في ذلك خلافا. وإنما اختلفوا في أن مبني عند عدم الزوائد أو معرب؟ فأما جحد كونه أمرا، فلا ذاهب إليه، [وإن] كان قد يستعمل اللفظ في الإباحة طويلا. نعم، يؤخذ من هذا أنه ليس نصبا في الطلب، وإنما هو ظاهر.
وكذلك الفقهاء مجمعون على أن هذا مقتضاه في الشريعة، لكنهم يترددون في الوجوب أو الندب.
ولعمري إنها مسألة غامضة. (١٧/أ) والظاهر عندي أنه متردد بينهما، وإنما تبين القرائن، فإنها صيغة طلب، والطلب محقق في الندب، كما هو في الوجوب، فلا سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم. وكذلك القول في قول القائل (لا تفعل). وبالله أستعين.
قال الإمام: (فصل- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة) إلى قوله (والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا، فإنه يتبع المتضمن في
[ ١ / ٦٣٣ ]
مقتضاه لا محالة). قال الشيخ [أيده الله]: أما إذا اعترف القوم بالتعدد، وسلكوا مسلك القياس، فهو ضعيف، وقد تقدم الكلام على القياس في
[ ١ / ٦٣٤ ]
اللغة. وإن سلك الناظر مسلكا آخر، وقال: إن لفظ الأمر بالشيء، يرادف لفظ النهي عن ضده، والألفاظ المترادفة لا يمكن اختلافها. وتقرير ذلك: أن القائل: (تحرك) مطلوبه عين مطلوب من قال: (لا تسكن)، فإن نفي السكون لا يصح أن يكون مطلوبا. على ما سيأتي الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟
[ ١ / ٦٣٥ ]
ولو قال له: (لا تسكن) تضمن ذلك أمرا بالحركة مطلقا، فكذلك إذا قال له: (تحرك)، إذ قد تحقق بهذا التقدير ترادف اللفظين واتحاد المعنى. وهذا كلام مخيل، تحقيقه بعد هذا يأتي إن شاء الله.
ولكن القدر الذي ننبه عليه ههنا أقوله: (لا تسكن)، وإن رجع إلى طلب الحركة (٤٩/أ) -[ولا يمكن] الافتراق بحرف النهي الذي يضارع النفي- يكون قرينة [منضمة] إلى الطلب، يفهم منها عموم استرسال طلب الحركة. وإنما تكلمنا ههنا في الطلب المطلق دون المقيد.
[ ١ / ٦٣٦ ]
وإن لم يسلك الاتحاد، وسلك مسلك التضمن، لصح الجواب، وبطل الإلزام، [وظهر] ما قاله الإمام، فإن المتضمن يتبع المتضمن. والأمر كما قدره، مع أنه لو وقع التقييد في الأمر بالمرة الواحدة، لتضمن ذلك- على هذا الرأي المسلم جدلا- تباين الأضداد من غير استيعاب.
قال الإمام: (ومما تمسك به أصحاب التكرار) إلى قوله (وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مقنعا في المسألة التي [تلي] هذه، إن شاء الله تعالى).
قال الشيخ [وفقه الله]: ما قاله الإمام في هذا الموضع، كلام صحيح، لا يفتقر إلى أكثر من هذا. ولكن خيال القوم من حيث الجملة، أن الأمور
[ ١ / ٦٣٧ ]
[الثلاثة] [وهي]: الامتثال والعزم واعتقاد الوجوب، استندت إلى اللفظ استنادا واحدا، فلا يصح تفاوتها بحال. وقد سلم عدم اختصاص الوجوب والعزم بالمرة الواحدة، فليكن كذلك الامتثال. [ومعنى] الإمام أن اعتقاد دوام [الوجوب] لا يرجع إلى أنا نعتقد أن الفعل دائم وجوبه، فهذا محال، وإنما أريد أن ما أوجبه الله تعالى، فهو واجب على الحقيقة، فهو كذلك، ولا يتلقى من هذا
(١٧/ب) وجوب الامتثال. وكذلك معتقدنا في الأمر المقيد بالمرة الواحدة.
[ ١ / ٦٣٨ ]
قال الإمام: (فأما الصائرون إلى أن الصيغة المطلقة تقتضى امتثال المأمور به مرة واحدة) إلى قوله (سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال، واختلاف مقتضياتها). قال الشيخ: أما إذا سلك أصحاب هذا المذهب مسلك القياس، فالأمر على ما قاله الإمام. وأما إذا سلكوا مسلكا آخر، وهو أن الفعل [إذا]
[ ١ / ٦٣٩ ]
تلقي من المصدر كان مطلوبا أو مخيرا. فمطلق المصدر لا يتعرض للأعداد بحال. فهذا الكلام له أوضح. وسنذكره في آخر المسألة
قال الإمام: (المسلك الثاني للقوم- أنهم قالوا: من امتثل الأمر مرة واحدة) إلى قوله (والنفي لا اختصاص له، فكان الجنس كالشخص في حقه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام من أن الأمر استدعاء المصدر، والمصدر لا يتضمن استغراقا، ولا يشعر بالمرة الواحدة اقتصارا عليها. هو كما قال. وأما الوقف في الزائد على المرة الواحدة، من غير نفي ولا إثبات، فغير مستقيم،
[ ١ / ٦٤٠ ]
فإن المصدر لا يتعرض للأعداد بحال، لا من جهة الوضع، ولا من جهة التهيؤ والصلاح للدلالة. وإنما هو مطلق في الحدوث.
وهو بمثابة الدلالة على (رقبة) عند الطلب. ولو قال له: اعتق رقبة، وقع الاكتفاء بكل ما يسمى (رقبة). فكذلك يجب أن يقع الاكتفاء بكل ما يسمى
[ ١ / ٦٤١ ]
صلاة عند الأمر بمطلق صلاة، ولا يتوقف في الزيادة عليها على حال. فالوقف غير صحيح مع المصير إلى أن المصدر لا تعرض له للعدد بحال.
فإن قيل: فهذا مذهب من قال إنه يتضمن الامتثال مرة واحدة. قلنا: هو في [الحكم] كذلك، ولكن إن قال صاحب هذه لمقالة: إن اللفظ له إشعار بالمرة، من جهة كونها مرة، فليس كذلك. وإنما حكمنا بثبوتها ضرورة. فإنه
[ ١ / ٦٤٢ ]
إذا أمر بإعتاق عبد، فأعتق [أسود]، حكمنا بإجزاء عتق الأسود (٤٩/ب). لا من جهة [كونه أسود، بل من جهة] كونه عبدا. كذلك إذا أمر بصلاة، فصلى صلاة واحدة، حكمنا بكونه مطيعا، من جهة كونه مصليا، لا من جهة كونه صلى صلاة واحدة. وكذلك الأمثلة التي ذكرت في الحالف [والمخبر]، [يبر] الحالف، ويصدق المخبر. من جهة حصول أصل المصدر. لا من جهة إفراده وجمعه. وهذا واضح للتأمل. وبالله التوفيق.
قال الإمام: (مسألة الصيغة التي فيها الكلام، إن قيل: إنها تقتضي
[ ١ / ٦٤٣ ]