وَقَالَ بعض أهل الظَّاهِر لَيْسَ فِي الْقُرْآن مجَاز
[ ١٧٧ ]
لنا هُوَ أَن الْمجَاز مَا تجوز عَن مَوْضُوعه إِمَّا بِزِيَادَة أَو نُقْصَان أَو تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو اسْتِعَارَة وَقد وجد جَمِيع ذَلِك فِي الْقُرْآن
فَالزِّيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَالْمرَاد لَيْسَ مثله شَيْء
وَالنُّقْصَان كَقَوْلِه ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَالْمرَاد بِهِ أهل الْقرْيَة
والتقديم وَالتَّأْخِير كَقَوْلِه ﴿وَالَّذِي أخرج المرعى فَجعله غثاء أحوى﴾ وَالْمرَاد بِهِ أخرج المرعى أحوى فَجعله غثاء
والاستعارة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَعبر عَن شدَّة الْحَال بكشف السَّاق لِأَن عِنْد الشدائد يكْشف عَن السَّاق
وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن أَكثر من أَن يُحْصى
وَقد ألزم أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج ابْن دَاوُد فِي المناظرة لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد﴾ فَعبر عَن الصَّلَوَات بالمساجد لِأَن الصَّلَوَات لَا يَتَأَتَّى هدمها
[ ١٧٨ ]
وألزمه قَوْله تَعَالَى ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ والإرادة لَا تصح من الْجِدَار فَلم يجد عَن ذَلِك محيصا
وَاحْتَجُّوا بِأَن اسْتِعْمَال الْمجَاز لموْضِع الضَّرُورَة وَتَعَالَى الله بِأَن يُوصف بالاضطرار
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن اسْتِعْمَال الْمجَاز لموْضِع الضَّرُورَة بل ذَلِك عَادَة الْعَرَب فِي الْكَلَام وَهُوَ عِنْدهم مستحسن وَلِهَذَا تراهم يستعملون ذَلِك فِي كَلَامهم مَعَ الْقُدْرَة على الْحَقِيقَة وَالْقُرْآن نزل بلغتهم فَجرى الْأَمر فِيهِ على عَادَتهم
قَالُوا الْقُرْآن كُله حق وَلَا يجوز أَن يكون حَقًا وَلَا يكون حَقِيقَة
وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ الْحق من الْحَقِيقَة بسبيل بل الْحق فِي الْكَلَام أَن يكون صدقا وَأَن يجب الْعَمَل بِهِ والحقيقة أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ فِيمَا وضع لَهُ سَوَاء كَانَ ذَلِك صدقا أَو كذبا وَيدل عَلَيْهِ أَن قَول النَّصَارَى ﴿الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَهُوَ حَقِيقَة فِيمَا أرادوه وَقَوله ﵇ لرجاله يَا أَنْجَشَة ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ وَلَيْسَ بِحَقِيقَة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ وَهُوَ صدق وَحقّ فَدلَّ على أَن أَحدهمَا غير الآخر
[ ١٧٩ ]
مَسْأَلَة ٢