ما هو المنظور فيه؟
١ - المنظور فيه المعلوم لا العلم، هذا رأي الجمهور.
٢ - وعند الرازي: العلم لا المعلوم (^٢).
ومما يجدر التنبيه عليه قوله: "في حال"، فعدى النظر بفي ليخرج النظر الذي يتعدى بغيرها.
وزاد الأمر إيضاحًا بـ "حال"؛ لأن النظر الذي هو الفكر يكون في الأحوال التي هي الأعراض والكيفيات، لا في الأعيان والجواهر الخارجية فإن هذه وظيفة البصر، بخلاف أحوالها فهي وظيفة الفكر.
وهذه العقليات هي في الحقيقة متركبة من صور ذهنية للأعيان الخارجية ومن أمور علمية ذهنية وينبني على هذا أمور:
الأولى: أن حركة النفس لا بد أن تكون في الحسيات التي هي المعلومات من جهة عقلية، بالتنقل بين صورها المنطبعة في الذهن، وهي من هذه الجهة يصدق عليها أنها عقليات، فمن ثَمّ قال المتقدمون أن حركة النفس في المعقولات لا في المحسوسات.
_________________
(١) الشرح المختصر للعبادي ١/ ٥١ بحاشية إرشاد الفحول.
(٢) شرح ابن قاسم ١/ ٢٦٧.
[ ٧٠ ]
والمتأخرون على أنها فيهما.
وعندي أن الخلاف لفظي إذ الجميع متفقون على أن المحسوسات العقلية لا بد أن يشملها حركة النفس، ولكن عبر عنها بالعقليات نظرًا إلى محلها، وعبر عنها المتقدمون بالمحسوسات نظرًا إلى أصلها، فظن من ظن أن الخلاف حقيقي نظرًا لاختلاف التعبيرات، هذا ما ظهر لي بالتتبع والاستقراء لمبحوثهم وكلامهم، والله أعلم.
الثانية: الجمع بين خلاف الجمهور والرازي المتقدم في أن النظر فيه هو المعلوم كما هو عندهم، أم العلم كما هو عند الرازي.
والتحقيق أنه لا خلاف بينهم إذ المعلوم عند الجمهور هو التصورات الذهنية، وهي علوم باتفاق؛ لأن العلم إما تصور أو تصديق فالتصور علم؛ لأنه لا يكون إلا صحيحًا (^١) كما حققوه، والتصديق علمٌ بخلاف فاسده.
ومن ثم عبر الرازي عن المعلومات بالعلم فلاحظ أن العلم شامل لـ"تصور وتصديق" التي هي المعلومات والعلوم- هذا ما ظهر لي والله أعلم- وقد أشار ابن قاسم في شرحه الكبير إلى هذا (^٢).