الحمد لله الذي تقدست عن الشبيه ذاته، وتنزهت عن سمات الحدوث صفاته، وشهدت بربوبيته وألوهيته مخلوقاته، وأذعنت الجبابرة لعزته وعظيم سلطانه. سبحان من إله اتصف بصفات الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ يعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويوصل ويقطع، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ كما نطق بذلك صريح آياته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا ضد ولا ظهير، تنزه عن الولد والوزير، الكل خلقه وإليه المصير، وهو الهادي من يشاء إلى سواء السبيل.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، والمبلغ عنه أمره ونهيه. صلوات ربي وسلامه عليه - أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك - وعلى الآل والصحب من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من العلماء العاملين والأئمة المجتهدين، وعباد الله الصالحين، الذين قارعوا أهل الكفر بالسنان، وأهل الزيغ والضلال باللسان، والحجة والبرهان وبعد:
فإن كثيرًا من تراث الأمة الإسلامية الضخم الذي خطته أيدي علمائها الأماجد عبر القرون الغابرة قد عدت عليه العوادي، فذهب أدراج الرياح،
[ ١ / ٥ ]
وأصبح خبرًا بعد عين. والذي قدر الله له النجاة من هذا التراث ينبئ عن قساوة الفادحة وعظم المصيبة، من خلال ما ضمه من نقول واقتباسات من الأسفار التي ضاعت في خضم الأهوال. فأصبحنا لا نعرف عنه شيئًا إلا هذه النقول التي في بطون الكتب التي سلعت من الهلاك.
ولعل أعظم من مُني به التراث الإسلامي الزاخر هو دخول جحافل التتار بغداد، التي زحفت من المشرق لتهلك الحرث والنسل، وتعيث في الأرض الفساد، فدخلت دار السلام في منتصف القرن السابع وأشعلت النيران في دار الحكمة وغيرها، فالتهمت النيران أكداس الكتب، وتصاعدت ألسنة النيران لتبلغ عنان السماء فتظلم بغداد بدخان الكتب الكثيف، الذي أشبه بثوب الحداد على المصاب الأليم الفقيد الغالي. وألقى الغزاة أكداسًا أخرى من الكتب في دجلة لتصبح جسورًا يعبرون عليها. فانقلب ماء دجلة العذب الرقراق إلى لون القطران من سواد مداد الكتب. وقد أجمع المؤرخون على أنه لم يمر على الأمة الإسلامية يوم فيه من الأهوال ما كان في يوم دخول التتار بغداد.
قال ابن الأثير في الكامل: "فلو قال قائل إن العالم منذ أن خلق الله أدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صدقًا، وما فعله بختنصر باليهود من القتل وتخريب بيت المقدس فبينه وبين فعل التتار بون شاسع، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج. وفعل الدجال عند ظهوره يهون عن فعلهم. فقد قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، وقد استطار شررهم وعم ضررهم".
[ ١ / ٦ ]
هذا وصف بليغ، وتصوير صادق لعظم المأساة، ولعل فيما حكاه ابن الأثير سلوة لنا عما يقع في هذه الأيام على كثير من المسلمين في شمال العالم وجنوبه من التنكيل بالرجال والنساء والأطفال بأسلوب وحشي يغذيه الحقد على الإسلام وأهله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كان من بين الذين ضمتهم بغداد ردهة من الزمن، وكان له حضور متميز في مجالس المناظرات، وتأثير في حركتها العلمية المناظر البارع والأصولي الفذ، جامع شتات علم أصول الفقه، فقد كان له الفضل في جمع شوارد علم أصول الفقه ونوادره، واستوفى مباحثه ومسائله، كما سيظهر لك ذلك جليًا عند ذكر مؤلفاته. فقد كان كل من أتى بعده من الأصوليين عالة عليه، وخاصة من صنف على طريقة المتكلمين، فأكثروا من النقل عنه ومحاكاته في مصنفاته.
منذ أن بدأت النهضة العلمية الحديثة المباركة اشرأبت الأعناق لاستشراف مصنفاته وتاقت النفوس وتمنت العيون أن تكتحل برؤيتها، وخاصة كتابه الموسوم ب"التقريب والارشاد" لما ورد من الثناء عليه من مؤرخي العلوم ومصنفي طبقات الفقهاء وغيرهم.
ومنذ فترة طويلة وأنا أقلب فهارس المخطوطات بحثًا عن الجيد النافع، حتى استوقفني عنوان "التقريب والإرشاد" في فهرس المكتبة الآصفية بالهند ولكنني وجدته منسوبًا للحافظ محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا المقدسي. فأوهم ذلك أنه كتاب آخر شابه عنوانه عنوان كتاب القاضي الباقلاني، فأسقط في يدي، وتركت الأمر. وبعد أن مضى أكثر من اثني عشر عامًا رجعت الخواطر مرة أخرى فقررت إحضار صورة المخطوط لأقابله بكتاب "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين الجويني الذي أقتني مصورًا له. وأعرضه على النقول الكثيرة التي ينسبها إليه الزركشي في بحره
[ ١ / ٧ ]
المحيط فإذا بالحلم يتحقق، واعثر على البغية وأجد الأمر كما توقعت. وزادت فرحتي بأن وجدت المخطوطة خالية من كل نقص واضحة الخط جدًا، فحمدت الله سبحانه وبدأت أقلب العديد من فهارس المخطوطات لعلي أجد لها شقيقة تؤازرها فلم أعثر حتى الآن على شيء. فباشرت بالنسخ، وشرعت في التحقيق لأخرج هذا السفر النفيس من ضياع دام عشرة قرون، ولا أريد أن أشرح لمطالعه ما لقيته من العناء، وما صرفته من الوقت في تحقيق نصه وإخراجه في هذا الثوب، الذي أرجو أن يرضى عنه طلاب العلم ورواد المعرفة، فمن غير شك سيدرك الناظر فيه ذلك.
وكل ما أريد أن أقوله: إن تحقيق المخطوطات من نسخة وحيدة أمره عظيم وخطره جسيم، ففي تعدد النسخ خير معين على سد الخلل وتدارك النقص والتصحيف، الذي يقع على يد النساخ، فكون النسخة وحيدة يتطلب من المحقق مراجعة المسألة في العديد من الكتب التي استقى منها المصنف مادته العلمية - إن وجدت - ومراجعتها في الكتب التي اعتمدت عليه، وأكثرت من النقل عنه. ولهذا لم يفارقني كتاب إمام الحرمين "تلخيص التقريب" بل صاحبني بابًا بابًا وفصلًا فصلًا. وكذلك كتاب إمام الحرمين "البرهان" وكتاب الغزالي "المستصفى" و"البحر المحيط" للزركشى.
وقد قدمت لهذا الكتاب بدراسة للمؤلف والكتاب لإنارة الطريق وإلقاء الضوء على الكثير مما يتعلق بالكتاب ومؤلفه لمن يريد المطالعة فيه. ومع هذا فإن الكمال لله وحده والنقص من سمات البشر، وما أبريء نفسي عن الخطأ والزلل، وحسبي أنني بذلت قصارى جهدي. وإني لأرجو أن يكون إخواني العلماء وأبنائي طلبة العلم قد وجدوا في صدور هذا الكتاب بغيتهم، سائلًا المولى ﷿ أن يلهمنا السداد والإخلاص في القول والعمل، وأن يكون عملنا في هذا الكتاب لنا ذخرًا، وأن ينفع به كل من طالعه، إنه مولي النعم ودافع النقم، فله الحمد أولًا وأخرًا.
المحقق
[ ١ / ٨ ]
القسم الدراسي
وفيه مقدمة وبابان
المقدمة: وهي في الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية في عصر الباقلانى.
الباب الأول: في ترجمة الباقلانى.
الباب الثاني: في دراسة كتابة التقريب.
[ ١ / ٩ ]
[ ١ / ١٠ ]