باب النسخ.
١٤١٢- النسخ في وضع اللغة معناه الرفع ومنه قولهم نسخت الشمس الظل ونسخت الريح آثار القوم١.
ومعناه في التواضع بين الأصوليين وحملة الشريعة مختلف فيه فأقرب عبارة منقولة عن الفقهاء أن النسخ هو اللفظ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع تأخير عن مورده.
وقال القاضي أبو الطيب٢: الدال على انتهاء أمد العبادة وهذا مزيف من
_________________
(١) ١ إرشاد الفحول "ص ١٨٣" وزاد في: "منه تناسخ القرون، وعليه اقتصر العسكري. ويطلق ويراد به النقل والتحويل، ومنه: نسخت الكتاب. أي: نقلته ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومنه تناسخ المواريث. أهـ. ٢ سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
جهة أن النسخ لا يختص بالعبادات والحدود تعني للجمع والاحتواء.
ولم يقيد كثير من الفقهاء الكلام بالتأخير وهذا يرد عليه الألفاظ المتضمنة للتأقيت على الاتساق والاتصال كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ١ فهذه الألفاظ ليست نسخا وفيها بيان انتهاء الآماد وليس ما ذكرناه مذهبا.
ولكن أتى قوم من اختلال العبارة وقلة تصورهم عما يرد عليها.
١٤١٣- والمذهب الذي يعزى إلى الفقهاء ما ذكرناه عاما للأحكام مقيدا بشرط التأخير.
وحقيقته ترجع إلى أن النسخ في حكم البيان لمعنى اللفظ والمكلفون قبل وروده [لا يقطعون بتناول] اللفظ الأول جميع الأزمان على التنصيص وإنما يتناولها ظاهرا معرضا للتأويل.
فالنسخ عندهم تخصيص اللفظ بالزمان كما أن ما يسمى تخصيصا هو إزالة ظاهر العموم في المسميات.
١٤١٤- وقد صرح الأستاذ أبو إسحاق: بأن النسخ تخصيص الزمان.
١٤١٥- وقالت المعتزلة النسخ هو اللفظ الدال على أن الحكم الذي دل عليه اللفظ الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لثبت مع التراخي.
ومذهبهم قريب من مذهب الفقهاء وقال القاضي أبو بكر بن الطيب النسخ رفع الحكم بعد ثبوته.
وهو لا يحتاج إلى التقييد بالتأخير فإن اللفظ الذي ينتظم لقصد التأقيت ليس فيه رفع حكم بعد ثبوته في قصد الشارع ومعتمد القاضي أن الحكم يثبت على التحقيق مؤبدا ثم يزول بعد ثبوته.
١٤١٦- ونحن نذكر لباب كلام القاضي في إتباع من يخالفه ثم نذكر بعد نجاز تفاوضهم ما هو الحق عندنا.
قال القاضي ﵀: إذا كان النسخ في حكم البيان لمعنى اللفظ فلا فرق بينه وبين التخصيص وإزالة ظاهر اللفظ.
_________________
(١) ١ آية "١٨٧" سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وهذا في التحقيق إنكار للنسخ وموافقة لجاحديه من اليهود وغلاة الروافض ويلزم منه تجويز النسخ بما يجوز به التخصيص حتى لا يمتنع نسخ نصوص القرآن والأخبار المتواترة بالخبر الذي ينقله الآحاد وبالقياس على رأى من يرى التخصيص به.
١٤١٧- وهذا الذي ذكره القاضي [عندنا] تشعيب غير مستند إلى مأخذ من القطع.
فأما نسبته القوم إلى موافقة من ينكر النسخ فمردود من جهة أن منكريه لا يرون تخصيص الألفاظ في الزمان.
وما ذكره من إلزامهم تجويز النسخ بما يجوز التخصيص به كلام غير سديد فإن المعتمد في التخصيص ما ظهر من سيرة الصحابة ﵃ فلولا إزالتهم الظواهر لما أزلناها وقد رأيناهم لا يرون النسخ بما يرون التخسيس به فلا وقع إذا لهذا الكلام.
وإن تعلق متعلق باقتضاء النسخ الرفع في اللغة كان ذلك ركيكا من الكلام فإن مثل هذا الأصل العظيم لا يتلقى من اشتقاق اللغة مع اتساعها لتطرق التأويلات إليها.
١٤١٨- ثم إذا وضح ما ذكرناه فإن نفتتح بعده سؤالا موجها على القاضي ينكشف به وجه الحق فنقول:
إذا أثبت الله تعالى حكما على المكلفين فمعناه تعلق قوله الأزلي به في حق المكلفين فإذا علم [الله] أنه سيرد عليهم ما يسميه العلماء نسخا فخبره الأزلي يتعلق بتقديره وتحقيقه ويستحيل أن يتعلق خبره بثبوته على الأبد وارتفاعه على [الجمع] فإن ذلك لو قدر لكان [تناقضا] فلا معنى إذا لحقيقة الرفع بعد الثبوت وهذا ما لا جواب عنه.
ويتصل به أن اللفظ الأول الوارد على المكلفين إذا اقتضى تأبيدا فهو متضمن بشرط ألا يرد ما ينفي التأبيد وكان التقدير فيه أن المكلفين متعبدون بالحكم الأول أبدا بشرط ألا يرد عليهم ما ينافيه وهذا الشرط وإن لم يكن مصرحا به فهو ثابت قطعا.
١٤١٩- ولا يسوغ فهم الناسخ والمنسوخ مع تنزيه كلام الله تعالى عن.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
التناقض واعتقاد استحالة البداء عليه إلا على هذا الوجه.
فإذا الحكم الذي يرد النسخ عليه في علم الله تعالى غير مؤبد ولا لبس على الله تعالى وإنما حسب المتعبدون أمر بأن خلاف ما حسبوه ولو تحققوا لكانوا في استمرار الحكم الأول مجوزين للتقدير الذي ذكرناه فلا يكونون [إذا] قاطعين بالتأبيد في الحكم مع تجويزهم ورود ما ينافيه وعلمهم بأنه لا تبديل لقول الله ﷿ وموجب علمه فيرجع والحالة هذه النسخ إلى انعدام شرط دوام الحكم الأول والنسخ إظهار لذلك بعد أن كان مستورا عن المخاطبين ويرجع التقدير في الحكم الأول إلى أن الحكم ثابت بشرط ألا ينسخ فإذا ظهر النسخ لم يكن مقتضاه رفع ما تحقق ثبوته ولكن كان إبداء [لانتفاء شرط] الاستمرار.
والعبارة عن هذا المقصود أن النسخ هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول.
١٤٢٠- فإن قيل: لا فرق بين هذا الاختيار وبين مذاهب الفقهاء.
قلنا: لا فرق بين هذا وبين مذاهبهم في أن الحكم الثابت في علم الله وقوله تعالى لا يزول لما قدمناه.
ولكن في كلام الفقهاء ما يدل على أن اللفظ الدال على الحكم الأول ظاهر في الأزمان معرض للتأويل تعرض الألفاظ العامة للتخصيص.
وهذا فيه إيهام لا حاجة إليه فإن اللفظ العام في وضعه ليس نصا في استغراق المسميات وليس كذلك موجب اللفظ في تأبيد الحكم فإنا نجوز ورود النص في استغراق الزمان مطلقا مع ورود الناسخ بعده وليس ذلك من جهة تأويل اللفظ في وضعه وإنما هو من جهة [تقدير] شرط مسكوت عنه وهو متضمن كل أمر يجوز تقدير نسخه.
١٤٢١- فإن قيل: لو قال الشارع: هذا الحكم مؤبد عليكم لا ينسخه شيء فهل يجوز تقدير النسخ فيه والحالة هذه؟
قلنا: إذا ثبت هذا المعنى نصا لم يجز ورود [النسخ عليه] فإن [في] تقدير [ورود] النسخ عليه تجويز الخلف ولهذا اعتقدنا تأبيد شريعتنا ولا يكاد يبقى خلاف معنوي مع الفقهاء.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وما ذكرناه إن كان تنبيها لم [ينتبه] إليه [بحث] الفقهاء [و] إشارة إلى تهذيب لفظ في التعرض لإظهار الشرط [المقدر] الذي لا بد منه فإذا رجع إلى أن الثابت في علم الله تعالى لا ينسخ التفتت المذاهب إلى الوفاق فإن وافق القاضي ما ذكرناه فلا خلاف وإن أصر على أن النسخ يتضمن رفعا لم يكن لمذهبه وجه.
١٤٢٢- والنسخ فيما اخترناه مثل ما نصفه.
فنقول: إذا توجه الأمر الجازم على معين فهو مشروط بأن يبقى إمكانه فإذا اخترم تبينا لم يكن مأمورا فإن توجه الأمر مشروط بالإمكان والأمر وإن كان مطلقا فالإمكان مشروط [فيه] وإن لم يجر ذكره تصريحا.
وقد ذكرنا في ذلك قولا بليغا في كتاب الأوامر ونقلنا في ذلك لجاج القاضي وطريق تتبعه بالنقض مع بناء الأمر على [امتناع] تكليف ما لا يطاق.
مسألة:
١٤٢٣- منعت اليهود النسخ وتابعهم على منعه غلاة الروافض من التناسخية وغيرهم وافترق نفاته فرقتين:
فذهب أكثرهم إلى أن النسخ ممتنع عقلا.
فنقول لهؤلاء: إن زعمتم أن وقوعه مستحيل وأن [امتناعه من] جهة استحالة وقوعه فقد جحدتم البديهة فإنا نعلم على اضطرار أن ذلك ممكن الوقوع.
١٤٢٤- وإن جحدتم ذلك من جهة أن المأمور به الأول مستحسن فلو فرض النهي عنه لتضمن [ذلك] كونه مستقبحا وفي ذلك خروجه عن حقيقة الأولى فقد قدمنا في أول الكتاب أن الاستحسان والاستقباح لا يرجعان إلى حقائق الأفعال وصفات ذواتها.
ثم القول في النسخ غير مفروض فيما يزعم المخالفون أنه حسن لعينه أو قبيح لعينه وإنما تفرض مسائل النسخ في التفاصيل التي تتفق أرباب العقول على أن مداركها الشرع لا غير.
١٤٢٥- وإن زعموا أن النسخ ممتنع من جهة إفضائه إلى البداء والقديم ﷾ متعال عنه فلا حقيقة لهذا فإن البداء إن أريد به تبين ما لم يكن متبينا في علمه فليس هذا من شرط النسخ فإن الرب تعالى كان عالما في أزلة.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
تفاصيل ما يقع فيما لا يزال ولئن كان يلزم من تجدد الإحكام البداء لزم من تجدد الحوادث إماتة وإحياء وإعاشة [وإرداء] ما ادعاه هؤلاء وليس الأمر كذلك.
١٤٢٦- فإن ردوا الامتناع إلى ما يتعلق باستصلاح العباد واستفسادهم فهذا غير مرضى عندنا في حكم الله تعالى ثم لا يمتنع في غيبه أن يكون الاستصلاح في تبديل الأحكام كلما فتر قوم في امتثال الأحكام أرسل الله تعالى إليهم مبتعثا جديدا بحكم جديد فلا وجه لادعاء الاستحالة من طريق العقل.
١٤٢٧- وزعم زاعمون أن النسخ ممتنع من جهة السمع.
وادعى طوائف من اليهود: أن موسى ﵇ أنبأهم أن شريعته مؤبدة إلى قيام الساعة وزعم هؤلاء أن طريق معرفة ذلك من دينهم كطريق معرفتنا بذلك من ديننا.
١٤٢٨- وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أن الأمر لو كان كذلك لما قامت معجزة عيسى ﵇ ومعجزة محمد ﷺ بعده على نسخ ملة موسى فإن أنكروا قيام المعجزة رد الكلام معهم إلى أصل النبوات وكان سبيل إنكارهم معجزة من بعد موسى كسبيل إنكار من يجحد معجزة موسى.
١٤٢٩- والوجه الثاني: أن ما ادعوه من دينهم لو كان صريحا لأظهروه وباحوا به من عصر نبينا ﵇ ولا تخذوا ذلك أقوى عصمهم ولو فعلوا ذلك لنقله الناقلون متواترا لأن الأمر الخطير لا يخفى وقوعه وتتوفر الدواعي على نقله فقد ثبت جواز النسخ عقلا وشرعا.
١٤٣٠- ولو أردنا أن نبتدئ الدليل على جوازه فأقرب مسلك فيه التمسك بمعجزة عيسى بعد موسى ﵉ ثم التمسك بالإجماع في تحريم الخمر بعد ثبوت تحليلها في صدر الشرع وهذا على من ينكر النسخ من اهل الملة ممن ينتمي إلى المسلمين ثم نقول لهؤلاء: لا شك في مخالفة [دين نبينا] محمد ﷺ دين موسى وعيسى ﵉ في معظم قواعد الشريعة فكيف السبيل إلى تصديق الأنبياء مع إنكار النسخ؟ وهذا فيه أكمل مقنع.
[ ٢ / ٢٥١ ]