قال الإمام: (فصل- يحتوي على أقاويل في مدارك العلوم) إلى قوله (لا مدرك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع). قال الشيخ: هذا المذهب عن الأوائل مشهور، وفي كتب الأئمة كلها مسطور، وهو أول ناقل له في كتاب الكلام. وقد ناظر القوم على إبطال كون النظر غير مفيد للعلم، [وأوسع]
[ ١ / ٤١٧ ]
القول. وكيف ينكر ذلك، وينسب النقلة إلى الغلط، وهو الناقل عن السوفسطائية إنكار العلوم على الإطلاق؟ كيف وهؤلاء أقل شرا من أولئك؟
وأما الذين قالوا: إن مدارك العلوم الإلهام، فإن زعموا أن الله تعالى قد [يلهم] بعض أوليائه بمعرفة أمور من غير نظر، فنحن لا نمنع من ذلك،
[ ١ / ٤١٨ ]
لكن بشرط أن لا تكون تلك العلوم متعلقة بالأحكام الشرعية، لانعقاد الإجماع على أنه لا طريق إلى معرفة أحكام الله تعالى إلا أدلتها. وقد كان رسول الله - ﷺ - ينتظر الوحي في الأحكام.
وإن أراد القوم أنه لا طريق سوى الإلهام، فهؤلاء قد جحدوا العلوم الضرورية وأدلة العقول. وسنبين أنها موصلة إلى العلم. ويتصل القول بالرد على منكري النظر.
وما ذهب (٢٦/أ) إليه الحشوية من أن مدارك العلوم: الكتاب والسنة والإجماع، [لولا كمال العمى وتمام الجهل].
قال الإمام: (وقال المحققون: مدارك العلوم: الضروريات) إلى قوله (على ما سيأتي تفصيله). قال الشيخ - ﵁ -: ذكر المحققون أن مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر العقلاء عليها. يريد بالمدارك: الطرق التي
[ ١ / ٤١٩ ]
بها تدرك العلوم. وإذا كان كذلك، لم تكن النظريات طرقا، وإنما النظريات: العلوم التي يتوصل إليها بالنظر. وقول الأئمة صحيح بالنظر إلى العادات. وفي المقدور خرقها وإحداث علوم من غير تقدم نظر. أما وقوعها ضرورة، فمتفق عليه بين العقلاء.
وأما وقوعها كسبية من غير تقدم نظر، هل يجوز ذلك عقلا أم لا؟ فيه خلاف. ذهب القاضي إلى منع ذلك. وذهب الأستاذ إلى جوازه، وهو الصحيح عندنا.
وتمسك القاضي بأن قال: لو جاز أن يحصل العلم النظري من غير سبق نظر، لجاز أن يوجد النظر الصحيح، ولا يحصل العلم به. وهذا الذي ذكره وجعله أصلا، مختلف فيه أيضا. فذهب ذاهبون إلى أن ترتب العلم على النظر الصحيح معتاد، وفي المقدور أن يسبق النظر، ويتم على سداده، ولا يحصل العلم. وذهب الأكثرون إلى وجوب حصول العلم عند تمام النظر وانتفاء الآفات، وهذا هو الصحيح عندنا.
وتمسك الفريق الأول بأن قالوا: النظر يضاد العلم بالمنظور فيه، وإنما
[ ١ / ٤٢٠ ]
يحصل العلم عند تصرم النظر، فزمان عدم النظر هو زمان حصول النظر، وإنما ينحتم حصول أحد الضدين بعينه، إذا كانت القسمة محصورة في الضدين، كالحركة والسكون. فإنه إذا عدمت الحركة، ففي ذلك الزمان يخلق السكون. فإنه لو لم يكن كذلك، لخلا المحل عن الضدين، وذلك محال. وليس النظر مع العلم كذلك. إذ للنظر أضداد كثيرة، فهو بمثابة اللون، فلا يلزم إذا عدم البياض أن يخلفه السواد. وكذلك إذا عدم النظر، لم يلزم أن يخلفه العلم. وقد وقع الاتفاق على جواز خلق الضد العام من الغفلة والغشية والبهيمة.
ولا يقال: النظر بوجوب العلم إيجاب العلة معلولها، لما قررنا من التضاد الحاصل بين النظر والعلم. والعلة عند مثبتيها توجب معلولها لنفسها، ولا يتصور انفصال بينهما. وإنما اطردت العادة بأن النظر إذا تم على سداده، ولم تعقبه آفة، فالعلم يحصل.
وقال المحققون: لا يتصور عند تمام النظر، وانتفاء الآفات، أن لا
[ ١ / ٤٢١ ]
يحصل العلم، لأن النظر إذا تم، فهو المفضي بالناظر إلى الإطلاع على الوجه الذي منه يدل الدليل، فكيف يتصور أن يكون محيطا بالوجه الذي منه يدل الدليل، مع ذكره له، ولا يحصل العلم بالمدلول؟
وإذا بينا على وجوب الحصول بمقتضى العقول- عند الإحاطة وعدم الذهول- من أين يلزم إذا انقضى النظر أن يستحيل خلق العلم (٢٦/ب) المقدور؟ والعلم الضروري مماثل للكسبي، باعتبار أنفسهما. وإنما يفترقان في خلق القدرة مقترنة بأحدهما دون الآخر. وإذا جاز أن يخلق الله القدرة والعلم جميعا، جاز أن يخلق العلم دون القدرة.
وقال القاضي أبو بكر: لو جاز ذلك، لبطل النظر، وسقطت احجج، وتمكن المتحكمون بإسقاط الأدلة. وهذا الذي قاله تؤمن منه العادة، فلا نرى ما قاله مستقيما على ما بيناه. فيكو تقسيم المدارك إلى الضروريات والنظريات عقليا عند القاضي، واعتياديا عندنا.
قال الإمام: (فأما الضروريات: فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد). قال الشيخ أيده الله: هذا الذي قاله متفق عليه باعتبار العادات، لكن اختلف العلماء، هل يجوز في العقل خلاف ذلك؟ فذهب ذاهبون إلى تجويزه، وأن تقع الضروريات نظريات على العموم. ومنع آخرون ذلك، وقالوا: لا يتصور في العقل أن تقع نظرية مكتسبة.
وقال القاضي أبو بكر: أما العلم الذي هو عقل، فلا يتصور أن يقع
[ ١ / ٤٢٢ ]
مستدلا عليه، إذ لا يصح أن يستدل إلا بعد كمال العقل. فكيف يدرك العقل بالنظر من لا عقل له، ولا ينظر إلا عاقل؟ وأما ما ليس عقلا من العلوم الضرورية، فلا بعد في أن يقع نظريا.
ومن جوز الاقتدار على الجمع، [تمسك] بتماثل العلوم، وعموم قدرة القديم. وإذا صح خلق القدرة على علم بعد سبق النظر، صح ذلك في [مثله].
وأما الذين منعوا ذلك، وهو الصحيح عندنا، فالمعتمد أن [يقال]: لو كانت العلوم الضرورية تقبل الاستدلال، لم يخل الدليل من أن يكون نفيا أو إثباتا، والنفي لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، والثابت: إما قديم أو حادث، والحادث: إما جوهر أو عرض. وهذه الأمور معقولة، ولا دلالة عليها عقلا على العلوم الضرورية. فكيف يتصور أن تغير أدلته؟ أم كيف يتصور عقلية غيرها؟ ولذلك قضى الأئمة بأنه لا يصح في المقدور دليل على صدق الرسول - ﷺ - إلا المعجزات على الخصوص، فإن الدليل إما أن يكون معتادا، فلا اختصاص له، أو غير معتاد، فهو الخارق بعينه.
قال الإمام: (والنظريات في رأي معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة).
[ ١ / ٤٢٣ ]
قال الشيخ - ﵁ -: الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين هو الذي ذكره الإمام. وقد قال بعض الناس: إنها غير مقدورة، وهو الذي اختاره الإمام ههنا. والأستاذ أبو إسحاق يبدي توقفا في المسألة، ولم يحك هذا القول إلا [لقربه] من الصواب.
والذي اعتمده المتكلمون في كون العلوم النظرية مقدورة بالقدرة الحادثة: هو الدليل الدال على انقسام الحركات إلى الضرورية والاختيارية. وقد سبق في هذا الكتاب تقرير ذلك، فهو بعينه (٢٧/أ) جار ههنا.
وهل سبق النظر في العلم المكتسب شرط من جهة العقل، أو من جهة العادة؟ [فذهب] القاضي إلى أنه شرط عقلي. وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه شرط من جهة العادة. وهذا هو الصحيح عندي. والدليل عليه أن العلم لا يجامع النظر، وإنما يخلق في حال نفيه، وهو من قبيل الممكنات. والقدرة الصالحة لا قصور فيها، فإذا صح خلقه والإقدار عليه من غير نظر، [نظرنا] إلى تماثل العلمين، وصلاحية القدرة، وكون قدرة العبد مقارنة غير مؤثرة.
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال الإمام: (والمرتضى المقطوع به عندنا، أن العلوم كلها ضرورية. والدليل القاطع على ذلك، أن من استد نظره، وانتهى نهايته، ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم المنظور فيه، فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير خيرة فيه). قال الشيخ: ما ذكره الإمام غير صالح للاستدلال على سلب الاقتدار، وذلك أنه جعل الدليل على كون الشيء مقدورا، التمكن من الانكفاف عنه. وهذا لا يصلح على مذهب أهل السنة، فإن القدرة الحادثة عندهم تقارن
[ ١ / ٤٢٥ ]
حدوث المقدور، ولا تتعلق إلا بمقدور واحد، ولا تصلح لغيره. فكيف يستدل بتحتم حصول العلم مقارنا للقدرة، على أنه غير مقدور؟ وما من فعل عندنا تتعلق القدرة به إلا يتحتم حصوله، ويمتنع الانكفاف عنه، إذ هما في وقت واحد. وسيأتي الكلام عليه في غير هذا المكان، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة [الحادثة]، وعلموا أن النظر يستعقبها استعقابا لا دفع له، فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها. والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: ما ذهب إليه المعتزلة من كون العلوم ليست مباشرة بالقدرة الحادثة، من جهة أن القدرة عندهم تصلح للإقدام والإحجام، وبعد النظر لا يتصور الإحجام، فلزم ألا تكون مباشرة بالقدرة. وقد علموا أن النظر يستعقبها، مع تحققهم طلب الشرع العلوم، واستحالة تكليف ما لا يطاق، فقالوا: إن النظر يولدها.
[ ١ / ٤٢٦ ]
والمولد عندهم: هو فعل فاعل السبب، وأصل التوليد عندنا باطل. والصحيح عندنا أن القدرة الحادثة غير مؤثرة على حال، ولا في محلها، فكيف بالمنفصل عن محلها؟ وقد ساعدت المعتزلة على أن تذكر النظر لا يولد العلم، وإن كان يحصل عقيبه.
واتفقوا على أن أفعاله تعالى لا تقع مولدة. ويلزم على ما قالوه بدعة شنعاء، وهي من رمى سهما إلى رمية، واتصل السهم بالرمية بعد موت الرامي وعدمه، ثم أفضت الجراحة إلى هلاكه، فإن قتله مقدور للرامي، وإن كان عدما محضا. وأي جهالة تزيد على هذا في إضافة فعل على التحقيق إلى عدم محض؟ نعوذ بالله من الجهل والضلال.
قال الإمام: (والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي). قال الشيخ: وإنما حمله على ذلك أصلان:
[ ١ / ٤٢٧ ]
أحدهما- استحالة تكليف (٢٧/ب) ما لا يطاق.
والثاني- ما تخيله من أن العلم النظري [غير مقدور بالقدرة الحادثة]. فلهذين الأصلين ارتكب ما قال، وشذ عن قول أهل الإجماع. فإن الأمة مجمعة على تحريم الشك في الله - ﷿ -، وعلى تحصيل عقد يتعلق به على ما هو عليه، إما علما عند المتكلمين، وإما اعتقادا عند بعض الناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾. وكم من آية في كتاب الله تعالى مصرحة بالأمر بالعلم. وهذا ما لا خفاء به عند العلماء.
[ ١ / ٤٢٨ ]
قال الإمام: (ثم رتب أئمتنا [أدلة العقل] ترتيبا ننقله) إلى قوله (وهذا الفن لا يفيد علما قط). قال الشيخ: ما ذكره الأئمة في تقسيم أدلة العقول إلى أربعة أقسام، لا تصلح لضبط الأدلة، وليس فيه ما يقتضي القصر على ذلك.
وبعضها غير صالح للعد في الأدلة، كإنتاج المقدمات النتائج، على ما سنبينه. والاستدلال بالمتفق على المختلف يضاهي إلحاق الغائب
[ ١ / ٤٢٩ ]
بالشاهد، إذ حقيقته ترجع إلى القياس، فلا يبقى إلا السبر والتقسيم.
وليس السبر والتقسيم من الأدلة بحال، فإن السبر هو الاختبار، يقال للمرود الذي يختبر به الجرح مسبر. والتقسيم يرجع إلى حصر الأقسام، إما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما علما، كما تدور في النفي والإثبات. وإما ظنا. وليس في الحصر على التعيين
[ ١ / ٤٣٠ ]
بحال، وقد يكون انحصار القسمة ضروريا، فلم يبق مما ذكروه إلا القياس خاصة. وما ذكروه من التحكم بالإلحاق، فصحيح، والجمع بالعلة وبقية الجوامع، إنما تصح عندي على القول بالأحوال، فإذ ذاك يتصور الالتفات إلى الجوامع. [وهذا لدقيقة، وهي] أن من أنكر الحال يمتنع عنده الاشتراك إلا في اللفظ، ولا يلزم من ثبوت حكم عقلي لمسمى، أن يثبت لما يشاركه في التسمية. والاشتراك في المعقول منتف عند هذا القائل.
وقد حاول القاضي أن يمشي [على] طريقة الجمع بالحقائق على القول بنفي الحال. وهذا عندي غير صحيح، فإنه إذا كانت حقيقة العلم الحادث تخالف حقيقة العلم القديم، فمن أين يلزم من القضاء على أحدهما القضاء على
[ ١ / ٤٣١ ]
الآخر؟ وكذلك نطرد هذا في الشرط والدليل، فلا يلزم من ثبوت الاشتراط في شيء، أن يكون شرطا فيما يخالفه في الحقيقة عند مشاركته في الاسم. [إلا] إذا [بنى] الأمر على القول بالأحوال في صحة الجوامع، على ما سنبينه.
أما الجمع بالعلة: فاقتضاء العلة معلولها اقتضاء نفسيا. ولا يتصور في العقل وجود الموصوف دون وصفه النفسي، ولا ثبوت الوصف دون الموصوف. وكذلك إذا قضى باستواء الحقيقتين وتماثلهما، فمن المحال أن يختص أحدهما بحكم عقلي دون مماثله. وكذلك إذا افتقر شيء إلى شرط عقلا، فمن المحال ثبوته دون [مشروطه]. والدليل يدل بصفة هو عليها، فلا يتصور وجوده غير دال.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقول الإمام: إن الدليل الذي قام في الشاهد، إن قام في الغائب، أغناك عن الاستشهاد بالشاهد. فهو كذلك، ولكن لم ينتبه العقل للدليل (٢٨/أ) إلا لما نظر في الشاهد. بيانه: أن القائل لو قال: كون العالم عالما، وصف يرجع إلى نفس العالم، وثبت كون الباري تعالى عالما. وقال قائل: لعله عالم لنفسه. فإذا تجرد كون الشاهد عالما، استحال أن يرجع إلى نفسه، ولزم أن يكون الحكم معللا، على ما يفهم من العلة والمعلول، فلا استرابة في أن ذلك يرشد إلى [أن] الباري عالم بعلم.
فما ذكره الإمام لا يعترض على طريقة الأئمة. لكن بعد إثبات الحال.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ولا يستغني متكلم في هذا الفن على القول بالأحوال، إما بأن يسميها أحوالا، أو وجوها واعتبارات. وقولهم: الشيء يعلم من وجه ويجهل من وجه، إشارة إلى الأحوال.
وأما بناء النتائج على المقدمات، فليس ذلك من أصناف أدلة العقول، وإنما هو راجع إلى التعبير عن الأدلة بصيغ مختلفة، وليس اختلاف العبارات بالذي يوجب اختلاف الأدلة.
فإنا إذا قلنا: [عن] النبيذ: إنه مسكر فيحرم، قياسا على الخمر، كان ذلك قياسا. فيغير هذا النظام، فيقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حراما. فليس هذا دليل آخر من جهة الحقيقة، وإنما هو تغيير النظم خاصة.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وأما قولهم: إن المقدمة الواحدة منتجة. فهذا الكلام غير صحيح، إلا أن يكونوا أهملوا ذكر المقدمة الثانية [لوضوحها]. فأما ترتب النتيجة على المقدمة، فلا يصح ذلك، إذ أل ما يتركب منه البرهان مقدمتان يحصل بينهما ازدواج بذكر أمر يكون موجودا في المقدمتين جميعا، وهو الرابط، ولولاه لم تحصل النتيجة أبدا. فإنا لو قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما، لم يلزم ذلك إلا
[ ١ / ٤٣٥ ]
إذا قلنا: وكل مسكر حرام.
وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾. إنما حصل المقصود للعلم بالمقدمة الأخرى، إذ المشاهدة على أنهما لم تفسدا. وكذلك قولهم: تحرك الجوهر، ولم يكن متحركا، فلابد من فرض زائد الذات. وهذا لا يكون منتجا حتى ينضم إليه كل طارئ على الذات، فلابد من مقتض. وقد طرأ التحرك على الذات، فلابد له من مقتض. والقول في المقدمات وشروطها
[ ١ / ٤٣٦ ]
ونتائجها طويل، وله فن مخصوص به، فلم نر التطويل به.
وقولهم: قد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية، إن أريد بذلك الضروري الذي يلازم أنفس العقلاء، فهذا محال. إذ كيف يكون هذا ملازما لأنفس لعقلاء، وهو لا يحصل إلا بعد النظر في تحصيل مقدمته؟ وإن أريد به أن المقدمتين إذا علمتا، وعلم الازدواج، وتنبه الذهن لاشتمال المقدمتين على النتيجة، فلابد من حصول العلم بها، فهذا صحيح. وتقدم في أثناء الكلام القول في الاستدلال بالمتفق على المختلف، وأنه يرجع إلى القياس، وشرط صحته الجوامع المقتضية للتسوية، على ما ذكرناه.
وأما السبر والتقسيم، فإذا لم ينحصر في نفي وإثبات، لم يصح لإثمار العلم. ويصح أن يستعمل في غلبات الظنون، إن كان الحصر مظنونا. وإن انحصر في النفي والإثبات، فلا يكون نفس الحصر دليلا، فإن الإنسان يعلم أن
[ ١ / ٤٣٧ ]
العالم لا يخلو من وصف الحدوث والقدم، (٢٨/ب) ولكن لا يكون هذا دليلا على معرفة وصفه. فعد السبر والتقسيم من الأدلة لا يصح، إلا أن يراد أن التقسيم إذا دل على بطلان أحد القسمين تعين الثاني، فهذا صحيح. والاعتماد على الدليل في التعيين، لا على نفس التقسيم.