لقد بينا أن أول كتاب برز إلى الوجود في علم أصول الفقه هو الرسالة، للإِمام محمد بن إدريس الشافعي - ﵀ -. وكانت الرسالة شاملة لمعظم أبواب وفصول هذا الفن، ولكنها لم تكن مستوعبة لجميع مسائل هذا الفن.
ثم أخذ هذا الفن ينمو في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وذلك بالإِكثار من الأدلة على إثبات القواعد، وبحث المسائل التي لم تتعرض لها رسالة الشافعي، ولكن كما يظهر من أسماء هذه المصنفات أنها كانت في مواضيع من علم أصول الفقه وليست شاملةً لجميع أبحاث هذا الفن بالصورة التي عليها الكتب المتكاملة التي وجدت في القرنين الخامس والسادس، وكتب الشافعية كانت أشمل من غيرها لأنها كانت شارحةً للرسالة، والرسالة كما علمنا تحتوي على جزء كبير من مواضيع أصول الفقه. وتعرضت هذه الكتب الشارحة للرسالة إلى بسط ما قرره الشافعي والرد على اعتراضات المخالفين
له من كتب غير الشافعية. ومعظم المصنفات في هذين القرنين لا نعرف منها إلا اسمها أو نقولاتٍ في كتبٍ أخرى منسوبة لها، لأنها ضاعت مع ما ضاع من التراث الإِسلامي في غزوا لتتار لبلاد الإِسلام، فمثلًا ذكر صاحب كشف الظنون عدة شروح للرسالة في هذين القرنين نذكر منها:
١ - شرح محمد بن عبد الله الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، قال عنه أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: أنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي.
٢ - شرحها أبو الوليد حسان بن محمد النيسابوري الأموي، المتوفى سنة ٣٤٩ هـ.
٣ - شرحها محمد بن علي الشاشي القفال الكبير، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ.
٤ - شرحها محمد بن عبد الله الشيباني أبو بكر الجوزقي، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ.
٥ - شرحها عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ.
[ ١ / ١١١ ]
ولا نجد الأن من ذلك كله إلا بعض نقولٍ لا تشفي الغليل من شرح محمد بن عبد الله الصيرفي، ومن الكتب التي صنفت في القرن الثالث الهجري كما ذكر ابن النديم في الفهرست كتاب العموم والخصوص، والفصول في معرفة الأصول لإبراهيم بن أحمد المروزي صاحب المزني، ومن ذلك كتاب خبر الواحد وكتاب الاجتهاد. وكتاب إثبات القياس لعلي بن موسى القمي. ومن ذلك خبر الواحد، وإثبات القياس، وكتاب اجتهاد الرأي لعيسى بن أبان بن صدقة الحنفي المتوفى سنة ٢٢٠ هـ ومن ذلك: كتاب الإجماع. وإبطال التقليد وإبطال القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الخصوص والعموم وكتاب المفسر والمجمل، وكتاب الكافي لمقالة المطلبي، ومن ذلك كتاب العلل للإِمام أحمد بن حنبل، والناسخ والمنسوخ لأحمد بن حنبل أيضًا، وكلها كما ترى كتب مؤلفة في موضوعٍ واحد فقط.
وقد استفاد القاضي سراج الدين الأرموي - ﵀ - في كتابه التحصيل تبعًا للإِمام الرازي - ﵀ - في المحصول من أقوال علماء هذين القرنين، فنقل عنهم أقوالًا كثيرةً وسنذكر طائفةً من علماء الأصول في هذين القرنين ممن وجدت لهم أقوالًا في التحصيل مرتبين حسب سنة الوفاة.
١ - عيسى (١) بن أبان بن صدقة الحنفي المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، وهو أول من نقل عنه أنه صنف في أصول الفقه من الأحناف فيما أعلم وله كتب عدة في هذا الفن وهي: إثبات القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب اجتهاد الرأي، وكتاب الحُجج، وكتاب الجامع.
٢ - إبراهيم (٢) بن سيَّار بن هانئ المعروف بالنظَّام المتوفى سنة ٢٢١ هـ، المعتزلي تلميذ أبي الهذيل العلاف وأستاذ الجاحظ له كتاب النكت، وهو الذي نفى فيه حجية الإِجماع، وطعن فيه على صحابة رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) الفتح المبين ١/ ١٣٩.
(٢) الفتح المبين ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١١٢ ]
٣ - داود (١) بن علي بن داود الأصبهاني الظاهري أبو سليمان المتوفى سنة ٢٧٠ هـ. له في الأصول: كتاب إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد، وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الحجة، وكتاب الخصوص والعموم، وكتاب المفسر والمجمل.
٤ - أحمد (٢) بن عمر بن سريج المتوفى سنة ٣٠٦ هـ، تلميذ المزني وأبو داود السجستاني ألف كتابًا في الرد على ابن داود الظاهري في إبطال القياس. ونقل ابن السبكي في طبقاته عن القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب، وعن الأستاذ أبي إسحاق في التعليقة أنهما قالا: (إن ابن سريج من الشافعية وغيره كانوا قد برعوا في الفقه، ولم تكن لهم قدم راسخة في علم الكلام، فطالعوا كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم وقولهم يجب شكر المنعم عقلًا فذهبوا إلى ذلك غير عالمين بما تؤدي إليه هذه المقالة) (٣). وبذلك يكون ابن سريج قد سبق القاضي أبا بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار بن أحمد في التصنيف على طريقة المعتزلة.
٥ - عبد الله (٤) بن أحمد أبو القاسم الكعبي المتوفى سنة ٣١٩ هـ، له آراء خاصة في الأصول اشتهرت عنه وهو قوله: إن المباح مأمور به، وإن العلم الحاصل من الخبر المتواتر نظري.
٦ - عبد السلام (٥) بن محمد بن عبد الوهاب أبو هاشم الجبائي المتوفى سنة ٣٢١ هـ، له كتاب في الاجتهاد وفي أصول الفقه.
٧ - أبو الحسن (٦) الأشعري علي بن إسماعيل المتوفى ٣٢٤ هـ، له كتاب في إثبات القياس وآخر في العام والخاص.
٨ - الحسن (٧) بن أحمد الاصطخري الشافعي المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، له آراء في الأصول مشهورة منها: فعل النبي - ﷺ - إن كان مجردًا عن القرينة
_________________
(١) الفتح المبين ١/ ١٥٩.
(٢) طبقات ابن السبكي ١/ ١٧٧.
(٣) الفتح المبين ١/ ١٦٦.
(٤) الفتح المبين ١/ ١٧٢.
(٥) الفتح المبين ١/ ١٧٠.
(٦) الفتح المبين ١/ ١٧٨.
(٧) الفتح المبين ١/ ١٧٤.
[ ١ / ١١٣ ]
الدالة على الوجوب يفيد الوجوب في حقه وحق أمته، ووافقه على ذلك ابن سريج المتقدم وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة.
٩ - محمد بن عبد الله أبي بكر البغدادي الصيرفي (١) المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، وقد دوَّن كتبًا في الأصول غير شرح رسالة الشافعي السالف الذكر في غاية الأهمية، منها: كتاب لم يسبق له مثيل في الشروط، وكتاب البيان في دلائل الإِعلام في أصول الأحكام، وكتاب في الإِجماع.
١٠ - الحسن بن الحسين ابن أبي هريرة (٢) الشافعي المتوفى سنة ٣٤٥ هـ، له آراء خاصة في الأصول منها: تحريم الأفعال الاختيارية قبل البعثة.
١١ - عبيد الله بن الحسن بن دلَّال بن دلهم الكرخي (٣) المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، له في الأصول رسالةٌ مطبوعة ذكر فيها الأصول التي مدار كتب أبي حنيفة عليها. اهتم بها نجم الدين النسفي.
١٢ - القفال (٤) الكبير الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل المتوفى سنة ٣٦٥ هـ، شارح رسالة الشافعي - ﵀ -، وله كتاب في أصول الفقه.
١٣ - أحمد بن علي أبي بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص (٥) تلميذ أبي الحسن الكرخي وأبي العباس الأصم المتوفى سنة ٣٧٥ هـ، له كتاب الأصول، وهو كتاب جامع طويل حقق ولم يطبع جعله مقدمة لكتابه أحكام القرآن.
١٤ - المعافى بن زكريا النهرواني (٦) المتوفى سنة ٣٩٠ هـ، تفقه على مذهب ابن جرير الطبري. وله التحرير والمنقر في أصول الفقه.
١٥ - محمد بن محمد بن جعفر المعروف بابن الدقاق (٧) ويلقب بالخياط، أبو بكر المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، له كتاب في أصول الفقه.
_________________
(١) الفتح المبين ١/ ١٨٠.
(٢) الفتح المبين ١/ ١٩٣.
(٣) الفتح المبين ١/ ١٨٦.
(٤) الفتح المبين ١/ ٢٠١.
(٥) الفتح المبين ١/ ٢٠٣.
(٦) الفتح المبين ١/ ٢١١.
(٧) معجم المؤلفين ١١/ ٢٠٣.
[ ١ / ١١٤ ]
١٦ - إبراهيم (١) بن أحمد أبو إسحاق المروزي المتوفى في مصر سنة ٣٤٠ هـ، تلميذ ابن سريج له في الأصول: الفصول في معرفة الأصول، وكتاب العموم والخصوص.
١٧ - وأبو علي (٢) محمد بن خلاد البصري، تلميذ أبي علي وأبي هاشم الجبائيين صاحب كتاب الأصول والشرع.
١٨ - أبو مسلم (٣) الأصفهاني محمد بن علي بن بحر المعتزلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، له جامع التأويل لمحكم التنزيل وناسخ الحديث ومنسوخه.
ويوجد بعض علماء الأصول لم ينقل عنهم القاضي سراج الدين الأرموي تبعًا للإِمام الرازي، ومن هؤلاء الأبهري محمد بن عبد الله أبو بكر المالكي المتوفى سنة ٣٧٥ هـ، له كتاب في إجماع أهل المدينة وكتاب في الأصول، وكذلك عبد الواحد بن الحسين الصيمري المتوفى سنة ٣٨٦ هـ صاحب كتاب القياس والعلل في الأصول.
وقد نقل عن عدد ضخم من علماء هذه الفترة غير الأصوليين وخاصة بالنسبة للأبحاث اللغوية وبعض مسائل الكلام، ومن هؤلاء.
عباد بن سليمان الصيمري المتوفى سنة ٢٥٠ هـ، والخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى ١٧٠ هـ، ومحمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، وسيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان المتوفى بعد المئتين، وأبو عبد الله الحسين بن علي البصري المعتزلي المتوفى سنة ٣٦٩ هـ، وأبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني المتوفى سنة ٢٩٧ هـ، وابن متويْه إبراهيم بن محمد بن الحسن المتوفى سنة ٣٠٢ هـ، والأصمعي عبد الملك بن قريب اللغوي المتوفى سنة ٢١٧ هـ، والمبرد أبو العباس محمد بن عبد الله البصري النحوي المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، وأبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار
_________________
(١) ابن خلكان ١/ ٤٠ الفهرست لابن النديم ٢٩٩، حسن المحاضرة ١/ ١٢٥.
(٢) طبقات المعتزلة ٣٢٤، الفهرست ٢٤٧.
(٣) كشف الظنون ٦/ ٧١.
[ ١ / ١١٥ ]
الفوي الفارسي النحوي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، والجرجاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز الشاعر المتوفى سنة ٣٦٦ هـ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، والكسائي أبو الحسن علي بن حمزة النحوي اللغوي المتوفى بعد عام ١٨٢ هـ، والفراء أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، والمزني إسماعيل بن يحيى أبو إبراهيم المصري الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ، وأبو الهذيل محمد بن الهذيل أبو عبد الله العلَّاف المعتزلي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ، وابن خيران أبو علي الحسين بن صالح الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٣٢٠ هـ، وأبو الحسين عبد الرحيم بن أبي عمرو الخياط المعتزلي المتوفى سنة ٣٥٠ هـ، وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري المفسر المؤرخ المتوفى سنة ٣١٠ هـ، والحاكم أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد المروزي البلخي السلمي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، والجاحظ عمرو بن بحر أبو عثمان الفيلسوف
الأديب المعتزلي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، وابن الراوندي الملحد الزنديق الحسين أحمد بن يحيى الفارسي الأصبهاني صاحب المصنفات التي فيها الكيد للإِسلام، المعاصر لأبي علي الجبائي وأبي الحسين الخياط، وعمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري التميمي بالولاء شيخ المعتزلة المتوفى في خلافة أبي جعفر المنصور، وابن علية إبراهيم بن إسماعيل الأسدي أبو إسحاق المحدث الجهمي الجدلي المتوفى سنة ٢١٨ هـ، والمازني النحوي أبو عثمان بكر بن محمد البصري المتوفى سنة ١٣٦ هـ، وبشر بن غياث المريسي تلميذ أبي يوسف القاضي رمي بالزندقة والكفر وكان جهميًا، وعثمان البتي أبو عمرو البصري المتوفى سنة ١٤٣ هـ، وعبيد الله بن الحسن العنبري القاضي المتوفى سنة ١٦٨ هـ، والأصم أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان معاصر لأبي علي الجبائي وأبي الهذيل العلَّاف، وإسحاق بن راهويه إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي المحدث تلميذ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وموسى بن عمران المعتزلي من الطبقة السابعة.
ومن الطبيعي أنه نقل آراءً للصحابة رضوان الله عليهم والتابعين والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، بالإضافة إلى بعض الشعراء الجاهليين كشواهد
[ ١ / ١١٦ ]
في اللغة يطول الأمر بذكرهم، والذي يهمنا ذكر الأصوليين الذين استفاد منهم القاضي الأرموي - ﵀ - تبعًا للإِمام الرازي في المحصول، ومعظم من ذكرناهم قد اندثرت كتبهم مع ما اندثر من الكتب ولكن آراءهم مدونةٌ في كتب من تبعهم التي لا تزال محفوظة في خزائن المكتبات، أو قدر لها الله أن ينفض عنها الغبار وتخرج لحيز الوجود وتطبع، وما علينا الآن إلا أن نتكلم عن عصر نضوج هذا العلم وهو القرن الخامس الهجري.