الشبهة على أصولهم أنهم قالوا: ما أفضى إلى المحال، فهو محال. وهذا كلام صحيح.
ثم قالوا: حجج الأنبياء متوجهة على الخلق، وهي حق، وما أفضى إلى إبطالها وامتناع توجيهها، فهو باطل. وهذا أيضا كلام صحيح.
قالوا: والقصر في تلقي الوجوب على الشرع يفضي إلى إبطاله ورفعه بعد ثبوته، للزوم الدور، وتوقف وجوب النظر على تقدير الشرع، وتوقف تقدير الشرع على نظر الناظر، وتوقف نظر الناظر على وجوب النظر.
وأما قول الإمام: (وهذا أولا ليس برهانا [على] وجوب النظر عقلا).
[ ١ / ٣١٥ ]
يعني أن هذا الكلام غنما يفيد مع من اعترف باستقرار الشرائع، وأما من جحد ذلك، فإن هذا الكلام لا ينتج له وجوب النظر عقلا.
وهذه الشبهة أجاب عنها بوجهين: أحدهما- قوله: (ثم نفس العقل لا يدرك به وجوب النظر). اعلم أنا قد قدمنا أن ما يدرك بالعقل من المعقولات ينقسم إلى أولي، وهو الذي يصادف في أنفس العقلاء، غير مفتقر لسبب، ولا مقيد بشرط، وهذا هو الذي يجب اشتراك العقلاء فيه. وليس وجوب النظر عند المعتزلة من هذا القبيل. إذ لو كان كذلك، لما خلا عاقل في مضطرب
[ ١ / ٣١٦ ]
أحواله عن العلم بوجوب النظر.
فلابد- والحالة هذه- أن يكون من القسم الثاني الذي يفتقر إلى سبق نظر. وإذا افتقر إلى سبق نظر، تأتى للعاقل التوقف حتى يعلم وجوب النظر، كما (١٣/أ) تأتى له ذلك عند دعاء الرسول، فيقول: لا أنظر حتى أعلم وجوب النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، فيؤدي أيضا إلى الدور. فما لزمنا في السمع المنقول، ينعكس عليهم في قضيات العقول.
فإذا رجعوا إلى دعوى الضرورة، لم يستقم لهم ذلك مع مخالفتنا لهم.
[ ١ / ٣١٧ ]
أم كيف ينقدح ما قالوه مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم، فيرجعون إلى النظر؟
قال الإمام: (فإن قالوا: يبعث الله إلى كل مدعو ملكا) إلى قوله (عما هذوا به). قال الشيخ - ﵁ -: وهذا كلام واضح، ولئن وقع الاكتفاء في الإقدام على فعل النظر بخطور الخواطر حتى يكون ذلك قاطعا للدور، فخطور هذه الخواطر عند بعثة النبي أولى. فليقع الاكتفاء بذلك.
[ ١ / ٣١٨ ]
قال الإمام: (ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: قوله: ثم التحقيق [في ذلك] أن النظر ممكن إلى آخره. اعلم أن هذا الخيال إنما يلزم على القول باستحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. والصحيح عندنا جواز ذلك عقلا. وسنبينه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فإذا صح ذلك، لم يكن للإلزام ورود على حال. فإن تنزلنا على
[ ١ / ٣١٩ ]
امتناعه، فليس بشرط في التكليف بالاتفاق علم المكلف به. إذ لو كان كذلك، لما تصورت معصية ممن يجهل الحكم، ولم يكن الكفار عصاة بتكذيب الشرائع واعتقاد نفي النبوات. وفي قواطع السمع ما يدل على خلاف ذلك والشرائع مستقرة ببعثة الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، وحصول العقول، والتمكن من الاستدلال.
وقوله: لا أنظر حتى أعلم [وجوب] النظر، ولا أعلم وجوب النظر حتى أنظر، كلام صحيح، ولكن لا تتوجه له به حجة، إذ لا حجة للخلق بعد إرسال الرسل. ويحمل ذلك من المدعو على الجدال والعناد.
ومثاله: ما لو قال الأب لولده: التفت فإن رواءك سبعا عاديا يهجم عليك. فيقول: لا ألتفت حتى أعلم وجوب الالتفات، ولا أعلم وجوب الالتفات ما لم أعلم السبع، ولا أعلم السبع حتى ألتفت. فيقال له: لا جرم تهلك وأنت غير معذور.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وكذلك النبي إذا بعث، وأيد بالمعجزة، ودعا الخلق وقال: تعلمون ذلك بأدنى نظر في معجزتي، إذ العقول حاضرة، والأدلة منصوبة، والبراهين موجودة، والشواهد مشهودة. فهذا كلام واضح، لا تناقض فيه، ولا مانع يمنع من التحصيل.
وأصل الشبهة غلط الخصوم واعتقادهم عنا أنا نقول: لا يستقر الشرع إلا بعد النظر. ولو كنا نقول ذلك، للزم السؤال. ولكنا نقول: الشرع مستقر ببعثة الرسل وتأييدهم بالمعجزات، نظر الناظر أو لم ينظر.
وقول الإمام: (ولا يشترط في وجوب الشيء علم المخاطب بوجوبه عليه، بل يشترط تمكنه من العلم [به]). يجب النظر فيما يرجع عليه هذا الضمير، وهو (الهاء)، في (به): والصحيح أنه يرجع على الشيء، لا على الوجوب. فمعنى الكلام: لا يشترط في وجوب الشيء علم المكلف بوجوب ذلك عليه، بل يشترط تمكنه من العلم بالشيء. وإنما قلنا (١٣/ب) ذلك، لأن العلم بوجوب النظر مستحيل قبل انتهائه نهايته، فإذا كان العلم مستحيلا،
[ ١ / ٣٢١ ]
فكيف يكون إمكانه شرطا في الوجوب، وإمكان المستحيل مستحيل؟
ولو كان الممكن منه شرطا، لصح أن يكون حصوله شرطا، فلذلك حكمنا بأن الضمير إنما يعود على النظر، لا على العلم بوجوب النظر. ومعنى الكلام: صحة الوجوب على من يتمكن من النظر دون من يستحيل منه، كالأطفال والمجانين.
وقال: (والسر في ذلك أن النظر الأول لا يتصور إلا كذلك، سوا فرض أخذه من السمع المنقول، أو من مدارك العقول). هذا كلام صحيح، إذ لا يتصور أن يعلم بوجوب واجب من لم يعلم الوجوب، فمن لم يستقر عنده بعد الحاكم، كيف يتصور أن يعلم حكمه؟ ومن هذا قضينا بأنه لا يتصور أن يكون الناظر عالما بالأحكام الشرعية إلا أ، يكون عالما بقواعد العقائد. [ومن]
[ ١ / ٣٢٢ ]
هذا قيل: إن القربة التي لا يتصور التقرب بها إلى الله تعالى هي النظر الأول.
وأراد [ههنا] بالتقرب: قصد الفاعل إلى إيقاع العمل طاعة. وهذا القصد قد يستحيل اشتراطه في بعض الطاعات، وقد يجب تحصيله في بعضها. فإذا وقع له الإخلال به، لم يصح العمل. وقد يجوز أن يحصل، ولكن لا يوجب الشرع ذلك.
فأما الموضع الذي يستحيل القصد فيه، فهو النظر الأول، وكذلك القصد عند موجبه، وكذل المعرفة المترتبة على النظر الأول، فإنه لا يتصور إيقاعها طاعة، إذ الناظر لا يقصد إلى معرفة مخصوصة، إذ العلم يضاد النظر، وهو لو علم لم ينظر، لأنه لا يدري ما يفضي إليه النظر، فلا يتصور منه القصد إلى التقرب بالمعرفة التي لم تحصل له، ونظره ينافيها. وكذلك إدارة الطاعة أيضا لا يشترط أن يقصد بها التقرب، غذ لو افتقرت إلى إرادة، لتسلسل القول.
[ ١ / ٣٢٣ ]