بإدراك الأوائل في كونهم فرقوا بين الإرادة التي هي توقان وشهوة، [وبين] العلم، [و] بين الآلام واللذات، حتى جعلوا العلم والإرادة على [النفس والعقل] المباينين لعوالم الأفلاك، وليس الآلام واللذات كذلك. وهذا لعمري كلام ضعيف. وكيف (٤٥/أ) يتمسك بقول قوم نحن نعلم أنهم على ضلال؟ ولكنه يزعم أنهم على بصيرة في إدراك الفرق. والخصم لا يساعد على ذلك. فلا وجه لهذا الكلام على حال.
قال الإمام: (مسألة: الأمر: هو [القول] المقتضي بنفسه طاعة المأمور) إلى قوله (جزم في طلب الطاعة). قال الشيخ: قوله: الأمر هو القول، فعدل
[ ١ / ٥٩٤ ]
عن لفظ الكلام. وهذا عدول إلى القول الذي هو أعم. وقد كنا بينا أن الحاد يجتنب اللفظ البعيد إذا وجد القريب، بما فيه مقنع. ولكن قد قدمنا أن لفظ الكلام، هل يرادف لفظ القول، أمر لا ينطلق إلا على المفيد؟ فإذا قلنا لا ينطلق إلا على المفيد، وهو الظاهر، فهل نقول: الأمر جملة، حتى يكون كلاما؟ أو مفردا، حتى يطلق عليه قول دون كلام؟ والصحيح أنه مفرد. فإن الأمر هو الكلمة الواحدة، ولكنها متعلق بمأمور، فيكون من الأمر. والضمير كلام، وإنما أراد هاهنا حد الأمر على انفراده، وهو بمثابة ما لو سئلنا عن حد الفعل، لم يصح أن يقال: هو كلام يشعر بالزمان مقترنا بالحدث. بل يقول: هو لفظ، فيعدل عن الكلام إلى اللفظ. فهذا- والعلم عند الله- هو الذي قصد.
[ ١ / ٥٩٥ ]
قوله: (المقتضي). لفظ الاقتضاء فيه نظر وإلباس. فإنه قد يقال: اقتضى فلان حقه من فلان، ولا يكون مقتضيا على هذه الصفة. فمعنى قوله: المقتضي أنه [لا يعقل] إلا منسوبا إلى متعلقه.
وقوله: بنفسه، قد بين الغرض من ذلك.
وقوله: طاعة المأمور بفعل المأمور به. فقد بين أيضا أنه أراد بذكر الطاعة أن ينفصل الأمر عن الدعاء والرغبة. وهل يسمى الدعاء أمرا؟ أما النحويون فيأبونه، ويقولون: إنه يشاركه في الإعراب والبناء، وكذلك أكثر الأصوليين.
ومنهم من يقول: يصح أن يأمر الأدنى الأعلى. وهذا غير محقق في الجزم والإيجاب. ولكن يعترض على الحد عندي بأنه تعرض لبيان الأمر بأمور لا تعرف إلا بعد بيان الأمر، فإن الفعل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق
[ ١ / ٥٩٦ ]
الأمر به، وكذلك [المأمور] إنما يكون مأمورا على تقدير تعلق الأمر بفعله وتوجهه عليه. فمن جهل الأمر، فهو جاهل بكل أمر يتلقى منه.
بل الصحيح في حده أن يقال: هو القول المقتضي تحصيل ما نسب إليه من المخاطب به [على وجه يكون به] الفاعل ممتثلا.
قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذهبهم أن الكلام ليس جنسا) إلى قوله (وأما في وقوع اللفظ أمرا، فصفة تلزم [اللفظ]، ولا حاجة في (١٣/أ) تحصيلها إلى الإرادة). قال الشيخ [أيده الله]: قوله: قول المعتزلة: الأمر: قول القائل لمن دونه: افعل، إنه منقوض بما إذا قال لمن في درجته: افعل، فإنه يكون أمرا. وهم لا يسلمون ذلك، بل يقولون: ذلك رغبة وسؤال. أما تحقيق الأمر، فليس كذلك.
[ ١ / ٥٩٧ ]
وقوله: وليست هذه اللفظة بعينها كل الأمر. هو كذلك، وإنما هذه أمثلة وضعها النحويون كالموازين توزن بها الصيغ، نحو قولهم: (يفعلان) وما ضاهى ذلك.
[وقوله]: (ولو [اهتدوا] لبناء الأمر على حقيقة أصلهم، لما التزموا تحديد الأمر، وهو قسم (٤٥/ب) لا حقيقة لأصله). إن أراد بذلك الحد النفسي، فهو صحيح. وإن أراد امتناع الحدود اللفظية، فليس كذلك. فإن الحدود اللفظية تتطرق إلى الألفاظ اللغوية. وإنما لم تتأت الحدود النفسية في الأمر على مذهب المعتزلة، لأنه أمر يرجع إلى الأوضاع، وليس [أمرا
[ ١ / ٥٩٨ ]
لنفسه]. ولذلك اشترط فيه الإرادات.
نعم، إنما يستقيم هذا على أصل البلخي الذي ذهب إلى [أن] قول القائل: افعل، أمر لنفسه من غير محال. فقيل له: فهذه الصيغة قد ترد للتهديد أو الإباحة. فقال: هذا جنس وذلك جنس. وهذه مناكرة حس، ومدافعة ضرورة. ولذلك أضرب بقية المعتزلة عن هذه المقالة، لركاكتها وفساد عقل موردها.
وقال بعض المعتزلة: تكفي إرادة واحدة، وهي إرادة الامتثال. وذهب إلى هذا المذهب أبو هاشم، [فقيل] له: فيلزم أن يكون الله تعالى آمرا لأهل
[ ١ / ٥٩٩ ]
الجنة بقوله: ﴿كلوا واشربوا﴾ و﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾. فالتزم ذلك، وقد خرق إجماع المسلمين. فإن الآخرة ليست دار تكليف. وقد قال: إن الله تعالى يريد دخولهم الجنة ويكره امتناعهم، إذ لو لم يدخلوها، لما وجدوا ثواب أعمالهم، وذلك ظلم، والله تعالى يكره الظلم.
والأكثر شرطوا [ثلاث] إرادات، كما ذكره. وطائفة شرطوا إرادتين.
قال الإمام: (ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات) إلى قوله
[ ١ / ٦٠٠ ]
(ومن ظن أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم وبين معتقد أصحاب الهيولي، فقد ظن محالًا). قال الشيخ: الأمر على ما قرر الإمام في هذا. وذلك أنه
[ ١ / ٦٠١ ]
إذا حكم القوم بأن صفات النفوس ثابتة أزلية، فمن أنكر الحال، فلا يخفى أن المصير [إلى] قدم الذوات تصريح بنفي على الإطلاق. وأما إذا
[ ١ / ٦٠٢ ]
سلمت الحال، فهي عند أبي هاشم غير معلومة ولا مجهولة، فكيف يصح أن تتعلق بها القدرة؟ والوجود على هذا الرأي حال.
وتمام التحقيق فيه أن الذوات إذا دخلت الوجود، وقيل للمعتزلة: هذا الموجود بصفاته النفسية، هل تعلقت [بذاته] قدر القادر، أو أثر فيه كونه قادرا؟ فيلزم أن [يقولوا]: لا، بل قد [اعترفوا] به، فنفس (١٣/ب) العرض والجوهر قديمان. نعم، إنما تجدد عند القوم التسمية والإطلاق، دون الحقائق والمعقولات.
قال الإمام: (فأما الصفات التابعة للحدوث، فقولهم مختبط فيها) إلى قوله (فقد كفى هذا القدر، وأغنى عن التطويلات). قال الشيخ: الصفات
[ ١ / ٦٠٣ ]
التابعة للحدوث عند المعتزلة يبني أمرها على الأصل من اعتقاد صفات النفوس في الأزل. وإذا تبين بطلان ذلك، فإن العدم ليس على صفة من صفات الإثبات، والله تعالى مخترع الموصوف بجميع صفاته، إن سلم الحال، فإن منع، فليس إلا مفرد هو متعلق القدرة، فلا تبقى صفة قديمة وأخرى متجددة ليست من أثر القدرة. ولو صير إلى تعدد الصفات، فالمصير إلى وجوب بعضها وجواز الآخر، تحكم محض بعارضه عكسه.
قال الإمام: (فأما المصير إلى أن الحدوث من أثر القدرة، فباطل) (٤٦/أ) إلى قوله (نعم، الآمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد). قال
[ ١ / ٦٠٤ ]
الشيخ: [أيده الله]: مذهب المعتزلة أن الأمر عندهم هو اللفظ إذا اقترنت به الإرادة المتقدمة. وإذا كان كذلك، لم يتصور عندهم إلا أن يكون أمرا، ولا يرجع إلى الأدلة الوضعية التي يتصور تغيرها وتبديلها. ويتنزل عندهم منزلة أدلة
[ ١ / ٦٠٥ ]
العقول، ولذلك التزموا تجديد الأمر. فنقول للقوم: إذا بطل الاعتماد على مجرد الصيغة عند الأكثر، ولم يكن بد من إرادة جعل اللفظ أمرا، فما الأمر؟ وما حقيقته حتى يقصد أن يجعل اللفظ أمرا؟ وهل للأمر معنى سوى الصيغة حتى يقصد إلى ذلك المعنى؟ فلا يبقى على التحقيق إلا أن يقصد التعبير باللفظ عما في النفس، وهو عين ما صرنا إليه.
ثم كيف يتصور القطع بتساوي الحروف والأصوات مع ادعاء الافتراق في
[ ١ / ٦٠٦ ]
صفات؟ وهذا تناقض بين، ومكابرة حسن. نعم، الأمر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد، للتعبير باللفظ عما في نفسه.
قال الإمام: (ثم التطم البصريون والبغداديون) إلى قوله (فلا فرق في أصل الصفة). قال الشيخ: معنى ذلك أن البصريين قالوا للكعبي: أنت إذا جعلت كون اللفظ أمرا من قبيل الصفات التابعة للحدوث، المستغنية عن الإرادة، فالصفة التابعة للحدوث [تتبع حقيقة] وجود الذات، ولا يتصور أن يمتاز بها بعض الذوات المتماثلات. ألا ترى أن التحيز لما كان عند القوم من الصفات التابعة للحدوث، لم يتصور أن يمتاز بذلك بعض الجواهر عن بعض؟ فلو كان كونه أمرا يتبع حقيقة اللفظ، وهو [قول القائل]: (١٤/أ) (افعل)، للزم أن يتبع كل قول على هذا الوجه، لاشتراكها في حقيقة الحروف والأصوات. والفرق بينهما مكابرة وجحد لإدراك حاسة السمع.
[ ١ / ٦٠٧ ]
وأجاب الكعبي بأن قال: قد استوينا في التحكم وادعاء ما لا دليل عليه، وألتزم الفرق بين ما قطع بتماثل، باعتبار إدراك السمع، إلا أني جعلت الصفة المتحكم بها من قبيل الصفات التابعة للحدوث. وإنما حمله على ذلك، السؤال الذي قدمناه، وهو المطالبة بمعقول الأمر حتى يقصد بجعل اللفظ أمرا. قال: وأنتم أثبتم الصفة من أثر الإرادة، مع القطع باستواء الصيغتين، فلا فرق على الحقيقة بين المذهبين في التحكم على نقيض الحس.
قال الإمام: (فإن قيل: ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله) إلى قوله (فهو [ملتحق] [بقرائن] الأحوال). قال الشيخ: تقرير هذا السؤال: أن
[ ١ / ٦٠٨ ]
المتماثلين لا سبيل إلى امتياز أحدهما بحكم عن مماثله.
قالوا: وقد حكمتم باستواء الحروف والأصوات من الحاكي والآمر، وإذا تحقق الاستواء من كل وجه، امتنع الاستدلال على المختلفين بأمرين متماثلين، إذا حاصله راجع إلى إثبات التماثل والاختلاف معا. وهذا إنما يلزم أن لو صرنا إلى نفس الاكتفاء بمجرد اللفظ. فأما إذا اشترطنا انضمام القرائن إلى اللفظ، فلا يتحقق التماثل، إذا القرائن التي تقترن بلفظ الحاكي، ليست كالقرائن المقترنة بلفظ (٤٦/ب) الطالب، فتحقق الاختلاف لهذا، فأمكن لذلك الاستدلال على المختلفات.
[ ١ / ٦٠٩ ]