وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يَقْتَضِي النّدب حكى ذَلِك عَن أبي بكر الصَّيْرَفِي والقفال وَالْقَاضِي أبي حَامِد
وَقَالَ بَعضهم يحمل ذَلِك على الْوُجُوب حُكيَ ذَلِك عَن أبي
[ ٢٤٢ ]
الْعَبَّاس وَأبي سعيد وَابْن خيران وَهُوَ مَذْهَب مَالك
لنا أَن فعله يحْتَمل الْوُجُوب والاستحباب وَالْإِبَاحَة
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن صُورَة الْفِعْل فِي الْجَمِيع وَاحِدَة وَإِذا احْتمل هَذِه الْوُجُوه لم يكن حمله على بَعْضهَا بِأولى من الْحمل على الْبَاقِي فَوَجَبَ التَّوَقُّف
وَلِأَن الْقطع فِيهِ بِالْوُجُوب أَو النّدب لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من غير اعْتِبَار الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فَيجب أَن يقطع بذلك وَإِن علم أَنه فعله على غير ذَلِك الْوَجْه وَهَذَا لَا يَقُوله أحد وَإِمَّا أَن يكون الْقطع مَعَ اعْتِبَار الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فَيجب أَن لَا يقطع مَا لم يعلم الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل
وَاحْتج من قَالَ بالندب بقوله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَحسن التأسي يَقْتَضِي النّدب والاستحباب
[ ٢٤٣ ]
قُلْنَا هَذَا دَلِيل لنا لِأَن التأسي هُوَ أَن تفعل كَفِعْلِهِ وَهَذَا لَا يعلم من صُورَة الْفِعْل فَيجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يرد الدَّلِيل
قَالُوا النّدب مُتَيَقن لِأَنَّهُ أقل أَحْوَال الْقرب فَوَجَبَ أَن يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ
قُلْنَا هَذَا يُعَارضهُ بِأَن فِي الْإِيجَاب احْتِيَاط فَوَجَبَ أَن يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ وَاجِبا فَلَا يخرج مِنْهُ إِلَّا الْفِعْل وَإِذا بَطل هَذَا فِي الْإِيجَاب بَطل مَا قَالُوهُ فِي النّدب
وَاحْتج من ذهب إِلَى الْوُجُوب بقوله ﷿ ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾
قُلْنَا الِاتِّبَاع أَن يفعل كَفِعْلِهِ
يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو فعله على وَجه الْوُجُوب وفعلناه على وَجه النّدب لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَإِذا ثَبت هَذَا فَإِن مَا يُمكن فِيهِ الِاتِّبَاع إِذا علم وَجه الْفِعْل الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فنتبعه فِيهِ فَأَما مَا لم يعلم فِيهِ وَجه الْفِعْل فَلَا يُمكن فِيهِ الِاتِّبَاع
فَإِن قيل الْخَبَر يَقْتَضِي وجوب الْمُتَابَعَة فِي الْفِعْل وَذَلِكَ يُمكن وَإِن لم يعلم حَال الْفِعْل كَمَا تَقول فِي الصَّلَاة فَإِن تصح الْمُتَابَعَة فِيهَا وَإِن لم تعلم نِيَّة الإِمَام
قُلْنَا هَذَا مُخَالف للمتابعة فِي الصَّلَاة لِأَن هُنَاكَ الْمُتَابَعَة تقع فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة وَذَلِكَ يُمكن وَإِن لم تعلم نِيَّة الإِمَام وَهَاهُنَا تقع فِي الْفِعْل على جِهَته أَلا ترى أَنه لَو فعله وَاجِبا لم يجز فعله ندبا وَلَو صلى الإِمَام صَلَاة فرض جَازَ أَن نتبعه فِي النَّفْل فَافْتَرقَا
وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالْأَمر يَقع على القَوْل وعَلى الْفِعْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض﴾ وَالْمرَاد بذلك كُله الْفِعْل
[ ٢٤٤ ]
وَالْجَوَاب هُوَ أَن إِطْلَاق الْأَمر يتَنَاوَل القَوْل خَاصَّة وَلَا يحمل على الْفِعْل من غير دَلِيل
وعَلى أَن قَوْله ﴿عَن أمره﴾ كِنَايَة وَالْكِنَايَة ترجع إِلَى أقرب مَذْكُور وَأقرب مَذْكُور هُوَ الله تَعَالَى لِأَنَّهُ قَالَ ﴿قد يعلم الله الَّذين يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالظَّاهِر أَن الْكِنَايَة عَائِدَة إِلَيْهِ وَأمر الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسْتَدْعِي بِهِ الْفِعْل وَذَلِكَ وَاجِب
وَلِأَن هَذَا يَقْتَضِي أمرا تصح فِيهِ الْمُوَافقَة وَترك الْمُخَالفَة وَهُوَ الَّذِي علم صفته فيوافقه فِيهِ وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَا علم مِنْهُ وَجه الْفِعْل
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ التغابن ٦٤١٢ وَلم يفرق
قُلْنَا الطَّاعَة مُوَافقَة الْأَمر والعصيان مُخَالفَته وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَا علم وَجه الْفِعْل فِيهِ وَنحن لَا نعلم حَال هَذَا الْفِعْل فَلَا يدْخل فِي الْآيَة
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ خلع نَعله فِي الصَّلَاة فَخلع النَّاس نعَالهمْ ثمَّ قَالُوا رَأَيْنَاك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا فَدلَّ على أَن مُتَابَعَته فِيمَا يفعل وَاجِبَة
قُلْنَا هَذَا خبر الْوَاحِد فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِهِ على إِثْبَات أصل من الْأُصُول
وعَلى أَنهم إِنَّمَا تبعوه فِي خلع النَّعْل لِأَنَّهُ كَانَ قد أَمرهم باتباعه فِي الصَّلَاة أَلا ترَاهُ قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَلَمَّا خلع نَعله ظنُّوا أَن ذَلِك مِمَّا شرع فِي الصَّلَاة فتبعوه امتثالا لقَوْله ﵇
قَالُوا رُوِيَ أَن أم سَلمَة قَالَت للنَّبِي ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة انْحَرْ هديك حَيْثُ وجدته واحلق فَإِنَّهُم يحلقون فتبعوه فَدلَّ على أَن فعله يَقْتَضِي الْوُجُوب
[ ٢٤٥ ]
قُلْنَا إِنَّمَا تبعوه فِي الْحلق وَالذّبْح لِأَنَّهُ اقْترن بِهِ دَلِيل من جِهَة القَوْل وَهُوَ قَوْله ﵇ اذبحوا واحلقوا وكلامنا فِي الْفِعْل الْمُجَرّد هَل يَقْتَضِي الْوُجُوب
قَالُوا أَيْضا إِن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي التقاء الختانين هَل يُوجب الْغسْل فَرَجَعُوا إِلَى فعل رَسُول الله ﷺ حَيْثُ رَوَت عَائِشَة ﵂ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﵇ فاغتسلنا
وَالْجَوَاب هُوَ رُوِيَ أَنَّهَا رَوَت إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل فصاروا فِي الْإِيجَاب إِلَى القَوْل
قَالُوا ولأنا لَا نَأْمَن من أَن يكون وَاجِبا فنتركه وَذَلِكَ لَا يجوز فَيجب إِيجَابه احْتِيَاطًا
قُلْنَا ولأنا لَا نَأْمَن أَن لَا يكون وَاجِبا فيعتقد وُجُوبه وَذَلِكَ لَا يجوز
قَالُوا وَلِأَن الْبَيَان تَارَة يَقع بالْقَوْل وَتارَة بِالْفِعْلِ ثمَّ ثَبت أَن القَوْل يَقْتَضِي الْوُجُوب فَكَذَلِك الْفِعْل
قُلْنَا القَوْل لَهُ صِيغَة تدل على الاستدعاء فَحمل عَلَيْهِ وَالْفِعْل لَيْسَ لَهُ صِيغَة تدل على الاستدعاء فوزانه من الْأَقْوَال مَا لَا يدل على الْإِيجَاب كالخبر عَن غَيره فَلَا يحمل على الْإِيجَاب علينا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ ﵇ لَا يفعل إِلَّا حَقًا وصوابا فَوَجَبَ أَن يتبع فِيهِ
قُلْنَا الِاتِّبَاع إِنَّمَا يكون بِأَن تفعل على حسب فعله حَتَّى يكون ذَلِك حَقًا وصوابا وَهَذَا لَا يُمكن فِيمَا لَا نعلم فِيهِ حَال الْفِعْل فَوَجَبَ التَّوَقُّف
[ ٢٤٦ ]
مَسْأَلَة ٣