[٤٣٦] ذهب بعض من لَا معرفَة لَهُ بالحقائق إِلَى أَن الصّيام يجب على الْحَائِض فِي زمن الْحيض وَلكنهَا لَا تتمكن مِنْهُ فتقضيه عِنْد ارْتِفَاع الْمَانِع وَهَذَا محَال فَإِن الْأمة أَجمعت على أَن الْوَاجِب هُوَ الصّيام الصَّحِيح ثمَّ اتَّفقُوا
[ ١ / ٤٢٢ ]
على أَنه لَا يَصح من الْحَائِض الصّيام كَيفَ وَقد أَجمعُوا على أَنَّهَا لَو أَمْسَكت عَن المفطرات ناوية صَومهَا عَصَتْ الله، وَكَيف يجب عَلَيْهَا صَوْم صَحِيح وَلَا يتَصَوَّر مِنْهَا التَّوَصُّل إِلَى الصَّوْم الصَّحِيح.
[٤٣٧] فَإِن قيل الْأَمر بِالصَّلَاةِ مُتَوَجّه على الْمُحدث وَلَا يَصح مِنْهُ مَعَ حُدُوثه وَكَذَلِكَ الْأَمر بالشرائع مُتَوَجّه على الْكفَّار مَعَ اسْتِحَالَة وُقُوعهَا على الصِّحَّة مَعَ بَقَاء الْكفْر، قيل لَهُم: يتَصَوَّر من الْمُحدث التَّسَبُّب إِلَى رفع الْحَدث وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْكَافِر وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي الْحيض فافترق الْأَمْرَانِ وتباين البابان.
[٤٣٨] فَإِن قيل أَلَيْسَ يجب عَلَيْهَا الْقَضَاء؟ .
قيل لَهُم: وجوب الْقَضَاء لَا يتلَقَّى عندنَا من وجوب الْأَدَاء فَإنَّا نقُول وَإِن ثَبت وجوب الْأَدَاء ثمَّ فَاتَ لم يجب الْقَضَاء إِلَّا بِأَمْر مُجَدد.
[٤٣٩] فَإِن قيل: أَلَيْسَ اسْم الْقَضَاء إِنَّمَا يتَنَاوَل بعد تَحْقِيق فَوَات وَاجِب؟ .
قُلْنَا هَذَا تمسك بالعبارات الدائرة فِي بعض الْفُقَهَاء وَلَيْسَت عبارَة شَرْعِيَّة فَيصح التَّمَسُّك بهَا، ثمَّ نقُول اسْم الْقَضَاء يَنْقَسِم فقد ينْطَلق بعد فَوَات وَاجِب وَقد ينْطَلق بعد فَوَات وجوب إِذا كَانَ فِي حق مُكَلّف على الْجُمْلَة، وتجوزنا بقولنَا فِي «حق مُكَلّف» عَن الصَّبِي يبلغ فينتدب لامتثال / الْأَوَامِر وجوبا، فَإِن مَا يبدر مِنْهُ لَا يُسمى قَضَاء لِأَن مَا فَاتَ وُجُوبه [٥٢ / ب]
[ ١ / ٤٢٣ ]
كَانَ فِي زمَان سُقُوط التَّكْلِيف فَتبين بذلك أَن مَا عولوا عَلَيْهِ رُجُوع إِلَى مَحْض الْعبارَات.
[٤٤٠] فَإِن قيل: أَلَيْسَ يجب عَلَيْهَا أَن تنوي قَضَاء الصَّوْم فَهَذَا رَاجع إِلَى الحكم دون الْعبارَة.
قُلْنَا: الْمَقْصُود من النيات التَّمْيِيز فِي الْعِبَادَات، فَأمرت أَن تميز بَين الصَّوْم الْموقع فِي غير رَمَضَان وَبَين الصَّوْم الْموقع فِي رَمَضَان، فَلَو تأتى بهَا التميز بِغَيْر لفظ الْقَضَاء وَالْأَدَاء صَحَّ صَومهَا، وَفِي الْفُقَهَاء من لم يَجْعَل للفظ الْقَضَاء وَالْأَدَاء حكما.
[٤٤١] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي الْمُسَافِر فِي حكم الصّيام؟
قُلْنَا: حكمه فِي الصّيام حكم الْمُكَلف فِي الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت فَإِن أَقَامَهَا فِيهِ كَانَ مُؤديا فرضا، وَإِن أَخّرهَا عَازِمًا على فعلهَا فِي الِاسْتِقْبَال جَازَ لَهُ تَأْخِيرهَا فَقَامَ الْعَزْم مقَام مَا ترك فِي أول الْوَقْت فَكَذَلِك القَوْل فِي الْمُسَافِر إِن أَقَامَ الصّيام فِي سَفَره فقد أدّى فرضا، وَإِن أَخّرهُ إِلَى الْإِقَامَة سَاغَ تَأْخِيره، بِشَرْط الْعَزْم على إِقَامَتهَا.
[٤٤٢] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي الْمَرِيض؟
قُلْنَا: إِن كَانَ يتَصَوَّر مِنْهُ الصّيام فَحكمه حكم الْمُسَافِر وَإِن كَانَ لَا يتَصَوَّر مِنْهُ لزوَال عقل أَو غَيره فَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ كَمَا لَا يتَعَلَّق
[ ١ / ٤٢٤ ]
بالحائض وَقد صَار بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنه إِذا كَانَ فِي مَرضه بِحَيْثُ يجهده الصَّوْم وَإِن تصور مِنْهُ على ضرّ ومقاشاة كلفة فَلَا يجب عَلَيْهِ الصَّوْم، لَا مضيقا وَلَا موسعا، بِخِلَاف الْمُسَافِر وَرُبمَا يمِيل القَاضِي إِلَى ذَلِك فِي بعض كتبه ويفصل بَين الْمَرِيض وَالْمُسَافر فَإِن الْمَرِيض خفف عَنهُ لما يَنَالهُ من الْمَشَقَّة فَلم يصفه بِكَوْنِهِ مُخَاطبا بِالصَّوْمِ وَأما الْمُسَافِر فَلَا مشقة عَلَيْهِ فِي الصّيام، والرخصة فِي حَقه تفسيح فِي التَّأْخِير، وَلَيْسَ تحط الْوُجُوب وَالصَّحِيح غير ذَلِك فَكل من يَصح مِنْهُ الصَّوْم الْمَفْرُوض فَيكون من أهل الْتِزَامه إِمَّا على التَّضْيِيق وَإِمَّا على التَّوَسُّع، وَمَا أَوْمَأ إِلَيْهِ من الْفَصْل لَا يكَاد يَتَّضِح.