الأول: وهو المشهور العام: إطلاقه بإزاء الأغراض، وميل الطباع ونفرتها، فيقال على ما يميل الطبع إليه وتستريح إليه النفس: إنه حسن، وعلى عكسه: غنه قبيح. وقد تميل نفس زيد إلى ما تنفر عنه نفس عمرو، كالألوان والأشكال، فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت استحسنه، وقضى بحسنه، ومن نفر طبعه عنه استقبحه. وليس ذلك راجعا إلى الذات، بل إلى الإضافة.
ولو قيل: هل هذا عند الله حسن أو قبيح؟ قلنا: هو عند الله حسن باعتبار زيد، وقبيح باعتبار عمرو. ومن أطلق لفظ الحسن والقبيح بهذا الاعتبار، لم يمنع الإطلاق.
الثاني: إطلاق لفظ الحسن على ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، فيكون فعل الله تعالى، حسنا، وافق الغرض أو خالف، لثنائه على فاعله، ويكن المأمور به من الشرع جسنا، سواء كان واجبا أو ندبا، ولا يكون المباح حسنا.
الثالث: إطلاق الحسن على: ما لفاعله أن يفعله، وإن لم يكن مطلوبا، فيكون فعل الله تعالى حسنا، ويكون المباح على هذا حسنا، ولا يكون المنهي عنه حسنا. والإمام إنما اختار هذا الثالث، وهو المشهور عند العلماء، ولا سبيل إلى منع القسمين الآخرين.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقد قال الكعبي: إن المباح حسن بالاعتبار الثالث، وهو غلط، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ثم قال: (وقسمت المعتزلة الأفعال قسمين: فقالوا: يثبت حكم القبح (٨/أ) والحسن في أحدهما، مستدركا بالعقول، غير متوقف على ورود الأمر والنهي، ثم قسموا هذا القسم قسمين) إلى قوله (فإنا ندرك بمبادئ العقول أنه لا يجوز في استمرار العرف مخالفة الجم الغفير فيه). قال الشيخ أيده الله: نقل المذاهب صحيح. والفرق بين ما يدرك ضرورة ونظرا، أن ما ظهرت مصلحته، ولم تقابله مفسدة، علم حسنه ضرورة، وما علمت مفسدته، ولم تقابله مصلحة، علم قبحه ضرورة. وإنما ينشأ النظر عند اختلاف الجهتين في المعارضة، كالكذب المفيد والصدق المضر.
[ ١ / ٢٨١ ]
وأما اختلاف النقلة في الحسن والقبح، هل هما وصفان نفسيان أم لا؟ فيفتقر إلى بيان أقسام الصفات عند المعتزلة. فالصفات التي لا ترجع إلى السلب تنقسم إلى: معللة وإلى غير معللة. وما ليست بمعللة تنقسم إلى:
[ ١ / ٢٨٢ ]
ما يقال إنها صفة النفس، وإلى ما ليست كذلك. والتي ليست كذلك تنقسم إلى: ما يقتضي مقتضيا تستند إليه، وإلى ما لا يقتضي ذلك. وهذا الأخير قد سمي التابع للحدوث.
وهذا التقسيم إنما يصح عند إطلاق الصفة على الحكم، وفي ذلك تنازع. فمن الأصوليين من يطلق الصفات على الأحكام، ومنهم من يطلق الصفات على المعاني. والتقسيم إنما يصح على هذا التفسير.
فمثال الصفات المعللة: الأحكام الثابتة للذوات بمعاني قائمة بها.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ككونه قادرا وعالما ومريدا، إلى ما يضاهي ذلك.
وأما صفات النفس عند المعتزلة الثابتة للذوات عدما ووجودا، فككون الجوهر جوهرا، والعرض عرضا. وكذلك القول في جميع الأوصاف التي قضوا بثبوتها في العدم.
وأما الصفات المتعلقة بالمقتضيات، كالحدوث والتخصيص والإحكام، فالذي يقتضي الحدوث القدرة، والذي يقتضي الإحكام العلم، والذي يقتضي التخصيص الإرادة.
وأما الصفات التابعة للحدوث، فكتحيز الجوهر، وقيام العرض بالمحل. إلى ما يضاهي ذلك. فمن النقلة من جعله من قبيل كون الجوهر جوهرا، ومنهم من جعله من قبيل تحيز الجواهر. ولا ذاهب يذهب إلى تنزيل الصفات من الحسن والقبح منزلة التخصيص والإحكام والحدوث.
[ ١ / ٢٨٤ ]
والصحيح أن الحسن والقبح لا يكون وصفا نفسيا، لأنه لا يقضى على الفعل بالحسن والقبح في الأزل، فامتنع لذلك أن يكون من الأوصاف النفسية.
وقول الإمام: (كل ذلك جهدا بمذهبهم، فمعنى قولهم: يقبح الشيء أو يحسن لعينه، فإن ذلك يدرك منه عقلا من غير إخبار مخبر). ليس في هذا الكلام مذهب من المذاهب، و[لا] الإرشاد إلى جهة مخصوصة، إلا أن يكون المراد بذلك التعرض لإظهار الخلاف بيننا وبينهم، فإنا نقول: يفتقر في التحسين والتقبيح إلى ورود الشرع، والمعتزلة [تقول:] لا تفتقر إلى ذلك
[ ١ / ٢٨٥ ]
في بعض الصفات.
فأما تعميم القول بأن المعنى أنه يدرك عقلا من غير إخبار مخبر، فلا يصح، لقضاء المعتزلة بأن بعض هذه الأوصاف لا تدرك (٨/ب) إلا شرعا، إلا أن يريد أنه إذا ورد الشرع بذلك كان مخبرا لا مبتدأ لشر الحكم. والعبارة لا تحتمل ذلك.
ورد القاضي ﵀ في مسلكه الأول صحيح. والأمر الذي يدرك
[ ١ / ٢٨٦ ]
بمبادئ العقول، لا يجوز في مطرد العرف مخالفة الجم الغفير فيه. أما الضروري المحض الذي نفس العقل كاف في الإدراك فيه، فلا يصح أن يجهله بعض العقلاء.
وهل تعذر جهله عقلي أو عادي؟ أما من ذهب إلى أن العقل علوم ضرورية، فيحيل أن يجهل العاقل هذه العلوم عقلا، لأنها نفس العقل، فكيف يكون عاقلا من لا عقل له؟
وأما من ذهب إلى أن العقل صفة يتأتى بها درك العلوم، وليست منها، فيجوز أن يخلق الله لشخص تلك الصفة، وإن لم يخلق له العلوم الضرورية، لأن تلك الصفة واقعة في باب الشروط دون العلل، فيصح وجدان الشرط دون المشروط، وإن لم يتصور وجدان المشروط دون الشرط.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وإذا ثبت أنه لابد من اشتراك جميع العقلاء في العلوم، إما عقلا وإما اعتياديا، فالمخالفة من العقلاء إنما تكون باللسان دون القلب، فيكون ذلك [تواطؤ] على الكذب، والكثرة تحيل التواطؤ اعتيادا. على ما سنبينه في أبواب التواتر.
وإن تصور كذب وتواطؤ في الأخبار المتواترة، فذلك عند حامل يحمل عليه، وملجئ يلجئ إليه، ولكن لابد من ظهور القضية بعد زوال الحامل. والأشعريون زائدون على عدد التواتر أضعافا مضاعفة، وهم مصرون على المخالفة، مستمرون عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد، فبطل بذلك ادعاء العلم الضروري.
فإن فيل: فكما استحال أن يتواطأ العقلاء الجم الغفير على الكتمان، فكذلك يستحيل أن يخبروا بخلاف ما يضمرون. ونحن أيضا الجم الغفير، والعدد الكثير، وقد أخبرنا عن العلم الضروري أنه قام بنا بحسن بعض الأشياء وقبح بعضها، ولم يستند على نظر حتى يصح الغلط فيه، فلنكن صادقين فيما أخبرنا به عن أنفسنا من العلم الضروري. قلنا: قد بينا استحالة كونه ضروريا بما فيه مقنع وكفاية.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وأما ما ذكرتموه، فوهم وخيال، وذلك أنا لم ننسب المعتزلة إلى التواطؤ على الكذب والكتمان، وإظهار خلاف ما أضمروا، فإن ذلك هو الذي قررنا استحالته. وإنما جاءهم الغلط من جهة كون الاعتقاد علما. والعادة لا تؤمن من الغلط في ذلك.
وهذه الوهميات قد تصادف في النفس كالأوليات، ولا يشعر الإنسان بوقت حصولها، ولا يشعر باكتسابها، فتنغرس في النفس حكمها، ويفتقر العاقل إلى التصديق بها مطلقا. فلا تفارق الأوليات العقلية، إلا أن الأوليات لا يتصور التشكك فيها، وإن حصل إصغاء، وهذه يمكن التشكك فيها. فإن الصغير يلقى إليه منذ الصبا تقبيح بعض هذه الصور وتحسين بعضها، ويستمر عليه دهرا، فيجد التصديق به، فيعتقده ضروريا، وهو وهمي. فهذا سبب الغلط. وأما تعمد الكذب فمحال، مع الكثرة وطول الزمان وانتفاء الإيالات الحاملة. (٩/أ).
ثم قال القاضي - ﵁ -: (وإنما منشأ الخلاف في النظريات) إلى قوله (بطل النظر المستند إليه). قال الشيخ - ﵁ -: قد اختلف الناس في جواز الاتفاق على النظري العقلي في الاعتياد، هل وقع ذلك أم لا؟ وأما التجويز العقلي، فلا
[ ١ / ٢٨٩ ]
ذاهب إلى منعه، إذ هو من قبيل الممكنات، والقدرة الأولية ليست قاصرة عنه. وقد وضح ذلك من بعض العقلاء مع الاستواء في قبول خلق العلم، وما جاز على أحد المثلين، جاز على مثله.
أما الوقوع، فقد قال أبو حامد الغزالي: (يجوز الاتفاق على ما ليس بضروري- يعني في العادة- قال: وقد اتفق العلماء على إثبات الصانع وجواز بعثة الأنبياء، ولم يخالف إلا الشواذ). فهذه منه غفلة عظيمة، وقد رد على نفسه بقوله: (لم يخالف إلا الشواذ). فقد صرح بامتناع الاتفاق من الجميع وقوعا، والقاضي لم يحل اتفاق الكثير، وإنما منع اتفاق الكافة، والأمر على ما قاله ﵀.
ونقل [مصنفو] المقالات اتفاق العقلاء [على] استحالة عدم القديم. وجعل ذلك حجة على الاتفاق على النظري. وهذا أيضا غلط. والذين اتفقوا على هاذ إنما هم أرباب النظر. وفي الخلق من لم يخطر بباله هذا، وليس من أهل النظر، وإنما حصل الاتفاق من البعض.
وقول الإمام: (ثم إذا ظهر النزاع في الأصل، وظهر بطلان دعوى الضرورة، بطل النظر المستند إليه). وهذا الكلام مقنع في الجدال، وأما في
[ ١ / ٢٩٠ ]
التحقيق، فغير مفيد إلا على تقدير، وهو أن لا يكون للتقبيح والتحسين مستند إلا هذا الطريق. وأما إذا أمكن غيره، لم يحصل العلم بالنفي بإبطال طريق معين. ولكن نحن قد بينا أنهما لا يرجعان إلى الصفات على التحقيق، وإنما يغني الجواب عن شبه الخصوم. وهذا الكلام مقنع في الجواب.
قال الإمام ﵀: (فإن قالوا: أنتم [توافقوننا] في التقبيح ما نقبحه وتحسين ما نحسنه) إلى قوله (بضرورة العقل). قال الشيخ: غرض المعتزلة بهذا الكلام أنه قد يقع الاتفاق على الحكم، وإن وقع الخلاف في الطريق، ولم تمكنهم المنازعة في أن الضروري يمتنع الخلاف فيه من الجم الغفير، ولم تمكنهم المنازعة في مخالفتنا إياهم مع الكثرة، أن هذه القضية إذا ثبتت، منعت
[ ١ / ٢٩١ ]
من دعوى الضرورة، فقصدوا دفعا لسؤال بصرف الخلاف إلى المأخذ. قالوا: والذي يقدح في دعوى الضرورة المخالفة في العلم، لا في الطريق.
واحتجوا على ذلك: بأن أهل النظر متفقون على أن الخرم التواتر يحصل العلم، ثم تنازعوا، هل هو ضروري أو نظري، ولم يقدح في حصول العلم؟ فقدر القاضي عليهم: أنا خالفنا في نفس المعرفة.
وبيان ذلك: أن القبيح عند المعتزلة ينقسم إلى ما يقبح من غير شرط، كالظلم والكذب والكفران والجهل، وإلى ما يقبح مشروطا كالإيلام. وإنما حملهم على ذلك أمران:
أحدهما- أنهم مطبقون على أن الله تعالى لا يفعل قبيحا، ولم يمكنهم أن يناكروا في أن الله تعالى [آلم] بعض الخلق، بل كلهم بالموت. فقالوا: بعض الألم حسن.
الثاني- أنهم إنما يستروحون إلى ما يحكمون به من التحسين والتقبيح
[ ١ / ٢٩٢ ]
(٩/ب) إلى العادات، والعقلاء يستحسنون بعض الآلام ويأمرون بها، وجاءت الشرائع بالحدود والتعزيزات، فلما ثبتت هذه الأمور، قضوا بتحسين بعض الآلام، وقبحوا بعضها، كالآلام التي يتجنبها العقلاء.
والذي قضى المعتزلة بتحسينه من الآلام، ما تقدمته جناية، فيسوغ الألم في حقه، عقوبة وزجرا له ولغيره في مستقبل الزمان، أو ما يرجو بسببه نفعا، كالفصد والحجامة، أو ليثاب عليه، كما يتألم الأجير، ويستحسن ذلك لما يرجو من العوض. ويرون أن البهائم إنما جسن إيلامها، لأنها تثاب في الدار الآخرة، ولو عريت عن الثواب، لكان إيلامها قبيحا. وقد حسنا نحن الألم، ولا نعتقد لها جريمة سابقة، ولا ثوابا لاحقا. والألم إذا عري عن هذين الوجهين كان قبيحا بضرورة العقل عندهم.
قال الإمام: (والمسلك الثاني للقاضي- أنه قال: نرى كذبة تنجي أمما) إلى قوله (فتبلد ولم [يجد] جوابا). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام
[ ١ / ٢٩٣ ]
أن المعتزلة ينقسم القبيح عندهم إلى قبيح مطلقا، وإلى قبيح مشروط. والمشروط عندهم هو الألم. وإنما حملهم على ذلك ما قررناه من الوجهين السابقين. فلما صادفوا الله تعالى يؤلم، مع استحالة فعل القبيح منه، تعذر عليهم القضاء بالتعميم، ولم يصادفوا في قول الله تعالى كذبا، فعمموا التقبيح.
هذا هو سبب الفرق عند القوم. ونحن نساعد على استحالة الكذب على الله تعالى، وليس ذلك لما اعتقدوه من التقبيح، وإنما ذلك لاستحالة الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل. على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الألم إنما حسن في بعض الأحوال، لترتب المنافع المبرة عليه، تصور مثل ذلك في الكذب الذي ينجي الأمم من الأنبياء والأولياء والمسلمين، والإلزام صحيح.
وقد أجاب بعض الناس بأن قال: يتصور الإنجاء من الله تعالى من غير حاجة إلى الكذب، بصرف الظالم ومنعه، فلا حاجة تدعو إلى الكذب. قلنا: وهذا بعينه مطرد في الألم، فإن الله سبحانه قادر على أن ينعم عباده بلا ضرر سابق، فإن الثواب تفضل من الله تعالى، كيف وهو لا يتصور أن يستفيد
[ ١ / ٢٩٤ ]
بإيلامهم غرضا حتى يترتب عليه عوض؟
وأما الإيلام الذي هو جزاء الأعمال السيئة السابقة، فباطل لوجهين:
أحدهما- أن الله تعالى قادر على منعهم من ذلك. فلئن قالوا: القدرة على الطاعة قدرة على المعصية. فعنه جوابان:
أحدهما- أنا لا نسلم ذلك، والقدرة مقارنة للمقدور، ولا يصح تقدمها عليه. على ما سيأتي بيانه.
الثاني- أن الله تعالى قادر على منعهم جبرا، فليمنعهم قهرا. فكم من ممنوع من الفواحش لعجز أو عنة، فذلك [أولى] مما ذكروه.
والذي شبب به بعض متأخريهم هو اللازم على أصولهم. والإلزام الذي ألزمه صحيح، لأنه إذا انقسم الكذب إلى الحسن والقبيح، والله تعالى لا يمتنع عليه فعل الحسن، فليجز أن يخلق الله تعالى كذبا نافعا (١٠/أ) يكون كاذبا به.
[ ١ / ٢٩٥ ]
ومعنى قوله: (والكذب عندهم من صفات الفعل، إذ هو من أقسام الكلام). فالكلام عند المعتزلة: فعل المتكلم. والمتكلم عندنا: من قام به الكلام، كما أن المتحرك من قامت به الحركة، لا من فعلها. ولو كانت المعتزلة تقول ذلك وتعترف بقيام الكلام بالقديم، لما تصور منه الكذب، لأن الصفة القائمة لابد أن تكون قديمة، والصدق يضاد الكذب. وإذا ثبت له الصدق، استحال عليه الكذب، فلذلك كان الإلزام على قواعدهم أشد.
قال الإمام ﵀: (والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المذاهب) إلى قوله (ولا يجب عليه أن يعاقب أو يثيب). قال الشيخ وفقه
[ ١ / ٢٩٦ ]
الله: قوله: والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب، الناقض لمساوئها. كلام موهم، وذلك أن المتقدم مذهبان: مذهب قوم يقولون: إن الحسن والقبح يرجع إلى وضع الشرع، مفتقر إلى وروده. وقوم يقولون: إن ذلك مدرك عقلا في شيء، ويتوقف إدراك شيء على ورود الشرع، ولكن ليس على الوجه الذي نريده نحن من الإثبات، ولكن يكون العقل قد قصر عن الإدراك، فنبه الشرع على ذلك.
قوله: (محاسن المذاهب)، في ظاهره يدل على أن كل واحد من المذهبين يشتمل على حسن. وكذلك قوله: الناقض لمساوئها. هذا هو ظاهر
[ ١ / ٢٩٧ ]
الكلام. ويحتمل أن [يريد] محاسن المذاهب، مذاهب الأشعرية، أي كلها حسنة. الناقض لمساوئها: يعني مذاهب خصومهم بجملتها. ولكن الأول أظهر، ويدل عليه قوله: (أن نقول: لسنا ننكر أن العقل يقضي من أربابه اجتناب المهالك وابتدار المصالح). وهذا أولا تجوز في اللفظ، ومسامحة عظيمة، وذلك أن العقول لا يتصور أن تكون مقتضية، لأن العقل، إما العلم
[ ١ / ٢٩٨ ]
على قول، وإما صفة تشترط في حصول العلم على قول. ولا يصح على المذهبين جميعا أن تكون العقول مقتضية، وإنما المقتضي دواعي النفوس وصوارفها.
والذي يدل على ذلك أن المريض يعلم أن الغذاء والدواء نافع له، ولكن لا يجد من نفسه داعية إلى تناوله، بل نفرة عنه. وإن كان العقل قد كشف له أنه نافع، وكذلك عكسه. فتبين بهذا أن إطلاق الداعي والمقتضي على العقل تجوز أو غلط.
على أن هذا ليس مسألة نزاع، فإنا قد قدمنا أن إطلاق الحسن والقبح باعتبار الأغراض والمنافع والمضار مما لا ينكره أحد. فلا معنى لقول الإمام: لسنا ننكر ذلك. فإن ذلك مما لم يتلكم العلماء فيه فيما بيننا وبين القوم، وإنما الكلام مدار على ما يتعلق بالصفات الثابتة، إما نفسيه، وإما تابعة للحدوث. ولما استقر ذلك عند المعتزلة قضوا مطلقا بالإضافة إلى الخالق والمخلوق.
والإمام إنما أدار الأمر بينهم على المنافع والمضار. وإذا امتنع العقلاء من إطلاق الحسن والقبح فيما بينهم على ما لا ينفع ولا يضر، لخلوه من الأغراض، امتنع إطلاق الحكمين على الله تعالى، لاستحالة الأغراض عليه.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ولا يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا [تنجز] ضرر أو أمكن نفع، بشرط أن يكون (١٠/) ذلك إضافيا لا وصفا ثابتا. ولكن هذا بشرط ألا يضاف إلى الله - ﷿ -، لأنه لا يتضرر بنفعنا وضرنا. وتكون نسبة الأفعال بجملتها إليه نسبة الفعل الذي لا يضر ولا ينفع بالإضافة إلينا. فإن العقلاء في هذا لا يطلقون عليه حسنا ولا قبحا، والله تعالى لا يتأثر بنفعنا ولا ضرنا، فيستحيل أن يوجب عليه العقل إثابة أو عقابا.
قال الإمام ﵀: (وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم) إلى قوله (ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب). قال الشيخ - ﵁ -: قوله: لو فرض ورود الأمر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه، لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا. هذا موضع اختلف الناس فيه. فذهب القاضي أبو بكر إلى أن الله تعالى لو أوجب
[ ١ / ٣٠٠ ]
شيئا لوجب، وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه.
وقد رجع الإمام إلى هذا فيما بعد، وذلك أنه لما تكلم على حد الواجب قال في حد قوم: قالوا: الواجب هو الذي توعد بالعقاب على تركه، هو فاسد، فإنه لو توعد، لوجب تحقيق الوعيد، فإن كلام الله - ﷿ - مستحيل أن يكون فيه الخلف، ويتصور أن يعفو ولا يعاقب. فقد اعترف الإمام أن الواجب لا يتوقف على الوعيد، وذلك الكلام صحيح. فإن أراد الإمام في هذا المكان أن الوجوب لا يعقل إلا بنوع من الترجيح، إما ذما أو غيره، فهذا موضع يجب التثبت فيه.
فاعلم أن الوجوب هو قسم من أقسام الحكم، وله نسبة خاصة إلى المكلفين، على ما مر في بيان معنى الحكم. وهذه النسبة تثبت وإن لم تقترن بوعيد ولا عقاب. فلا يكون اقتران الوعيد من نفس الحكم، ولا يجب اقترانه به اقترانا عقليا، وسنبين في مسألة الواجب الموسع تحقق الوجوب في أول الوقت، وسقوط الذم والعقاب والوعيد [عمن] مات في وسط الوقت.
[ ١ / ٣٠١ ]
على أن الوعيد خبر، والوجوب طلب. فكيف تتوقف عقلية الطلب للشيء على الخبر عن غيره؟
فالصحيح أن عقلية الوجوب لا تتوقف على الاقتران بالوعيد ولا العقاب ولا الذم. نعم، يفتقر إلى أمر يبين الوجوب من الندب، وذلك قد يكون بقرائن الأحوال، وهي الغالبة، وقد يكون بصريح المقال، كقوله: أوجبت
[ ١ / ٣٠٢ ]
وحتمت وألزمت، فهذه الأمور تطلب لتعريف المكلفين خصوصيات الطلب، لا أنها مأخوذة في معقول الطلب.
قال الإمام: (شبه المعتزلة: قال أبو هاشم: من تصدى له أمر مرغوب فيه، وهو يناله بالصدق ويناله بالكذب) إلى قوله (فإن انتهى في التصوير إلى حقيقة الاستواء، لم يسلم له قضاء العقل بتعين الصدق). قال الشيخ أيده الله: اعلم أن المعتزلة حاولوا إثبات كون الحسن والقبح أوصافا ثابتة على الاستمرار، من غير التفات إلى الأغراض بطرق:
قالوا: نحن نعلم قطعا أن من استوى عنده (١١/أ) الصدق والكذب من العقلاء آثر الصدق ومال إليه، وإن لم يطمع بفائدة من أحدهما، ولا خشي من الآخر مضرة، ببل الملك يميل إلى إنقاذ [الغرقى] هلكى، وإن كان يناله في ذلك جهد وتعب به. وإن كان كافرا لا [يرجو] ثوابا في الآخرة، ولا نفعا في
[ ١ / ٣٠٣ ]
الدنيا، بل لو كان المشرف على الهلاك صغيرا لا يعقل، أو بهيمة لا تميز، لفعل ذلك، لكونه من مكارم الأخلاق، ولا [يرجو] فائدة عاجلة ولا آجل، ولا [يرجو] مدحا ولا ثناء. فلما آثر الإنقاذ على الإهمال من غير غرض على حال، دل على كونه حسنا.
وشبههم كلها ترجع إلى هذا المعنى. وهو محاولة إثبات هذه الأحكام مع انتفاء جميع الأغراض. وهذا الذي ذكره المعتزلة باطل من أوجه:
أقربها- أنه استدلال في مواضع الضرورات، والضروري غير قابل للاستدلال، واستحسان هذه الأمور عندهم واقعة في أقسام الضرورات.
الثاني- أنا لا نسلم استواء الأغراض مطلقا، بل ما انفك قسم من هذه الأقسام عن غرض، ولكن الأغراض قد تدق وتخفى.
وللغلط في هذه الأمور أسباب:
أحدها: أن الإنسان في غالب أمره إنما ينظر لنفسه في حالته الراهنة، ويغفل عن غيره، ولا يتلفت إليه من جهة أن كل طبع مشغوف بنفسه، غير
[ ١ / ٣٠٤ ]
ملتفت لغيره، بل يغفل عن غير حالته الراهنة من أحواله، فإذا وافقه شيء، قضى بحسنه مطلقا، وأضاف الحسن إلى ذاته، فيقول هو في نفسه حسن، ويغفل عن قبحه لموافقته غرضه، فيكون قد قضى بثلاثة أمور: أحدها- كونه حسنا. والثاني- إضافة الحسن إلى نفسه. والثالث- قضاؤه بذلك على العموم. وهو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستحسان. ومخطئ في اثنين وهما: الإضافة إلى النفس، والقضاء على العموم. فإنه قد يستقبح عين ما استحسن إذا اختلف الغرض.
السبب الثاني للغلط: إن ما هو مخالف للغرض في كثير من الأحوال إلا في حالة نادرة، لا يلتفت الذهن إلى تلك الحالة النادرة، بل لا يخطر بالبال، فيراه مخالفا للغرض في كثير من الأحوال، فيقضي بقبح الكذب مطلقا. فإنه [ألقي] ليه منذ الصبا على سبيل التأديب، أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد، ولم ينبه على حسنه في بعض الأحوال، خيفة من أن لا تستحكم نفرته عنه فيقدم عليه. فتقرر تقبيحه عنده مطلقا، فإن لم يكن على ذكره إلا أكثر الأحوال، وهو بالإضافة إليه كل الأحوال، فينفر عنه ويجد التصديق به مطلقا. فإذا عرضت عليه تلك الحال الخاصة، وجد في نفسه نفرة عنها، ويغلبه الوهم على القضاء به على العموم.
السبب الثالث للغلط: أن المقرون بالشيء في بعض الأحوال، قد يسبق الوهم إلى الاقتران على العموم، لاسيما إذا كان الاقتران كثيرا. ومن هذا الوجه (١١/ب) غلط الطاردون في ربط الأحكام بمجرد اقترانها بالأوصاف. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وذلك عمل الوهم.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومما يشاهد في الاعتياد أنه إذا حضر طعام في إناء يثق العاقل بكونه لم يصادف نجاسة ولا قذرا، ولكنه على شكل الأواني [المعدة] لذلك، فينفر عنه ويتقذر الأكل. وكذلك يسمع الثناء الحسن إن كان قاطعا بأنه [معرى] عن تلك المعاني، فيجد لذلك انشرحا وميلا. وذلك عمل الوهم.
فكذلك لما كانت هذه الأمور في أغلب الأحوال ترتبط بها [الأغراض] نفعا وضرا، إلا في نادر الأحوال، لم تنتبه النفس لتلك الأحوال النادرة، بل لو التفتت إليها، لم تنفر لمقتضى العلم فيها، [واستولى] الوهم عليها. والأمثلة في ذلك كثيرة. بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإذا انتهى إليه، أحس من نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره. وذكر الشعر والأوطان والآثار والمنازل، كله من هذا القبيل.
فنرجع إلى الكلام على المثال فنقول: إنما يترجح الإنقاذ على الإهلاك، إما من متشرع [يرجو] الثواب، وإما ممن يقصد أن يعرف بالإنعام والإفضال، وإما أن يتألم برؤية العذاب بغيره، فيزيل الألم عن نفسه، وإما أن يقدر نفسه في تلك البلية، ويقدر غيره قادرا على إنقاذه، وهو معرض عنه، فيستقبح ذلك منه، ثم يعود ويقدر ذلك الاستقباح عائدا عليه، فيزيله عن نفسه. وهذا طبع بني آدم، وهو طبع يتعذر الانكفاف عنه. فإن قدر فقدان هذا كله، فقد وجد الإنقاذ مقرونا بالثناء، فيحسب أنه يقترن به على الإطلاق.
[ ١ / ٣٠٦ ]