ظهرت ثمرة النزاع في فروع كثيرةً جدًا؟ وسنذكر بعضها فيما يلي:
١ - لمس المرأةً يوجب نقض الوضوء عند الشافعي - ﵀ - وكذلك الجماع لقوله تعالى: (أو لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) فحمل اللمس على حقيقته ومجازةً معًا. وعند أبي حنيفة لا ينتقض الوضوء بلمس المرأةً؟ لأن المراد بالمس في الآيةً «الجماع» وهو المعنى المجازي؟ ولا يمكن عنده حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معًا. فقصره على معناه المجازي.
[ ١ / ١٥٤ ]
٢ - شرب النبيذ المسكر يوجب الحد عند الشافعي - ﵀ - كالخمر حملًا للفظ الخمر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ على حقيقته وهو المعتصر المسكر من العنب؟ وعلى مجازه؟ وهو المسكر من غير العنب.
وعند أبي حنيفةً لا يوجب شرب النبيذ الحد؟ لأن النص ورد بإيجاب الحد بشرب الخمر؟ وهو حقيقة في ماء العنب المسكر؟ وإنما سميت باقي الأشربة من باب المجاز؟ وعنده - ﵀ - لا يجوز إرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معًا. ولذا قصره على المعنى المجازي.
ذهب الشافعية إلى عدم جواز عقد الزواج المحرم؟ ولا يجوز له الوطء أيضا حملًا للفظ على حقيقته وهو الوطء؟ وعلى مجازه وهو العقد في قوله - ﷺ - «لا ينكح المحرم ولا ينكح».
وعند أبي حنيفة يجوز له العقد دون الوطء حملا للفظ على حقيقته فقط.
٤ - ذهب الشافعية وغيرهم إلى أن أولياء الدم يخيرون بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان حملًا لكلمة «سلطانا» في قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ على معنييها؟ وهما القصاص والدية.
[ ١ / ١٥٥ ]
وذهب الحنفية لعدم التخيير؟ فحملوا قوله «سلطانا» على القصاص فقط؟ لعدم جواز حمل اللفظ على معنييه معًا.
٥ - احتج الشافعية على أن طلاق المكره لا يقع بقوله - ﷺ - الذي أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة - ﵂ - بلفظ «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» حملا للفظ على معنييه؟ وهما الجنون والإكراه».
وذهب الحنفية إلى أن اللفظ مشترك؟ والمشترك حكمه التوقف لأنه مجمل؟ فلا يحمل على معنييه؟ ولا على أحدهما إلا بقرينة؟ ولهذا ذهب الحنفية إلى وقوع طلاق المكره.
٦ - ذكر التلمساني في مفتاح الأصول: أن بعض أهل العلم ذهبوا إلى أن المدعو لتحمل الشهادة تلزمه الإجابة كالمدعو لأدائها بعد التحمل؟ وذلك حملًا للفظةً الشهداء على معناها الحقيقي؟ وهو إطلاقها على من تحمل الشهادة؟ وحملًا لها على معناها المجازي؟ وهو ما سيصير إليه بعد التحمل. ونقل هذا القول الماوردي عن الحسن البصري. وهو مذهب الشافعية. قال الشيرازي في المذهب: «تحمل الشهادة وأداؤها فرض لقوله ﷿ ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ونقل الماوردي عن ابن عباس وقتادة والربيع أنهم حملوا اللفظ على تحمل الشهادة. ونقل أيضًا عن مجاهد والشعبي وعطاء أنهم حملوا اللفظ على أدائها عند الحاكم.
[ ١ / ١٥٦ ]
٧ - ذكر السرخسي في أصوله أن الحنفية ذهبوا إلى أنه لو أوصى رجل بثلث ماله لمواليه. وله موال أعتقوه؟ لا تصح الوصيةً؟ لأن الاسم مشترك يحتمل أن يكون المراد به «المولى الأعلى» ويحتمل أن يراد به «المولى الأسفل» وفي المعنى تغاير؟ فالوصية للمولى الأعلى تكون للمجازاة وشكرهم على إنعامهم؟ والوصية للأسفل تكون للزيادة في الإنعام عليه. ولا ينتظم اللفظين المعنيين جميعا؟ للمغايرة بينهما؟ بقى الموصي له مجهولًا؟ فلا تصح الوصية.
وقال الإسنوي في التمهيد في المسألة وجوه: أصحها كما قاله في الروضة والمنهاج أنه يقسم بينهما - ويكون هذا بناء على حمل اللفظ على معنييه - وقيل: يصرف إلى الموالي من الأعلى؟ لقرينة مكافأتهم؟ وقيل: يصرف للموالي من أسفل؟ لجريان العادة بذلك لأجل احتياجهم غالبًا. وقال في المغني: «وإن اجتمعوا فالوصيةً لهم جميعًا يستوون فيها؟ لأن الاسم يشمل جميعهم؟ وقال أصحاب الرأي: الوصية باطلةً لأنها لغير معين».
٨ - وفي أصول السرخسي: قال أبو حنيفة - ﵀ - فيمن أوصى لبني فلان؟ وله بنون لصلبه؟ وأولاد البنين؟ فإن أولاد البنين لا يستحقون شيئًا؟ لأن الحقيقة مرادةً فيتنحى المجاز؟ لعدم جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معًا.
وذهب ابن قدامة في المغني إلى أن بني فلان لم يكونوا قبيلة فهو لولده لصلبه؟ ولا يدخل أولاد الأولاد إلا بقرينة. ثم قال: ويحتمل أن يدخل
[ ١ / ١٥٧ ]
ولد البنين في الوصية إذا لم تكن قرينة تخرجهم؟ لأنهم دخلوا في اسم الولد في كل موضع ذكره الله تعالى من الإرث والحجب وغيره.
٩ - ونقل السرخسي في أصوله عن كتاب السير أنه إذا استأمنوا على آبائهم لا يدخل أجدادهم في ذلك لعدم حمل اللفظ؟ وهو «الآباء» على حقيقته ومجازه معًا.
وإذا استأمنوا على أمهاتهم لا تدخل الجدات في ذلك؟ لأن الحقيقةً مراده فيتنحى المجاز؟ ولا يجوز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه في آن واحد.
ولم أجد قولًا للشافعيةً في خصوص مسالة الاستئمان؟ ولكن أصولهم تقتضي دخول الأجداد والجدات؟ حملًا للفظ على حقيقته ومجازه.
١٠ - ونقل السرخسي في أصوله أنه قال في الجامع: لو أن عربيًا لا ولاء عليه أوصى لمواليه؟ وله معتقون ومعتق معتقين فغن الوصية لمعتقه فقط؟ وليس لمعتق المعتق شيء؟ لأن اسم الموالي للمعتقين حقيقة؟ وأما المعتق فيسمى مولى مجازًا؟ وإذا صارت الحقيقة مرادةً يتنحى المجاز. ولا يحمل اللفظ على حقيقته ومجازه معًا.
ولم أجد قولا للشافعيةً في خصوص هذه الصورة. ولكن أصولهم تقتضي أن يحمل اللفظ على المعتقين ومعتق المعتقين.
في هذا العدد من الفروع الفقهية المترتبة على هذه القاعدةً الأصوليةً تظهر ثمرةً النزاع فيها.
[ ١ / ١٥٨ ]
وكما ذكرنا أن القول بعدم حمل اللفظ المشترك على معنييه؟ وكذلك اللفظ الذي له معنيان حقيقي ومجازي منسوب للحنفية. ولكن توجد بعض الفروع الفقهية حمل فيها الحنفية؟ وخاصة قاضي القضاة أبو يوسف ومحمد بن الحسن اللفظ على معنييه. واختلف العلماء إزاء ذلك على قولين فبعضهم يرى أن القاضي أبا يوسف ومحمد بن الحسن يقولان بحمل اللفظ على معنييه؟ وبعضهم مثل السرخسي يرى أن هذه الفروع خارجة عن القاعدة؟ وسنذكر بعض هذه الفروع. ومن ذلك ما ذكره السرخسي وغيره من اصولي الحنفية.
١ - قال السرخسي: قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إذا قال: لله علىّ أن أصوم رجب ونوى به اليمين كان نذرًا ويمينًا؟ واللفظ للنذر حقيقة ولليمين نذرًا.
٢ - من حلف أن لا يضع قدمه في دار فلان يحنث إذا دخلها ماشيًا أو راكبًا؟ حافيًا أو منتعلًا؟ مع أن حقيقةً وضع القدم أن يكون حافيًا.
٣ - قال السرخسي: قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن - رحمهما الله - إذا حلف أن لا يشرب من الفرات؟ فأخذ الماء من الفرات في كوز فشربه يحنث كما لو كرع في الفرات؟ وعند أبي حنيفة لا يحنث إلا بالكروع.
٤ - وعند القاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن - رحمهما الله - أنه لو حلف لا يأكل من هذه الحنطةً فأكل من خبزها يحنث كما لو أكل عينها؟ وفي هذا جمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ في حالةً واحدةً.
وعند أبي حنيفة لا يحنث إلا إذا أكل من عين الحنطة قبل طحنها.
[ ١ / ١٥٩ ]
٥ - لو قال: يوم يقدم فلان امرأته طالق. فقدم ليلًا أو نهارًا يقع الطلاق واسم اليوم للنهار حقيقة ولليل مجازًا.
٦ - لو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا يسكنها فلان عاريةً أو بأجر يحنث كما لو دخل دارا مملوكةً له.
٧ - قال محمد بن الحسن في السير: ولو استأمن على بنيه يدخل بنوه وبنو بنيه وهو مخالف لما سبق نقله عن الإمام أبي حنيفة من القول بعدم دخول بني بنيه.
٨ - لو استأمن على مواليه؟ وهو ممن لا ولاء عليه يدخل في الأمان مواليه وموالي مواليه.
وهو مخالف لما سبق عن جمهور الحنفية في القول بعدم دخول موالي مواليه.
والسرخسي اعتذر عن هذه الفروع. فقال إن ظاهرها الخروج عن أصلهم؟ ولكنها في الواقع إنما حمل فيها اللفظ على معنييه من باب العموم في المجاز.
فمثلا يقول: إن المقصود بالحلف عن دخول دار فلان هو مكان سكناه؟ وهو شامل لكونه حافيا او منتعلًا مالكًا أو مستأجرًا؟ ماشيًا أو راكبًا.
وكذلك يقول: إن المقصود بطلاق زوجته يوم قدوم فلان هو وقت قدومه؟ وهو شامل لليل والنهار.
ومع هذا فقد توجد بعض الفروع يتعذر الاعتذار عنها بهذا العذر وذلك مثل حمل الحنفية قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾. على الأمهات والجدات؟ والبنات وبنات البنات.
[ ١ / ١٦٠ ]
وحملوا قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ على الآباء والأجداد عملًا للفظ على حقيقته ومجازه؟ ولا أظن أن عندهم عن هذا الحمل جواب معتد به يصلح للاعتذار. والله أعلم.
وبهذا انتهى الكلام على هذه المسالةً الأصوليةً اللغوية الهامة؟ تحريرًا لعنوانها؟ ولحل النزاع فيها؟ ولأقوال أهل العلم وأدلتهم على اختلاف مناهجهم؟ مع مناقشتها؟ وبيان الراجح؟ ثم ختمنا البحث فيها ببيان بعض الفروع الفقهية المترتب النزاع فيها على النزاع في المسالةً الأصوليةً.
وقد اقتصرت في المبحثين الأخيرين على دراسة مسألتين؟ كل مسألة في مبحث؟ خشية الإطالة والملل.
[ ١ / ١٦١ ]