[٢٤٨] اعْلَم، أرشدك الله أَن الْأَوَامِر الْمقيدَة باقتضاء الْإِيجَاب لَا يتَعَيَّن امتثالها إِلَّا بِأَمْر الله وَإِذا اتَّصل بِنَا أَمر من صَاحب الشَّرِيعَة أَو من الإِمَام الْقَائِم على النَّاس فامتثالنا لأوامره امْتِثَال لأمر الله تَعَالَى وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الرَّسُول [ﷺ] إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن أَمْثَاله وَأَضْرَابه بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه فالمعجزة تَتَضَمَّن تَصْدِيقه وَقبُول أنبائه وتحقيقها وَلَيْسَ فِيهَا تضمن وجوب قبُول أوامره. فَيجب أَن نصدقه فِي كل مَا يخبر بِهِ وَالْأَمر الصَّادِر مِنْهُ على الاستبداد لَا يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب، وَلَكِن نقل عَن ربه أمرا دلّت المعجزة على صدقه فِي نَقله فدلتك هَذِه الْجُمْلَة على ان الممتثل على الْوُجُوب أَمر الله ﷿، وَإِذا أطلق ذَلِك فِي غَيره كَانَ توسعا.
(٦٧) فصل
[٢٤٩] اعْلَم، أَن أَمر الله ﷾ قديم على مَذَاهِب أهل الْحق وَمن حكم ثُبُوت الْقدَم اسْتِحَالَة وَصفه بالْحسنِ والقبح، فَإِنَّهُمَا نعتان
[ ١ / ٢٨٤ ]
يعتوران على الْحَوَادِث، إِذْ الْحسن رُبمَا يفهم مِنْهُ انتظام التَّرْتِيب فِي معرض يحلو فِي الأسماع، والأبصار، وَذَلِكَ بِمَا يتقدس عَنهُ الْكَلَام الْقَدِيم. وَقد يُطلق فِي اصْطِلَاح الْمُحَقِّقين وَالْمرَاد بِهِ مَا ورد الْأَمر بالثناء على فَاعله وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِيمَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ فعلا، فَكَذَلِك لَا يُوصف أَمر الْقَدِيم ﷾ بِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ أَو مُبَاحا أَو وَاجِبا أَو صَوَابا فَإِن هَذِه الصِّفَات كلهَا تتخصص بالحادثات ويجل عَنْهَا الْقَدِيم، وَأما الْأَوَامِر الْحَادِثَة الصادرة من الْمُحدثين مقدورة لَهُم فتتصف بالْحسنِ والقبح وَالْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة، فَإِنَّهَا من أفعالهم فَيجوز أَن تتصف بِمَا تتصف بِهِ سَائِر أفعالهم الدَّاخِلَة تَحت التَّكْلِيف.
[٢٥٠] ثمَّ اعْلَم أَن الْمَأْمُور بِهِ قد يكون ندبا وَالْأَمر بِهِ وَاجِب فَإنَّا لَا نستبعد أَن يُوجب الرب تَعَالَى على الرَّسُول ﵇ الْأَمر بالندب فَيكون الْأَمر وَاجِبا عَلَيْهِ والمأمور بِهِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي حق الْمَأْمُور.