والثاني- أن يكون المراد: أهلكناها، فحكمنا بأن البأس جاءها، أي أخبرنا بمجيء البأس.
قال الإمام: (مسألة: تحوي مراسم الأصوليين في معاني الحروف) إلى قوله ﴿والسماء وما بناها﴾. معناه: [و(بنيناها)]. قال الشيخ: تنقسم (ما) إلى الحروف والاسم، كما ذكره.
و(ما) النافية لا يعلمها بنو تميم، والحجازيون يعلمونها بشرط أن لا يليها إلا الامس، وأن يبقى الخبر منفيا، فإن تقدم الخبر، كقولك: ما قائم زيد،
[ ١ / ٥٥١ ]
أو [انتقض] النفي (بإلا)، كقولك: ما زيد إلا قائم، اتفقت المذاهب، وبطل العمل في القول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
كلام طويل يخرجنا عن الغرض. والنكتة فيه أن [بني] تميم لا تعملها وإن تقدم الاسم، (٤٠/ب) فكيف تعملها إذا عكس الترتيب؟ وإنما فعل بنو تميم هذا لأمرين:
أجدهما- أن كل حرف داخل على البابين، حقه أن لا يعمل في واحد منهما لأمرين:
[ ١ / ٥٥٢ ]
[أحدهما]- الاستقراء. والثاني- المعنى. وذلك أنا قد بينا أن عمل العامل لا يفارقه بحال. والأثر الذي تقبله الأسماء، لا تقبله الأفعال، والذي تقبله الأفعال، لا تقبله الأسماء، فلو علمت في الأسماء، لم يفارقها العمل عند الدخول على الأفعال، والمحل لا يقبل.
الوجه الثاني- أن الحروف اختص عملها بجهة واحدة، فحروف النصب لا تصلح لغيره، والجزم كذلك. وإنما يعمل العملين المختلفين الأفعال، لقوتها ك (كان) وأخواتها. وإنما خرج عن هذا، الحروف المشبهة بالأفعال (كإن) وأخواتها، ولكن [تلك] يمتنع دخولها على الأفعال بالكلية.
وأما ما يشبهها بالأفعال، فهي أبعد من تلك، [لأن] تلك أخذت شبه الأفعال لفظا ومعنى، و(ما) ليس [فيها] إلا شبه معنوي لفعل ضعيف. وقد قال سيبويه: ومذهب بني تميم هو القياس، ولكنا نختار مذهب الحجازيين لوجهين:
أحدهما- أن القرآن أفصح اللغات، وهو على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ما هذا بشرا﴾.
الثاني- أن الشبه الخاص مقدم على الشبه العام، وفي (ما) مشابهة عامة
[ ١ / ٥٥٣ ]
للحروف، [وللداخلة] على البابين في ظاهر الحال شبه خاص، بالإضافة إلى (ليس)، لنفي الحال، و(ما) كذلك، فكان الالتفات (٨/أ) إلى الشبه الخاص أولى.
وأمل قولهم: الداخل على الأسماء والأفعال لا يعمل في واحد منهما. فاعلم أنا حققنا أنه ليس [للحروف] أن تفعل رفعا ونصبا، وإنما عملت ذلك، حملا لها على غيرها، وهي (ليس). و(ليس) لا يصح دخولها على الفعل، فـ (ما) الداخلة على الفعل لا تشبه (ليس) التي عملت، فلم تعمل الأخرى.
وأما كونها إذا [نقض] النفي لم تعمل، فهي إنما شبهت (ليس)، من جهة اشتراكها في النفي. فإذا رجع الكلام إلى الإيجاب، بطلت المضارع. ولم تعمل (ليس) للشبه بشيء، بل بالإضافة، فاستوى في عملها النفي والإثبات.
وقوله: (وأما [ما] وقع اسما، فينقسم إلى منكور وموصول)،
[ ١ / ٥٥٤ ]
القسمة صحيحة، إذ لا تخلو الأسماء: إما أن تكون معارف أو نكرات. فلنقدم الكلام على النكرات، إذ التنكير سابق على التعريف، ولذلك كان التعريف أحد الأسباب المانعة من الصرف، لأجل كونه فرعا.
أما المنكور، فهي: الاستفهام، والشرط، والتعجب. أما في الاستفهام والشرط، فلأجل إيهامه وعدم اختصاصه، كان التنكير أليق به. وأما التعجب، فقد اختلف أئمة اللسان فيه؛ فذهب سيبويه إلى أن (ما) فيه نكرة. وقال الأخفش: بل هي معرفة موصوفة. وإنما حمل سيبويه على المصير إلى التنكير أمران: أحدهما- أن الجملة تكون معه تامة غير مفتقرة إلى حذف ولا إضمار.
[ ١ / ٥٥٥ ]