ورد تَسْمِيَة الْكَلَام بِكَلِمَة فِي الْكتاب، وَالسّنة، وَكَلَام الْعَرَب.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ رب ارْجِعُونِ لعَلي أعمل صلحا فِيمَا تركت كلا أَنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩ - ١٠٠]، فَسمى ذَلِك كُله كلمة.
وَقَالَ النَّبِي - ﷺ َ -: " أصدق كلمة قَالَهَا [شَاعِر] كلمة لبيد أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل "، فَسمى ذَلِك كُله كلمة.
وَهُوَ مجَاز مهمل فِي عرف النُّحَاة، فَقيل: هُوَ من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم بعضه، وَقيل: لما ارْتبط أَجزَاء الْكَلَام بَعْضهَا بِبَعْض حصل لَهُ بذلك وحدة، فشابه بهَا الْكَلِمَة، فَأطلق عَلَيْهِ كلمة.
وَقَوله: (وبالكلام الْكَلِمَة)، أَي: يُرَاد بالْكلَام الْكَلِمَة، عكس الأول.
[ ١ / ٣٠٩ ]
فَيُقَال: تكلم بِكَلَام، ومرادهم بِكَلِمَة.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَقَالَ بَعضهم: يُرَاد بالْكلَام الْكَلِمَة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْلهم: من أَنْت زيد؟: " مَعْنَاهُ: من أَنْت كلامك زيد؟ " وَقَالَهُ أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره) .
وَيُرَاد بالْكلَام - أَيْضا - الْكَلم الَّذِي لم يفد، فَلَو أَفَادَ سمي كلَاما وَكلما، وَحَكَاهُ ابْن مُفْلِح قولا.
وَاعْلَم أَن للْكَلَام فِي اللُّغَة إطلاقات،
أَحدهَا: إِطْلَاق الْكَلَام على مُطلق التَّلَفُّظ وَلَو بِكَلِمَة وَاحِدَة، وَمِنْه حَدِيث الْبَراء بن عَازِب - ﵁ -: (أمرنَا بِالسُّكُوتِ ونهينا عَن الْكَلَام)، فَيشْمَل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة.
[ ١ / ٣١٠ ]
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ -: " وَإِن مِمَّا أحدث أَن لَا تكلمُوا فِي الصَّلَاة ".
وَتقول: تكلم الصَّبِي، تُرِيدُ أصل التَّلَفُّظ وَإِن لم يفد.
وَلَو حلف أَن لَا يتَكَلَّم، حنث بِمُطلق اللَّفْظ.
[ ١ / ٣١١ ]
وَهَذَا المُرَاد بقولنَا: (وبالكلام الْكَلِمَة والكلم الَّذِي لم يفد) .
الثَّانِي: الْخط، وَمِنْه: قَوْلهم: مَا بَين دفتي الْمُصحف / كَلَام الله.
الثَّالِث: الرَّمْز، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: ﴿ءايتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزًا﴾ [آل عمرَان: ٤١]، فاستثنى الرَّمْز من الْكَلَام، قَالَه الْبرمَاوِيّ.
قلت: الْجُمْهُور قَالُوا: إِن الاستثاء مُنْقَطع، فَلَا يكون مِمَّا نَحن فِيهِ.
الرَّابِع: مَا يفهم من حَال الشَّيْء كَقَوْل الشَّاعِر:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني )
(مهلا رويدًا قد مَلَأت بَطْني )
قَوْله: ﴿قَالَ الشَّيْخ: [مُسَمّى] الْكَلَام وَالْقَوْل عِنْد الْإِطْلَاق يتَنَاوَل اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا، [كتناول] الْإِنْسَان الرّوح وَالْبدن، عِنْد السّلف والفققهاء، وَالْأَكْثَر، وَقَالَ كثير من أهل الْكَلَام: مُسَمَّاهُ اللَّفْظ، وَالْمعْنَى [لَيْسَ
[ ١ / ٣١٢ ]
جزءه بل مَدْلُوله، وَقَالَهُ] النُّحَاة؛ لتَعلق صناعتهم بِاللَّفْظِ، وَقَالَ ابْن كلاب وَأَتْبَاعه: مُسَمَّاهُ الْمَعْنى، وَبَعض أَصْحَابه: مُشْتَرك بَينهمَا، وَعَن الْأَشْعَرِيّ وَغَيره، مجَاز فِي كَلَام الله تَعَالَى﴾ .
ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَامه هَذَا فِي أَمَاكِن كَثِيرَة من تصانيفه، كالرد على الرافضي، وَغَيره، وَقَالَ فِي مَوضِع: (كَمَا أَن لفظ الْإِنْسَان قيل: هُوَ حَقِيقَة فِي الْبدن فَقَط، وَقيل: فِي الرّوح فَقَط، وَالصَّوَاب: أَنه حَقِيقَة فِي الْمَجْمُوع فالنزاع فِي النَّاطِق كالنزاع فِي منْطقَة) انْتهى.
وَقَالَ كثير من أهل الْكَلَام: مُسَمّى الْكَلَام هُوَ اللَّفْظ، وَأما الْمَعْنى فَلَيْسَ جزءه بل مَدْلُوله، وَقَالَهُ . .
[ ١ / ٣١٣ ]