القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها.
٧٩- اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني أما المعاني فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله تعالى وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما لم يكن ريانا من النحو واللغة ولكن لما كان هذا النوع فنا مجموعا ينتحى ويقصد لم يكثر منه الأصوليون مع مسيس الحاجة إليه وأحالوا مظان الحاجة على ذلك الفن واعتنوا في فنهم بما أغفله أئمة العربية واشتد اعتناؤهم بذكر ما اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع وهذا كالكلام على الأوامر والنواهي والعموم والخصوص وقضايا الاستثناء وما يتصل بهذه الأبواب ولا يذكرون ما ينصه أهل اللسان إلا على.
[ ١ / ٤٣ ]
قدر الحاجة الماسة التي لا عدول عنها.
ونحن نذكر الآن مسائل على شرط هذه الترجمة إن شاء الله.
مسألة:
٨٠- اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله تعالى وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤا وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائييني ﵀ في طائفة من الأصحاب إلى أن القدر الذي يفهم منه قصد التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوقيف.
والمختار عندنا أن العقل يجوز ذلك كله فأما تجويز التوقيف فلا حاجة إلى تكلف دليل فيه ومعناه أن يثبت الله ﷾: في الصدور علوما بديهية بصيغ مخصوصة بمعان فيتبين العقلاء الصيغ ومعانيها ومعنى التوقيف فيها أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار.
وأما الدليل على جواز وقوعها اصطلاحا فهو أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى نفوس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيارهم صيغا وتقترن بما يريدون أحوال لهم وإشارات إلى مسميات وهذا غير مستنكر وبهذا المسلك ينطق الطفل على طول ترديد المسمع عليه ما يريد تلقينه وإفهامه.
فإذا ثبت الجواز في الوجهين لم يبق لما تخيله الأستاذ ﵀ وجه والتعويل في التوقيف وفرض الاصطلاح على علوم تثبت في النفوس فإذا لم يمتنع ثبوتها لم يبق لمنع التوقيف والاصطلاح بعدها معنى ولا أحد يمنع جواز ثبوت العلوم الضرورية على النحو المبين.
فهذا خط الأصول من هذه المسألة.
٨١- فإن قيل فإذا أثبتم الجواز في الوجهين عموما فما الذي اتفق عندكم وقوعه قلنا ليس هذا الآن مما يتطرق إليه بمسالك العقول فإن وقوع الجائز لا يستدرك إلا بالسمع المحض ولم يثبت عندنا سمع قاطع فيما كان من ذلك وليس في قوله ﷾: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ دليل على أحد الجائزين فإنه.
_________________
(١) ١ آية "٣١" سورة البقرة.
[ ١ / ٤٤ ]
لا يمتنع أن اللغات لم يكن يعلمها فعلمه الله تعالى إياها ولا يمتنع أن الله تعالى أثبتها ابتداء وعلمه إياها.
مسألة:
٨٢- ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا في طوائف من الفرق إلى أن اللغات لا يمتنع إثباتها قياسا وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقة كالخمر فإنها من التخمير أو المخامرة فقال هؤلاء إن خصصت العرب في الوضع اسم الخمر بالخمر النية العنبية فيجوز تسمية النبيذ المشتد خمرا لمشاركته الخمر النية فيما منه اشتقاق الاسم.
٨٣- والذي نرتضيه: أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلتزم طرد الاشتقاق وأقرب مثال إلينا أن الخمر ليس في معناها الإطراب وإنما هي من المخامرة أو التخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخمر العقل أو يخامره ولا يطرب خمرا وليس الأمر كذلك.
والقول الضابط فيه: أن الذي يدعى ذلك إن كان يزعم أن العرب أرادته ولم تبح به فهو متحكم من غير ثبت ولا توقيف فإن اللغات على خلاف ذلك ولم يصح فيها ادعاء نقل وإن كان يزعم أن العرب لم تعن ذلك فإلحاق الشيء بلسانها وهي لم ترده محال والقايس في حكم من يبتدئ وضع صيغة.
فإن قيل الأقيسة الحكمية يدور فيها هذا التقسيم قلنا أجل ولكن ثبت قاطع سمعي على أنها متعلق الأحكام فإن نقلتم قاطعا من أهل اللسان اتبعناه.
ثم السر فيه أن الإجماع انعقد علة وجوب العمل عند قيام ظنون القايسين فلم تكن الظنون موجبة علما ولا عملا وليس في اللغات عمل فإن كنتم تظنون شيئا فلا نمنعكم من الظن ولكن لا يسوغ الحكم بالظن المجرد فإن تعلق هؤلاء بالأسماء المشتقة من حيث الأفعال كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري على قضية واحدة فقد ثبت في هذه من طريق النقل اطراد القياس فاتبعناه ولا يجرى هذا في محل النزاع قطعا.
٨٤- في ألفاظ استعملتها العرب فجرت في ألفاظ الشارع ﷺ على أنحاء لم تعهد في اللغة المحضة كالصلاة والزكاة والحجج والعمرة وما في معناها.
فالصلاة في اللسان: الدعاء وقيل: هي ملازمة الشيء من قولهم صلى النار.
[ ١ / ٤٥ ]
واصطلى بها ومنه المصلى في السباق.
والزكاة هي: النمو والحج والعمرة القصد ثم الشارع سمى عبادة مخصوصة صلاة وكذلك القول في أخوات هذه اللفظة فما وجه ذلك؟.
قال قائلون: نقل الشرع الألفاظ اللغوية عن حكم وضع اللسان إلى مقاصد الشرع.
وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها وهو اختيار القاضي أبي بكر ﵀.
وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيد في معناها في الشرع.
وقالت المعتزلة: الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق: فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق.
والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان.
والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع.
وسر مذهبهم في الدينية والشرعية يئول إلى ما حكيناه عن الفقهاء من أنها مقرة زيد في معناها.
أما القاضي رحمة الله عليه فإنه استمر على لجاج ظاهر فقال الصلاة الدعاء والمسمى بها في الشرع دعاء عند وقوع أقوال وأفعال ثم الشرع لا يزجر عن تسمية الدعاء المحض صلاة وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام.
وهذا غير سديد فإن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره [أن] المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك.
٨٥- وأما المختار عندنا فيقتضي بيانه تقديم أصل هو مقصود في نفسه وبه يتم غرض المسألة فنقول:
[ ١ / ٤٦ ]
قد ذكر الأصوليون أن في الألفاظ ما هو عرفي وللعرف احتكام فيه ووجه احتكام العرف فيه يحصره شيئان أحدهما أن تعم استعارته عموما يستنكر معها استعمال الحقيقة وهذا كقول القائل: الخمر محرمة وهذا مستعار متجوز فإن الخمر لا تكون مرتبط التكليف وإنما يتعلق التكليف بأحكام أفعال المكلفين فالمحرم إذا شرب الخمر وتعاطيها ولو قال قائل: ليست الخمر محرمة لكان قائلا هجرا ويكثر تطاير ذلك في اللسان والشرع فهذا أحد الوجهين.
والثاني: يخصص العرف أسماء ببعض المسميات ووضع الاسم يقتضي ألا يختص وهذا كالدابة فإنها مأخوذة من دب يدب وهو مبني بناء فاعل على قياس مطرد في أسماء الفاعلين ثم يقال فلان دب ولا يسمى دابة إلا بعض البهائم والحشرات كالحيات ونحوها.
فإذا تبين هذا بنينا عليه غرضنا وقلنا الدعاء التماس وأفعال المصلي أحوال يخضع فيها لربه ﷿ ويبغى بها التماسا فعمم الشرع عرفا في تسمية تلك الأفعال دعاء تجوزا واستعارة وخصص اسم الصلاة بدعاء مخصوص فلا تخلو الألفاظ الشرعية عن هذين الوجهين وهما متلقيان من عرف الشرع فمن قال إن الشرع زاد في مقتضاها وأراد هذا فقد أصاب الحق وإن أراد غيره فالحق ما ذكرناه ومن قال إنها نقلت نقلا كليا فقد زل فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار معاني اللغة في الدعاء والقصد والإمساك في الصلاة والصوم والحج فهذا حاصل هذه المسألة.
[ ١ / ٤٧ ]