقول بحسب ذلك إن فعله ليس هو مما آتانا به الرسول ﵇ وفعله مختص به لا يتعداه وقد تكلم هؤلاء على الآية من وجه واقع وهو قول شيخنا أبي الحسن فإنه قال أراد ما أمركم به الرسول فخذوه والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢ والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر وبالجملة الآية محتملة وغاية المستمسك بها أن يسلم له ظهورها في غرضه والظهور مع تطرق فنون الظنون لا يقنع في القطعيات.
ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: أجمع المسلمون قبل اختلاف الآراء على أنه يجب على الأمة التأسي برسولها ومتابعته ومن متابعته أن يوافق في أفعاله.
وهذا زلل عظيم فإن منصب النبوة يقتضي كون النبي متبوعا على معنى أنه مطاع الأمر فأما وجوب متابعته في أفعاله فليس ذلك مدلول معجزته ولا قضية نبوته ولا حكم مرتبته [والملك] الذي يتبع أمره لا يفعل مثل ما فعله إلا إذا أمر به.
٣٩٩- فأما من صار إلى أن الفعل يدل على الاستحباب فيما يقع قربة فهذا أقرب قليلا من المسلك الأول في القسم الذي فيه الكلام فإنا لم نفرض قولنا إلا فيما يقع من الرسول في معرض القرب فإذا ظهر تقربه بفعل إلى الله تعالى فقد يظن الظان أن الأمة في ذلك بمثابته فإنه أسوة الخلق وقدوتهم في قربه وعبادته وليس ذلك كالفعل المرسل الذي ينقل عنه من غير أن يبين كونه قربة في حقه.
وهذا الرأي غير سديد أيضا فإن ما ثبت قربة في حق المصطفى فليس في نفس الفعل ما يتضمن الدعاء إلى مساواته فيه والفعل في نفسه لا صيغة له وليس بدعا أن يختص صاحب الشريعة بشيء دون أمته لعلو منزلته ورتبته وهذا متمسك الواقفية إذا حاولوا إثبات الوقف.
٤٠٠- والرأي المختار عندنا: أنه يقتضي أن يكون ما وقع منه مقصودا قربة محبوبا مندوبا إليه في حق الأمة وشرطنا انتحاء الوسط في كل مسلك والنزول عن طرفي السدف في الإثبات والنفي فمن ادعى أن الفعل بعينه يقتضي ذلك فهو زلل فإن الفعل لا صيغة له ومن ادعى أنه لا يتأسى بفعل المصطفى ﷺ فيما ثبت.
_________________
(١) ١ آية "٧" سورة الحشر. ٢ الآية السابقة.
[ ١ / ١٨٤ ]
قصد القرب فيه فقد أبعد أيضا.
والوجه في ذلك أن يقال ثبت عندنا أن صحب رسول الله ﷺ كانوا يتحرون لأنفسهم في القربات ما يصح عندهم من فعل رسول الله ﷺ وكانوا إذا اختلفوا في قربة فروى لهم صادق موثوق به عن المصطفى صلى الله لعيه وسلم فعلا كانوا يتبدرونه ابتدارهم أقواله ولا ينكر هذا منصف فالوجه أن نقول إن رددنا إلى الفعل ومقتضاه أو إلى مدلول المعجزة فإنهما يفضيان إلى الوقف كما قال الواقفية ولكن تأكد عندنا من عمل أصحاب رسول الله ﷺ التأسي به في كيفية أفعاله في قربة فليحمل هذا على الإجماع [ولا يقطع] به في مقتضى العقل والمعجزة وكل ذلك فيما ظهر وقوعه على قصد القربة من الرسول ﷺ.
٤٠١- فأما فعله المرسل الذي لا يظهر وقوعه منه على قصد القربة فقد ذهب طوائف من حشوية الفقهاء إلى أنه محمول على الوجوب كالذي سبق في القرب وقد عزى ذلك إلى ابن سريج بعض النقلة وهذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل ومذهب الوجوب وإن لاح بطلانه في القرب فهو على حال يصلح أن يكون معتقدا لمعتقد من حيث إنه يقول هو إمام الخليقة في الطاعة فإذا لم يظهر انتفاء الوجوب بنى الأمر على الوجوب أخذا بالأحوط فأما التزام هذا المذهب في كل فعل يصدر منه وإن لم يظهر كونه قربة فبعيد جدا.
٤٠٢- فإن قيل: فما المرتضى في هذا القسم؟ قلنا: أما الواقفية فيطردون مذاهبهم في الوقف ومذهبهم في هذه الصورة أظهر وأما أصحاب الندب فقد يصيرون إليه وهو رديء مزيف بمثل ما زيفنا به مذهب أصحاب الوجوب في هذا القسم فإن انقسام فعله [إلى الواجب وغيره كانقسام فعله] إلى المندوب وغيره فالمختار إذا أن فعله لا يدل بعينه ولكن يثبت عندنا وجوب حمله على نفى الحرج فيه عن الأمة ومستند هذا الاختيار إلى علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا في حظر أو إباحة فنقل الناقل في موضع اختلافهم فعلا عن المصطفى لفهموا منه أنه لا حرج على الأمة في فعله وجاحد هذا جاهل بمسالك النقل فضلا عن المعنى واللفظ وأما ادعاء اعتقادهم أن فعله واجب على غيره أو مندوب مستحب فدعوى عرية لا تستند إلى قضية المعجزة ولا إلى عادتهم ولا إلى صفة الفعل.
فهذا منتهى القول في أقسام أفعال رسول الله ﷺ وهو نجاز الغرض في هذا الفصل.
[ ١ / ١٨٥ ]