[١١٧] اعْلَم أَنا نتبع وضع اللُّغَة فِي الْحَقَائِق وَاسْتِعْمَال أَهلهَا فِي التجوزات والتوسعات فَلَا يسوغ لنا أَن نتعدى فِي المجازات مَوَاضِع استعمالهم كَمَا لَا يجوز لنا أَن نتعدى أصل الْوَضع فِي الْحَقَائِق.
[١١٨] وَقد ذكر ﵁ فصلا نَحن ذاكروه. وَهُوَ أَنه الْحَقِيقَة تتعدى إِلَى جَمِيع مَا وضعت لإفادته وَإِن لم تصادف جَمِيعهَا منصوتة لَهُم.
[ ١ / ١٨٧ ]
وَبَيَان ذَلِك أَنهم لما سموا من يصدر مِنْهُ الضَّرْب منا ضَارِبًا فيطلق اسْم الضَّارِب على من يصدر مِنْهُ الضَّرْب من الضاربين. وَإِذا نقل عَنْهُم واسئل الْقرْيَة والرباع والأطلال على إِرَادَة أَهلهَا فَلَا يعدى ذَلِك عَن مورده حَتَّى نقُول واسأل الدَّوَابّ. ونعني أَهلهَا. وَهَذَا سديد، وَلَكِن لَو رد إِلَى التَّحْقِيق لم يقتض كَبِير معنى فَإِن الأَصْل أننا فِي الْحَقَائِق نتبع أصل الْوَضع، وَفِي الْمجَاز نتبع اسْتِعْمَال أهل اللُّغَة.
وَإِنَّمَا نسمي كل من يصدر مِنْهُ الضَّرْب ضَارِبًا متبعين لَا قائسين وَلَا معتبرين فَإِن الصَّحِيح عندنَا منع الْقيَاس فِي اللُّغَات وَلَكِن ثَبت بِأَصْل [١٢ / أ] الْوَضع نصا أَنهم مَا / خصصوا الضَّارِب بِجِنْس بل سموا كل من يصدر مِنْهُ الضَّرْب ضَارِبًا. وَلَو ثَبت عندنَا استعمالهم نصا أَن كل مَا ينتسب إِلَى أهل وَمَال يعبر عَن صَاحبه مجَازًا لأطلقنا ذَلِك عُمُوما كَمَا أطلقناه فِي الضَّارِب وَنَحْوه من حقائق اللُّغَات. فَدلَّ أَن محصول الْكَلَام منع الْقيَاس فِي اللُّغَات وَيتبع الْوَضع فِي الْحَقَائِق والاستعمال فِي الْمجَاز من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان.
[١١٩] ثمَّ ذكر القَاضِي ﵁ طرقا تنفصل بهَا الْحَقَائِق عَن الْمجَاز، بَعْضهَا اتِّفَاق فِي بعض الْمَوَاضِع غير مطرد فِي الْبَابَيْنِ عُمُوما.
فَأول مَا ذكره فِي الْفَصْل بَينهمَا مَا فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا فِي أَن الْحَقِيقَة تعدِي
[ ١ / ١٨٨ ]
عَن موضوعها اتبَاعا لما راموا من الْفَائِدَة فِيمَا نصوا عَلَيْهِ. كالضارب وَنَحْوه بِخِلَاف الْمجَاز. وَقد أشبعنا القَوْل فِيهِ.
[١٢٠] وَالثَّانِي أَن مَا وضع حَقِيقَة تشتق مِنْهُ. وَاسْتِعْمَال الِاشْتِقَاق يجْرِي فِيهِ. وَإِذا اسْتعْمل مجَازًا لم يجر فِيهِ الِاشْتِقَاق.
وَبَيَان ذَلِك أَن حَقِيقَة الْأَمر فِي أصل الْوَضع اقْتِضَاء الْفِعْل من الْمَأْمُور على مَا سنبينه. ثمَّ قد يسْتَعْمل فِي الشَّأْن. فَيُقَال كَيفَ شَأْنك وأمرك. وَهُوَ مجَاز فِي معنى الشَّأْن فَلَا جرم، واشتق من الْأَمر الَّذِي يضاد النَّهْي وَسَائِر مَا يصدر عَن المصادر، وَإِذا اسْتعْمل فِي الشَّأْن لم تصدر عَنهُ النعوت وَالْأَفْعَال. وَهَذَا الَّذِي فِي الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا سديد. وَلَكِن لَيْسَ يطرد فَرب حَقِيقَة لَا تصدر مِنْهُ النعوت. وَهُوَ إِذا لم تكن مصدرا. وَرب مجَاز ورد التَّجَوُّز بنعوت صادرة عَنهُ كَمَا ورد الِاسْتِعْمَال فِي أَصله فَكل مَا حل مَحل المصادر وضعا واستعمالا فالأغلب أَنه تصدر مِنْهُ النعوت فَدلَّ أَن ذَلِك مِمَّا لَا يطرد فِي الْبَابَيْنِ: الْحَقِيقَة وَالْمجَاز.
[ ١ / ١٨٩ ]
[١٢١] وَمِمَّا ذكره فِي الْفَصْل بَينهمَا أَن الِاسْم إِذا اسْتعْمل فِي شَيْء مجَازًا وَجمع فَجَمعه فِي الْحَقِيقَة يُخَالف جمعه فِي الْمجَاز. وَاسْتشْهدَ بِالْأَمر فَإِن الْأَمر إِذا اسْتعْمل فِي حَقِيقَته فَجَمعه الْأَوَامِر. وَإِذا اسْتعْمل فِي الشَّأْن فَجَمعه الْأُمُور. فَلَيْسَ هَذَا أَيْضا مِمَّا يلْزم طرده فَإِنَّهُ قد يتَّفق جَمعهمَا كَمَا أَن [جمع] الْأسد فِي السَّبع الْمَشْهُور وَفِي البطل بِمَثَابَة وَاحِدَة. وَكَذَلِكَ جمع [الْحمار] فِي الدَّابَّة الْمَعْرُوفَة. وَفِي البليد بِمَثَابَة وَاحِدَة، فعندي [أَنه] مَا ذكر هَذِه الفروق لتمييز الْبَابَيْنِ اطرادا، وَلَكِن ذكر ضروبا من الاتفاقات فِي الْفَصْل بَين الْحَقَائِق والتجوزات.