قال الإمام: (مسألة: في صيغة الأمر) إلى قوله (فهذا هو التنبيه على سر مذهب أبي الحسن وطبقة الواقفية). قال الشيخ: قوله: الصيغة هي العبارة، هذا هو عرف الأصوليين. وأما أهل النحو، فعبارتهم غير هذا، وهو أن الصيغة ترجع إلى كيفية نظم اللفظ. ولذلك قالوا: إن الفعل يدل على الزمان بصيغته، وعلى المكان بضرورته، وعلى المصدر بلفظه. وكأنهم ردوا الصيغة
[ ١ / ٦١٠ ]
إذا أضيفت إلى الأمر- على مذهب المعتزلة- لم تكن حقيقة، إذا الصيغة هي الأمر، وهي في مذهب قول القائل: نفس الشيء وذاته.
أما كون الصيغة هي الأمر مطلقا، فقد بينا أن هذا مذهب البلخي خاصة. وبعضهم يضيف إليه الشروط، على حسب ما تقدم.
وقوله: (إن الإضافة على هذا الوجه غير [حقيقة]). ليس الأمر كذلك عند أئمة العربية. فإن الإضافة غير الحقيقية هي التي يعني بها الانفصال، كإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الاستقبال. ولذلك لا يتعرف وإن أضيف
[ ١ / ٦١١ ]
إلى معرفة، كقوله: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾. فقد جرى (ممطرنا) نعتا لعارض، فلو لم يكن نكرة، لم ينعت به (١٤/ب) النكرة. وكذلك قول جرير:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى [مباعدة منكم] وحرمانا
فقال: (رب غابطنا)، و(رب) لا تدخل إلا على النكرات. وأما قولنا: (نفس زيد)، فقد أفادنا تعريفا باتفاق أهل اللسان، ولا أحد يقضي على النفس عند الإضافة إلى زيد بكونها نكرة. والإضافة الحقيقية هي التي تفيد تعريفا، كنفس زيد، أو تخصصا، كخاتم حديد.
[ ١ / ٦١٢ ]
وقوله: (إن الناقلين الذين نقلوا أن أبا الحسن يستمر على القول بالوقف على فرض قرائن الأحوال). فإذا اقترنت باللفظ المجمل أو الملتبس يظهر أثرها، باعتبار غرض المتكلم. فأما اللفظ، فباق على إجماله أو التباسه، باعتبار وضع اللغة. وأبو الحسن وأصحابه إنما تكلموا باعتبار وضع اللغة. فإذا استقر فيه ظهور أو [نصوصية]، تمسك به على حسب ما يقتضيه الكلام، من طلب قطع، أو اكتفاء بغلبة ظن، أو يثبت إجمال، فلا يتمسك بمطلقه على حال.
فمصير الإمام إلى أن قرائن الحال توضح اللفظ، حيد عن المسألة،
[ ١ / ٦١٣ ]
وذهاب عن المقصود، وغير مفيد باعتبار الأصول. وليس ينكر أحد أن لفظ الماء يصلح للعذب والأجاج. [والجالسين] على المائدة إذا استدعي الماء [عند الغص] بلقمة، فهم منه طلب العذب، ولا يوجب خروج اللفظ عن اشتراكه في الأصل.
وقوله أيضا: (إن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب القائم بالنفس، نحو قول القائل: أوجبت). هذا أيضا حيد عن المقصود، وليس الكلام إلا في الصيغة التي يقال فيها إنها صيغة الجزاء، ولا أحد منهم يذهب
[ ١ / ٦١٤ ]
إلى أن قول القائل: أمرتك، أن هذا فعل أمر. ثم رجع إلى أنه لا يتوقف في هذه الصورة أصلا. وهذا [الذي] قاله لا ينكره أحد. فلا وجه لكونه رأى ذلك رأيا عن أبي الحسن، منفردا به. فإنه لا يتصور أن يتوقف في غرض المتكلم بلفظه عند قرائن (٤٧/أ) أحواله، أوت صريح عبارته. والوقف لازم باعتبار أصل الوضع. وهذا الذي يبنى عليه قواعد الأصول.
وقوله: (قد يتردد المتردد في الألفاظ التي ذكرناها إذا اقترنت بقول القائل) إلى آخره. هذا عندي لا يصح أن يتردد فيه، وكيف يتأتى ذلك، وقول القائل حتما تفسير لقوله (افعل)، لإزالة ما فيه من الإيهام والالتباس؟ فكيف يصير العمدة على المفسر دون المفسر؟ فلا وجه لحمل تردد المتردد على هذا أبدا.
[ ١ / ٦١٥ ]
وقوله: (وهذا عندي- إن صح- محمول على قرائن المقال على ما فيها من الخبط). كلام ضعيف، وكيف يدعي الخبط في قرائن المقال على الإطلاق، وقد قال هو: إنها واضحة جلية، كقول القائل: افعل حتما أو واجبا؟ (١٥/أ)
قال الإمام: فأما المعتزلة، فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين) إلى قوله (وإنما معناه الإرادة، [والوجوب] متلقى من الوعيد
[ ١ / ٦١٦ ]
المقترن به). قال الشيخ: إنما بعد القول الأول عن مذهب المعتزلة، من جهة أن الأمر الحقيقي: هو قول القائل لمن دونه: افعل، وهو يرجع إلى [الإلزام] والتسخير. وإذا كان كذلك، فالإباحة لا إلزام فيها، ولا تسخير، ولا [اقتضاء]. فكيف يصح أن يكون قول القائل:
(افعل) للإباحة بالإضافة؟ ثم يلزم منه إذا استعمل في الأمر خروج عن حقيقته ولا يبقى أمر حقيقي بحال.
وليس عند القوم كلام نفس، حتى يكتفي بهن ويعبر عنه باللفظ المجازي، فيفوت الأمر باعتبار الكلام النفسي، ولا وجود له باعتبار الوضع الحقيقي. فهذا بعيد جدا عن مذاهبهم، إلا أن ينبني الأمر على ما قاله الكعبي، من كون المباح حسنا، ويجوز أن يطلبه الطالب، باعتبار كونه حسنا، ولهذا قال: المباح مأمور به، فهذا ربما يمشي على هذا المذهب، وهو رديء جدا عند المعتزلة. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٦١٧ ]
وأما من ذهب إلى أنه للندب، فهو أقرب من جهة ما في الندب من الاقتضاء، ولكن يلزم منه أن يكون طلب جازم معقول، على حسب ما مر في كونه للإباحة، إلا أن ينبني الأمر على أن الندب طلب جازم. وهذا الذي يختاره القاضي. وسيأتي أيضا الكلام عليه.
ولكن مع هذا إذا جعل الندب، باعتبار خصوصيته، خرج الوجوب عن قسم الطلب، وليس الأمر كذلك. لا جرم أن عبد الجبار من هذه الإلزامات فر، وقال: الصيغة تدل على إرادة مطلقها الامتثال، فهذا مقتضاها فحسب. وهذا الكلام أيضا غير صحيح، فإن إرادة الامتثال ليس مدلول الصيغة، وإنما إرادة الامتثال شرط في كون اللفظ أمرا، فكيف يصح أن تكون مدلول اللفظ؟ ولو كان هذا مدلول الصيغة، لم يكن معنى إلا الإرادة من غير طلبن فيخرج الطلب عن حقيقته. ولا يلزم أن يقال: كل مراد مأمور به. وكل هذا إنما هو
[ ١ / ٦١٨ ]
تحير، وتغير لنفي كلام النفس. ويطلبون معقول الأمر، ويعرفون أن الألفاظ لا تدل لأعيانها، فتحيروا هذا التحير.
وقوله: (بيد أن المراد لا يكون إلا طاعة). ليس كما قال، بل إنما يكون طاعة على تقدير تعلق الأمر به، حتى يكون طاعة مرادا؟ وقصد عبد الجبار بما قاله أن يشمل حقيقة الأمر الوجوب والندب جميعا (٤٧/ب)، لا من جهة خصوصيتهما، بل من جهة اشتراكهما في كونهما مطلوبين مرادين، ثم يقع الافتراق من وجه توجه الذم وانتفائه. فهذا هو مقصوده، والاعتراض عليه ما (١٥/ب) سبق.
[ ١ / ٦١٩ ]
قال الإمام: (وأما الفقهاء، فالمشهور من مذهب الجمهور أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب، إذا تجردت عن القرائن. وهذا مذهب الشافعي. والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف، ولم يساعد الشافعي غير الأستاذ أبي إسحاق). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام حكاية عن الشافعي، قد نقل أبو حامد عن الشافعي خلافه. فقال: صيغة الأمر مترددة بين الندب والوجوب، وصيغة النهي للتحريم. ووجه على نفسه اعتراضا، فقال: إنما أوجبنا تزويج الأمة، بقوله: ﴿[فلا] تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾. ولم نوجب تزويج العبد، لأنه لم يرد فيه إلا قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾. فيمكن أن يكون له في المسألة قولان.
[ ١ / ٦٢٠ ]
قال الإمام: (والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق) إلى قوله (وقد يستحق بدون ذلك التأديب). قال الشيخ: الصحيح من مذهب القاضي التوقف في اللفظ، وامتناع القضاء عليه بجهة، وطريقته لا تقتضي إلا ذلك. وحاصله أنه مطالبة بالدليل، إن من لم يحكم لا يستدل، وهو لم يحكم على اللفظ بجهة حتى يدل عليها. وإنما غايته أنه يقول: الطرق التي يعرف بها الوضع مفقودة، إن أراد أنه لم يقف على شيء منها، فذلك مسلم له، لأنه أعلم
[ ١ / ٦٢١ ]
بحاله، وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى عملها، فهذا تحكم، فمن أين القضاء على الناس كلهم بذلك؟
وقوله: إن (النقل إما أن يعرف صريحا، أو استنباط، تواترا أو آحادا). هذا تقسيم من جهة النقل بلا ريب، ونحن نعلم من اللغة ضرورة أن لفظ البحر وضع للماء، وإن كان يطلق على الكريم، فلا يمنعنا وجدان اللفظ دالا على معنيين، إلا بعلم الحقيقة من المجاز.
[ ١ / ٦٢٢ ]
والذي يظهر من كلام القاضي أنه أراد نفي الطرق، بالإضافة إلى [أهل] الزمان بجملتهم، ولذلك تعرض لضبطها ونفيها.
وقوله: (فإن النقل المتواتر يحصل العلم الضروري، ويتضمن استواء طبقات جميع العقلاء فيه). [هو] كما قال، إذا وقع الاشتراك في
[ ١ / ٦٢٣ ]
السبب، وأما إذا لم يطلع بعض العقلاء على النقل، أو على كماله، لم يلزم أن يحصل العلم، ولا يتبين بذلك غلط المحيط عند حصول العلم له.
وأما رد الإمام على القاضي عندما [مال] إلى دعوى التشارك، فصحيح لا شك فيه، لأن تلك الطرق تفضي إلى اللبس، لا إلى تعيين جهة. فمن عين الاشتراك، كمن عين غيره. والإمام إنما أورد هذا الكلام، لاعتقاده أن يصلح لإبطال (١٦/أ) الاشتراك، فإنه يلزمه أن لا يعين جهة من الجهات. وإن
[ ١ / ٦٢٤ ]
أورده [على المعارضة المحضة، ومقابلة الفاسد بالفاسد، صلح للجدل دون التحقيق.
وأما رد عليه عندما ذهب إلى] التوقف بقوله: (لم يترك والركون إلى هذه العماية العمياء، والجهالة والجهلاء) إلى آخره. فكلام ضعيف.
وقول: (إن اللفظ التداور مع الجواز). أمر لا يفيد، وإن قدرنا أن اللفظ معروف الدلالة عند أهل اللغة وغيرهم، فما الذي يعين (٤٨/أ) ذلك في
[ ١ / ٦٢٥ ]
حق من جهل مدلول، والتبست عليه طرقه، والقاضي ما أحال علم هذا على الخلق، وإنما منع من معرفته في عصر، لما قرره من الطرق المنحسمة التي يرجع النقل إليها.
وقوله: (وتنسل بفرض هذا دعوى القطع من يده). نعم، إن قطع القاضي بأنه لا يعلم ذلك أحد، فهذا غير سديد. وكيف يمكن دعوى ذلك،
[ ١ / ٦٢٦ ]
وأهل اللغة يعرون مرادهم بألفاظهم من اشتراك أو غيره؟ وما ذكره القاضي من الاشتراك على الإيهام بالاستفهام، فغير مفيد، فإنه وإن اتفق أن يكون السامع بفهم المدلول على وجه مظنون، فقد يقصد قطع الاحتمال وإزالة الإشكال. ويمكن أيضا أن يكون المستفهم ممن يرى له إجمالا، فلا يكون- في رأيي- احتجاجا، إلا أن يثبت أنه من أهل اللسان، [وينفي] تعارض قرائن الأحوال، ويكون ممن يكتفي بالظن في فهم المقال، ولم يقصد الارتقاء إلى حد الاستيقان، فحينئذ يكون في ذلك متعلق. [واجتماع] هذه الشروط
[ ١ / ٦٢٧ ]
[عسير]، وقد يستحق التأديب على وجه الاستفصال من غير حاجة إليه.
قال الإمام: (وأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم في ذلك) إلى قوله (وكل ما كان كذلك لا يكون واجبا. فهذا منتهى المسألة). قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذا الموضع من التقسيم، قد نقضه على نفسه في صيغة
[ ١ / ٦٢٨ ]
(افعل) بعد الحظر، فإنه ذهب فيها إلى الوقف. ويمكن سلوك هذا الطريق نفسه. فيقال: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل: إذا حللت فاصطد، وبين قوله: إذا حللت، فلا حرج عليك، اصطدت أو تركت؟ فليس من التحقيق على شيء. فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك، وهلم جرا إلى بقية الأقسام. والإمام قد توقف فيها، والتقسيم بعينه جار فيها.
ثم قوله: (من أنكر أن العرب ما فصلت). عبارة فيها وهم، وذلك أن من أنكر عدم الفصل، فقد اعترف بالفصل، وهو الذي يريده الإمام. وإنما المراد: من قال أو من زعم أن العرب ما فصلت؟ هذا مراده. وقصاراه فيما قال ادعاء الضرورة.
[ ١ / ٦٢٩ ]
وأما الفصل الذي ذكره، فمعترف به، ولن لا يحصل منه مقصود، وذلك أنه قابل بين المجمل وبين اللفظ النص، فظهر التفاوت بلا إشكال. ولا يوجب إدراك (١٦/ب) الفصل أن يكون اللفظ المجمل لا يحتمل تلك الجهة، وهو بمثابة ما لو قال القائل: لفظ العين لا يتناول الذهب. وقال: من زعم أن العرب ما فصلت بين قول القائل: العين، وبين قوله: الذهب، فليس من التحقيق على شيء، لكان مصيبا، ولم يلزم منه أن يكون لفظ العين لا يتناول الذهب مع غيره. كذلك الإمام قابل بين لفظ (افعل) المحتمل لجهات، وبين نص الإباحة ونص الندب، فظهر التفاوت، ولا يمتنع ذلك التناول.
[ ١ / ٦٣٠ ]
وقوله: (إن من ضرورة الندب تخيير في الترك). غير صحيح، وقد مر الكلام عليه في حد التكليف. والندب عندنا أمر محقق، والمندوب مأمور به. وسيأتي تحقيقه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
وقوله في الجواب عن سؤال: (إن هذا مذهب الشافعي: بأن الوجوب لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك). فقد مر الكلام عليه. وهو نقض هذا بعينه (٤٨/ب)، وأفسد حد من حد الواجب: بأنه المتوعد بالعقاب على تركه. على ما سيأتي.
فإذا انتهى الكلام إلى هذا الحد، فلننبه على أصل كلي، لا بد من التنبه
[ ١ / ٦٣١ ]
له، وذلك أنه إنما احتاج الأصوليون إلى معرفة الأوضاع اللغوية، لتفهم الأحكام الشرعية، وإلا فلا حاجة بالأصولي إلى معرفة ما لا يتعلق بالأحكام من الألفاظ. وإذا كان كذلك، افتقر إلى تقديم أمر آخر، وهو أن الشرع، هل تصرف في اللغة أم لا؟ فإن ثبت عدم التصرف، اكتفى الأصولي بمعرفة وضع الشرع في الاسم، ولا يحتاج معه إلى معرفة اللغة في ذلك اللفظ. وإن عرف وضع اللغة، والتبس عليه، هل الشرع تصرف في الاسم أو لا؟ لم يجز له الحكم بوضع اللغة، حتى يستقر عنده وضع الشرع فيه، ولهذا إن الفقهاء أول ما يتكلمون على الألفاظ باعتبار وضع اللغة، لأنهم يرون تصرف الشرع في الأسماء، فترام يجنحون إلى الإجماع وغيره، وهم في ذلك على بصيرة، إذ عرف الشرع مكتفى به، مصار إليه. وعرف اللغة على هذا التقدير عند احتمال التغيير لا يفيد.
والذي نراه في هذه المسألة أن (افعل) عند الإطلاق يقتضي طلبا لا محالة، وذلك ثابت عند أئمة العربية أجمعين، فإنهم فرقوا بين باب الأمر وباب النهي، فقالوا: باب الأمر (افعل) وباب النهي (لا تفعل). لا يبدي أحد
[ ١ / ٦٣٢ ]