٨١٨ - باب نذكر فيه (بيان) الحقيقة والمجاز وحدهما ليعلما ونقدم حقيقة الكلام وهذا الباب يجب أن (يجعل) في أول الكتاب وقد ذكرناه هاهنا لأنه (مما) يفتقر (إلى) معرفة المجمل والمفسر.
٨١٩ - فصل: حقيقة الكلام: ما انتظم (من) حرفين فصاعدًا، من الحروف المسموعة المتميزة.
وبهذا الحد ينفصل الكلام مما ليس بكلام، لأنه ينفصل من الإشارة لأنها لا (تنتظم)، ومن الحرف الواحد لأنه ليس بحرفين، ومن حروف الكتابة لأنها ليست مسموعة، ومن أصوات كثير من البهائم، لأنها ليست بحروف متميزة.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وقال بعضهم: حد الكلام ما كان مفيدًا، ويلزمه على هذا أن تكون الإشارة (والفعل) كلامين.
وقال بعضهم: من شرط الكلام ما وقع عليه المواضعة.
وهذا فاسد من وجهين: أحدهما، أن أهل اللغة قسموا الكلام إلى: مهمل، ومستعمل، فجعلوا المهمل كلامًا وإن لم يوضع لشيء، والمستعمل ما وضع ليستعمل في المعاني، والآخر (أنه) يلزمه أن لا تكون الحروف المؤلفة كلامًا إذا لم يقع عليها الاصطلاح.
فإذا ثبت هذا، فالكلام المستعمل على (ضربين): أحدهما: يفيد صفة فيما استعمل (فيه)، كقولنا: أسود وطويل، والآخر: لا يفيد صفة (فيما) استعمل فيه.
وهو ضربان: أحدهما، فيه معنى الشمول كقولنا: شيء وضع لكل ما يصح أن يعلم.
والثاني: ليس (فيه) معنى الشمول، كأسماء الأعلام كزيد وعمرو، فإن من سمى ابنه زيدًا، لا يجب أن يشارك بينه وبين
[ ٢ / ٢٤٨ ]
غيره في الاسم، فأما اللقب فإنه يجري مجرى الإشارة، لأنه يفيد صفة مخصوصة، ألا ترى أن صفات الملقب تنقص وتزيد فلا يتغير اسمه؟ ويجوز أن يتغير لقبه فيقال: أعرج وأعمى وما أشبه ذلك. فصار الكلام المستعمل على ضربين: أحدهما لقب والآخر ليس بلقب، فاللقب لا تدخله الحقيقة والمجاز، وما ليس بلقب يدخله الحقيقة والمجاز.
٨٢٠ - فصل: حد أبو الحسين الحقيقة (بأنها): "ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح (الذي وقع التخاطب فيه) وقد دخلت فيه الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية.
والمجاز: ما أفيد به معنى مصطلحًا عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة.
وحدها أبو عبد الله البصري وعبد الجبار بأن الحقيقة: ما أفيد بها ما وضعت له.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
والمجاز: ما أفيد به غير ما وضع له.
وهو أقوى من الأول لأن الأول عنده إذا قال الواضع: سموا هذا حائطًا أو قال قد سميت هذا حائطًا لا يكون قوله في تلك الحال حقيقة ولا مجازًا لأنه/٧٩ ألم يتقدم (ذلك) مواضعة واصطلاح، وهذا خطأ لأن الكلام إذا خلا عن حقيقة ومجاز كان مهملًا، وهذا كلام مفهوم غير مهمل.
فإن قيل: فحدكم يلزم عليه أن يكون من استعمل (اسم) السماء (في الأرض قد) تجوز به لأنه (قد) أفاد به غير ما وضع له.
قلنا: كذا نقول، ومن سلم قال: الأرض (لا) تعقل من اسم السماء، والأسد في الشجاع يفهم إذا علمنا أنه لم يرد باللفظ الحقيقة، ولهذا لو أطلق قوله أسد جوز السامع أن يكون قد استعمله في (الشجاع)، ولا يجوز (إذا) أطلق السماء أن يكون قد استعملها في الأرض.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
٨٢١ - فصل: اختلفوا في الاسم المشترك بين شيئين هل هو حقيقة فيهما مثل قولنا: قرء، هل هو حقيقة في الحيض، وحقيقة في الطهر؟
فقال أكثر الناس: هو حقيقة فيهما، ومنع الأقل من ذلك.
وذكروا (أن الغرض من المواضعة) تمييز المعاني (بالأسماء) ليقع بها الإفهام، فلو وضعوا لفظة واحدة لشيء ولخلافه على البدل لم يفهم بها أحدهما، وفي ذلك نقض الغرض بالمواضعة، وهذا غلط، لأنه لا يمتنع أن تضع قبيلة سام القرء للحيض، وتضعه أخرى للطهر ويشيع ذلك، ويخفى (أن الاسم موضوع لهما من قبيلتين، ويفهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل لما شاع) وثبت.
جواب آخر: أن المواضعة تابعة للأغراض، وغير ممتنع أن يكون للإنسان غرض في تعريف غيره شيئًا مفصلًا تارة، ومجملًا (تارة)، (نحو أن يرى سوادا). (فيقول): يا عمر
[ ٢ / ٢٥١ ]
أرى سوادا، أو يقول يا عمر أرى لونا، ولأن أهل اللغة قالوا قولنا (شفق وقرء من) أسماء الأضداد، وهو اسم مشترك.
٨٢٢ - فصل: الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع حقيقة في مسمياتها، مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، فيكون حد الاسم الشرعي: ما استفيد بالشرع وضعه للمعنى، سواء عرفه أهل اللغة أو لم يعرفوه، فإذا أطلق (الشرع) الأمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج حمل على الشرعية، وبه قال عامة المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة.
وقالت الأشعرية: لم ينقل شيء من الأسماء من اللغة إلى الشرع، ولا يجوز ذلك بل الاسم باق على ما كان (عليه) في
[ ٢ / ٢٥٢ ]
اللغة، وضم الشرع إليه أفعالًا، فالصلاة اسم الدعاء وضم الشرع إليها ركوعًا وسجودًا وقيامًا وجلوسًا وذكرًا، وكذلك الصيام عبارة عن الإمساك وضم الشرع إليه النية.
وعن الشافعية كالمذهبين.
والكلام في فصلين: أحدهما (في) جواز نقل ذلك (وحسنه).
(والثاني في) أنه قد نقل.
٨٢٣ - أما الأول فالدليل عليه (أنا نقول: الاسم قد يكون اسمًا لمعنى) غير واجب له وإنما هو تابع للاختيار، بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة، وأنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير ما سمي به، نحو أن (يسمى السواد بياضًا) /٧٩ ب إلى غير ذلك، وإذا ثبت ذلك، جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معناه (ونقله) إلى غيره لأنه تابع للاخيتار.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
فإن قيل: لو جاز ذلك لكان فيه قلب الحقائق وذلك مستحيل.
قلنا: إنما يستحيل ذلك، لو استحال انفكاك الاسم عن المعنى، (وقد بينا أن المعنى يجوز) أن ينفك عن الاسم، والاسم ينفك عن المعنى.
والدليل على حسنه: أنه لا يمتنع أن يكون في (هذا) النقل مصلحة، كما لا يمتنع أن يكون في تكليف العبادة مصلحة، والمصلحة وجه حسن.
٨٢٤ - دليل آخر: أن الشريعة قد جاءت بعبادات لم تكن معروفة في اللغة، فلم يكن بد من (وضع اسم) لها لتتميز به (عن) غيرها، كما وضع أهل الصنائع لكل ما استحدثوا من الأدوات أسماء تعرف بها عند الحاجة إلى ذكرها، وكذلك إذا ولد للإنسان مولود سماه ليميزه (عن) غيره.
فإن قيل: نقل الاسم (عن) معناه إلى معنى آخر يقتضي تغيير الأحكام المتعلقة به، لأنه إذا أمر بالصلاة وهي الدعاء ثم نقلها إلى هذه الأفعال تغير الحكم وهذا قبيح.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قلنا: هذا لا يقبح كما لا يقبح النسخ، على أنه لو سلم فهذا في الاسم الذي تعلق به فرض، فلم منعت في الاسم الذي لم يتعلق به فرض؟ على أن فرض الدعاء لا يسقط (بأن) ينقل الله ﷾ اسم الصلاة إلى هذه الأفعال والأقوال، ولو وجب سقوطه بذلك لأمكن أن يدلنا الله تعالى على أنه لا يسقط بأن يقول: ما كانت (أوجبته بالدعاء) فوجوبه باق عليكم.
٨٢٥ - فأما الدليل على أن الشرع (قد) نقل بعض الأسماء، وهو الفصل الثاني أنا نقول: "صلاة" لم يكن مستعملًا في اللغة لمجموع هذه الأفعال الشرعية لأن أهل اللغة لم يعرفوا هذه الصلاة ولا شروطها، ثم صار اسمًا لمجموعها حتى لا يعقل من إطلاقه سواه.
فإن قيل: الصلاة في اللغة عبارة عن الاتباع، ولهذا يسمون الفرس مصليا إذا تبع الأول، وكذلك الطائر، فإذا تبع المأموم الإمام قيل هو مصل على ما وضع في اللغة. قلنا: فيجب أن لا تسمى صلاة (الإمام والمنفرد) صلاة، وأن من أطلق المصلى في الشرع لا يعقل منه إلا المتبع ومعلوم أن هذا لا يخطر ببال السامع والمتكلم، (وإنما) يعبر به عمن أتى بهذه الأفعال.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فإن قيل: إنما سميت بذلك للدعاء الذي فيها.
قلنا: إن عنيتم أن الصلاة تقع على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء فقد سلمتم ما نريده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده في اللغة، ولا يضرنا أن تعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال بما ذكرتموه.
وإن أردتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال، فذلك باطل، لأن المفهوم من قولنا: صلاة جملة الأفعال ولهذا نقول: فلان في الصلاة إذا كان في هذه الأفعال وإن لم يكن في الدعاء، وقد خرج من الصلاة إذا فرغ من أفعالها/٨٠ أوإن كان متشاغلًا بالدعاء.
(جواب آخر: أنه يجب أن لا تسمى صلاة الأخرس صلاة، لأنه لا دعاء فيها وكذلك الأمي، ولم يقل ذلك أحد).
جواب آخر: أنه يجب إذا أتى بالدعاء وأخل بالقراءة والركوع والسجود أن تقولوا إنه قد صلى. وقد أتى بالصلاة ولم يقل ذلك أحد.
٨٢٦ - دليل آخر: أن قولنا: صوم (كان) يفيد في اللغة الإمساك ليلًا ونهارًا، وهو يفيد في الشريعة إمساكًا مخصوصًا.
وقولنا: زكاة يفيد في اللغة (النماء) تقول العرب إذا كثرت
[ ٢ / ٢٥٦ ]
المؤتفكات: زكا الزرع، أي (إذا) كثرت الرياح، زاد (الزرع)، ثم جعل في الشرع اسمًا لإخراج جزء من المال طهرة، وذلك في الحقيقة نقصان (وليس بزيادة).
وكذلك الحج القصد. ولو نوى الإحرام وهو (واقف) بعرفة صار حاجًا ولم يقصد فدل على أن الاسم منقول.
٨٢٧ - دليل آخر: أن الشرع سمى إسلامًا وإيمانًا لمعاني مخصوصة وكذلك سمى من رد على النبي ﷺ كافرًا، ومن شرب الخمر وزنى فاسقًا، وهذا مما لم يضعه أهل اللغة ولا عرفوه، ولذلك جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في صورة رجل فقال: "يا محمد ما الإسلام"؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وذكره. فقال: ما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته، وذكره. فقال ﷺ: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم." فلولا أن الاسم شرعي ما احتاج إلى بيانه لأن العرب تعرفه.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فإن قيل: إلا أن صاحب الشريعة بعث ليعلمنا الأحكام لا الأسماء.
قلنا: إلا أنه إذا وضع حكمًا لابد أن يضع له اسمًا يعرفنا إياه، ليميزه عن غيره، فصار ذلك عائدًا إلى الأحكام.
٨٢٨ - احتج بأن قال: الله سبحانه خاطب نبيه بلسان العرب، وكذلك خطاب الرسول لهم بلسانهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ فيجب أن يكون الاسم ما سموه.
الجواب: أن الشرع إذا وضع أسماء لمعان فإن ذلك لسان العرب ولغتهم، لأنه مؤيد بالفصاحة العربية والحكمة الإلهية، ولا فرق بين أن يضع لها اسمًا مبتدأ لم تعرفه العرب، وبين أن ينقل إليها اسمًا من أسماء اللغة يستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، ولا يكون بذلك تاركًا للغة العرب.
٨٢٩ - احتج بأنه لو كان في الأسماء منقول، لبينه الرسول ﷺ، ولو بينه لعلمناه كما علمتموه.
(الجواب: أنه قد) بينه بيانًا عامًا ظاهرًا، لأنه سمى هذه الأفعال صلاة في أي موضع ذكرها، وكذلك الحج والصوم والزكاة، حتى إذا أطلقت لم يفهم السامع غيرها.
جواب آخر: أنه ليس من شرط الاسم الموضوع أن يعلمه
[ ٢ / ٢٥٨ ]
كل أحد بدليل أسماء الآلات (التي للصناع)، وغير ذلك، ولهذا قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم" فبين، ثم اختلفوا في إحرامه هل كان قارنًا أو مفردًا؟ وفي أفعاله.
٨٣٠ - احتج بما هو عمدة لهم قال: لو كان قولنا: صلاة قد نقل إلى معنى شرعي، لكان ذلك معلومًا محصلًا، وليس الأمر كذلك.
فإن قلتم: إنه معلوم لأنه عبارة عن القراءة والركوع والسجود/٨٠ ب فيجب أن تكون صلاة الأخرس ليست بصلاة ل، هـ لا قراءة فيها، وصلاة الجنازة والمريض الموميء لا ركوع فيها ولا سجود فإذا لم يكن محصلًا، علم أن الاسم ما انتقل.
الجواب: أنه إذا كان يفيد ما أفاد به في اللغة (من الدعاء) لم تسم صلاة (الأخرس) صلاة، ولا صلاة الأمي لأنه لا دعاء فيها.
جواب آخر: أن قولنا صلاة، نقل إلى معان مختلفة وليس ذلك يمتنع، كما لا يمتنع كون الاسم اللغوي مشتركًا بين أشياء مختلفة كالعين واللون، وإنما وضع له قولنا صلاة بالإضافة إما إلى الوقت
[ ٢ / ٢٥٩ ]
كقولنا:" صلاة عيد وصلاة جمعة (وصلاة ظهر) وما (أشبه ذلك) أو بإضافتها إلى المصلى وأحواله كقولنا: صلاة مقيم، (وصلاة مسافر)، وصلاة خائف، (وصلاة آمن)، وصلاة موميء، أو أخرس، وما (أشبه ذلك).
٨٣١ - احتج بأنه لو كان لصاحب الشريعة (النقل) لكان إذا خاطبنا بكلام أو علق حكمًا على سام أن نتوقف فيه، لجواز أن يكون (قد) نقل ذلك الاسم من اللغة إلى الشرع.
الجواب: أنا لا نتوقف، بل نحمله على (مقتضى) اللغة، إلا أن يعلمنا أنه قد نقله إلى معنى شرعي، ألا ترى أن الاسم اللغوي له حقيقة ومجاز؟ فإذا ورد مطلقًا لم نتوقف (وإنما نحمله) على الحقيقة، إلا أن يبين لنا أن المراد به المجاز وكذلك العموم نحمله على الاستغراق، إلا أن يبين لنا التخصيص.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
٨٣٢ - فصل: الأسماء العرفية، ما انتفل (عن) بابه (بغلبة) عرف الاستعمال عليه، لا من جهة الشرع، فيصير حقيقة فيما انتقل إليه من العرف كالغائط اسم للمطمئن من الأرض في اللغة، وهو في العرف (اسم) للنجو الخارج من الإنسان، والراوية اسم للجمل في اللغة (وهو في) العرف اسم للمزادة، والدابة اسم لما دب وهو في العرف اسم للفرس، فإذا أطلق ذلك انصرف إلى الاسم العرفي.
٨٣٣ - وإنما حسن ذلك لأن في انتقاله غرضًا صحيحًا لأن الطباع (قد) تنفر عن بعض المعاني وتتجافى الناس التصريح بها، فيكنون عنه باسم ما اتصل به وقاربه في معناه، كالجماع كنى عنه باسم الملامسة. قال ابن عمر: إن الله تعالى: حيي كريم كنى عن القبيح بالحسن (الجميل)، فكنى عن الوطء
[ ٢ / ٢٦١ ]
(بالملامسة)، والحاجة كنى عنها باسم المكان المطمئن من الأرض، وما تحصل فيه الغرض الصحيح فهو حسن، وقد بينا إمكان نقله بالشرع، كذلك نقله بالعرف.
وكيفية انتقاله بالعرف أن تنقله طائفة من الطوائف، (لأنه يبعد أن) يتواطأ عليه (جميع) أهل اللغة مع كثرتهم، فإذا نقلته طائفة استفاضي فيها وتعدى إلى غيرها، (فيشيع على) طول الزمان (في الكل)، ثم (يفشو) القرن الثاني فلا يعرفون من إطلاق ذلك الاسم إلا ذلك المعنى الذي نقل إليه/٨١ أ. فأما إن تردد في فهم السامع عند إطلاق (الاسم) المعنى العرفي والمعنى اللغوي معًا كان الاسم مشتركًا فيهما على سبيل الحقيقة كالقرء والشفق.
٨٣٤ - إذا ورد ماله حقيقة في اللغة وحقيقة في الشرع كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال شيخنا: (هي) مجملة وهو قول بعض الشافعية ويقوى عند أن
[ ٢ / ٢٦٢ ]
تقدم الحقيقة الشرعية، لأن الآية غير مجملة، (بل تحمل) على الصلاة الشرعية لأنه قد ثبت بما تقدم أن اسم الصلاة والزكاة (والحج) والصوم والوضوء، منقول من اللغة إلى الشرع، وأنه في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة، فإذا أمرنا الشرع (فظاهره) يقتضي أنه أراد (الحكم) الذي وضع له الاسم، لأنه ﷺ بعث لبيان ذلك، لا لبيان غيره من الأسماء، ولأن الشرع (طاريء)، فصار كالناسخ مع المنسوخ للاسم، والخاص بعد العام.
قالوا: (اللفظ له) حقيقة في اللغة، وحقيقة في الشرع، فإذا ورد (ما يتناول حقيقتين) مطلقًا لم يعلم ما أراد، فصار كالقرء والشفق.
الجواب: أنا قد بينا أن الشرع إذا وضع اسما لحكم ثم أمر بذلك الاسم فالظاهر أنه أمر بذلك الحكم لا غير، بخلاف القرء والشفق فإنهما حقيقيان في اللغة فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر، والشرع واللغة إذا اجتمعا قدم الشرع (لقوته) في الحكم ولأنه حادث على اللغة.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
فإن قيل: فلم لا تحمل الآية على العموم؟
قلنا: لأن العموم ما يتناول شيئين فصاعدًا لا مزية لأحدهما على الآخر، وهاهنا الشرع أظهر من اللغة على ما بينا ولأنه (لا) أحد قال نحمله على هذه الأفعال (وعلى الدعاء) معًا. والله أعلم.
٨٣٥ - فصل: ذهب أكثر الناس إلى أن في اللغة مجازًا، ومنع قوم من ذلك.
ولا يخلو منعهم أن يقولوا: إن أهل اللغة (لم يستعملوا) اسم الحمار في البليد، واسم الأسد في الشجاع، وما (أشبه ذلك) من الأسماء التي نقول إنها مجاز، فهذه مكابرة لا يكلم مرتكبها، أو يقولوا: إن أهل اللغة وضعوا اسم الحمار للبليد، واسم الأسد للشجاع، كما وضعوه للبهيمة فهذا باطل لأنا نعلم أن السابق إلى فهم من سمع قائلًا يقول: مر بي حمار، أن المار بهيمة ورأيت
[ ٢ / ٢٦٤ ]
أسدًا. أنه بهيمة، فلو كان وضعهما سواء لما سبق إلى الفهم (أحدهما)، (ولهذا لو) قلت: هذا أسد للرجل. قيل لك بل هو رجل فتحتاج أن تقول هو كالأسد في القوة والإقدام، فصار تسميته بالأسد تشبيها، فدل على أنه مجاز.
فإن قيل: فإذا كانت الحقائق تعم المسميات (فلماذا) تجوز بالأسماء (في) غير ما وضعت له؟
قلنا: لأن في المجاز من المبالغة ما ليس في الحقيقة، ولهذا إذا وصفنا البليد بأنه حمار كان أبلغ في إبانة بلادته من قولنا بليد.
وقد يحصل الكلام مجازًا بضرب من الحذف طلبًا/٨١ ب للتخفيف.
فإن قيل: أهل اللغة لم يسموا البليد حمارًا مجازًا، بل هو مع قرينته حقيقة.
قلنا: كتب (أهل) اللغة مملوءة بالمجاز والحقيقة فأما قولهم: هو مع قرينته حقيقة غلط لأنه لو كان حقيقة لم يحتج إلى قرينة. كأسماء الحقائق المستعملة في المعاني لا تحتاج إلى قرينة.
٨٣٦ - فصل: نص أحمد ﵀ على أن في القرآن
[ ٢ / ٢٦٥ ]
مجازًا فيما خرجه من متشابه القرآن وبه قال عامة العلماء، وقالت طائفة من أهل الظاهر لا مجاز فيه، وقد ذهب إليه بعض أصحابنا.
٨٣٧ - لنا أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب، وفي لغتهم الحقيقة والمجاز على ما بيناه، فيجب أن يكون في القرآن كذلك.
٨٣٨ - دليل آخر: أنه قد نزل القرآن بالمجاز فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ وأراد (أهل القرية) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾، وعيسى ليس بقول (الحق) وإنما هو صاحب قول الحق، وقال: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ ولا إرادة للجدار، (وإنما الإرادة لله تعالى).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
٨٣٩ - دليل آخر: أن المجاز ما أفيد به غير ما وضع له، وذلك يحصل إما بزيادة أو نقصان أو استعارة أو تقديم أو تأخير، وقد وجد جميع ذلك في القرآن.
فالزيادة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (والمراد ليس) مثله شيء.
والنقصان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ والمراد (به) أهل القرية، (وقوله): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ أي حب الجعل. والاستعارة كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (أراد بالصلوات) المساجد.
والتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ والمراد أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فإن قيل: جميع ذلك ليس بمجاز وإنما هو زيادة في الكلام وحذف منه، فأما سؤال القرية والعير فيجوز أن تنطق الجمادات للأنبياء.
قلنا: إلا أن الزيادة والنقصان لم توضعا في حقيقة اللغة، ولهذا (قد) صنف أهل اللغة كتبًا وسموا ذلك وأشباهه مجازًا، فإن امتنعتم من الاسم مع الموافقة في المعنى فلا ضير لأنه منازعة في عبارة، والقرية المراد بها أهلها قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (والقرية لا) تحاسب ولا تعذب، ثم قد بين أنه أراد أهلها لأنه قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولم يقل لها.
٨٤٠ - احتج الخصم بأن قال: المجاز لا ينبيء عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يقتضي الإلباس، والقرآن نزل بيانًا.
الجواب: أنه لا إلباس (مع) القرينة الدالة على المراد.
جواب آخر: أن في القرآن ما ليس بمبين قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلو كان كله على لفظ الحقيقة لم يحتج إلى بيان.
٨٤١ - احتج بأن العدول (عن الحقيقة) إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وذلك/ ٨٢ أمستحيل في صفة الله سبحانه.
الجواب: أنه إنما يفتضى العجز لو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة، لأن فيه زيادة فصاحة واختصار ومبالغة في التشبيه، ولو لم يكن فيه هذه المعاني، لجاز أن يكون فيه مصلحة لا نعلمها.
جواب آخر: أنا قد بينا أن المراد أن يأتي بالقرآن على لغة العرب ومذاهبهم ليبين عجزهم عن الإتيان بمثله وهو على طريقتهم ولهذا (كرر): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ و﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وما أشبه ذلك كما تفعل العرب في كلامها (لا للحاجة) - ﷾ (عن) ذلك - ولأنه لو جاز أن يقال: كلامه بالمجاز للحاجة، (يفسر) كلامه بالحقيقة للحاجة.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
فإن قيل: كلامه بالحقيقة لحاجة عباده إلى ذلك.
قلنا: وكذلك كلامه بالمجاز لحاجتهم أيضًا.
٨٤٢ - احتج بأنه لو كان فيه مجاز واستعارة لسمى تعالى متجوزًا ومستعيرًا في (كتابه).
الجواب عنه: أن إطلاق وصفه بالتجوز يوهم (التسمي) بالقبيح ولهذا (إذا قيل فلان) متجوز في أفعاله (فهم منه أنه يتسمى بالقبيح، وإطلاق وصفه بالاستعارة يوهم أنه استأذن غيره في ملكه لينتفع به وذلك) مستحيل على الله تعالى بخلاف التكلم بالمجاز فإن فصاحة وتوسع في اللغة وتحسين اللفظ. ولأن (أسماء الله) تعالى لا تثبت بالقياس والرأي، وإنما تثبت توقفًا فلو ورد الشرع بتسميته بذلك لجوزناه.
٨٤٣ - احتج بأن القرآن جميعه حق، فلا يجوز أن يكون (حقًا) ولا يكون حقيقة.
الجواب: لم يقال كان كذلك ونحن نعلم أن الحق هو الصدق، فأما الحقيقة فهي المستعملة فيما وضعت له سواء كان
[ ٢ / ٢٧٠ ]
ذلك صدقًا أو كذبا، ألا ترى (أن) قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ليس بحق وهو حقيقة فيما وضعوه وأرادوه، وكذلك قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ليس بحق وهو حقيقة من قولهم ووضعهم، وكذلك قول الرسول ﷺ: "يا أنجشة رفقًا بالقوارير" وأراد النساء، ليس بحقيقة وإنما هو استعارة، ثم هو حق فيما أراد النبي ﷺ.
٨٤٤ - فصل: ما (يفرق) به يبين الحقيقة والمجاز يكون بنص (من) أهل اللغة أو بضرب من الاستدلال فأما نصهم (فأن يقولوا) هذا حقيقة (وهذا مجاز، أو يقولوا إذا أريد بهذه اللفظة كذا فهو حقيقة وإذا أريد بها كذا فهو مجاز، أو يحددوا الحقيقة بحد، والمجاز بحد).
وأما الاستدلال: فإن يكونوا إذا أرادوا معنى من المعاني اقتصروا على لفظة مخصوصة، وإن أرادوا بها معنى آخر لم يقتصروا على تلك
[ ٢ / ٢٧١ ]
اللفظة، فعلم أن المعنى الذي اقتصروا عليه هو الحقيقة. (أو) يسبق إلى فهم السامع عند وجود اللفظة من غير قرينة معنى من المعاني فيكون ذلك حقيقتها، أو يستعمل أهل اللغة لفظة في شيء، ولا يدل دليل (آخر) على كونها مجازًا، فيعلم أنها حقيقة ويطرد الاسم في المعنى على الحد الذي استعمل فيه من غير منع شرعي فيكون حقيقة، ومتى لم يطرد كان مجازًا /٨٢ ب كتسميتهم الرجل الطويل "نخلة" هو مجاز لأنه لا يطرد، ولهذا لا يسمى كل طويل من رمح أو شجرة وغير ذلك نخلة.
٨٤٥ - فصل: في أحكام الحقيقة والمجاز. فمن ذلك أنه لا يجوز أن تكون اللفظة مجازًا في شيء، ولا تكون حقيقة في غيره. ويجوز أن تكون حقيقة في شيء ولا تكون مجازًا في غيره، وإنما كان كذلك لأن المجاز ما تجوز به عن موضوعه، وهذا تصريح أنه قد (وضع) لشيء حقيقة ثم تجوز (به) إلى غيره، فأما الحقيقة فما أفيد بها ما وضعت له. (وليس) إذا استعملت فيما وضعت له توجب أن يتجوز بها إلى ما لم توضع له.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
٨٤٦ - فصل ومن ذلك أن يحمل اللفظ على حقيقته إذا تجرد ولا يحمل على مجازه إلا بدليل، لأن واضع الكلام للمعنى إنما وضعه ليكتفي به في الدلالة عليه وليستعمل فيه، فكأنه قال: إذا سمعتموني أتكلم بهذا الكلام فاعلموا (أنني أعني به هذا المعنى دون) ما هو مجاز فيه.
فإن قالوا: في الجاز لنا مثل ذلك.
قلنا: ما يوجد فيه مثل ذلك فهو حقيقة وليس بمجاز.
والله أعلم.
٨٤٧ - فصل: والحقيقة قد يجوز أن تصير بالشرع أو بالعرف مجازًا فيما كانت حقيقة فيه، ويجوز أن يصير بهما المجاز حقيقة فيما كان المجاز فيه.
٨٤٨ - فصل: ومن أحكام الحقيقة والمجاز، أن لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة، لأن المتكلم به إذا عني به ما (عنوه) في الأصل فهو حقيقة، وإن استعمله فيما استعملوه فيه على وجه التجوز فهو مجاز.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
٨٤٩ - فصل: ومن أحكامهما أنهما لا يدخلان أسماء الألقاب، لأن أسماء الألقاب لم تقع على مسمياتها المعينة بوضع أهل اللغة ولا بوضع أهل الشرع، (فلا يقال) إن مستعملها اتبع حقيقة الوضع أو حقيقة الشرع ولا (مجاز فيها).
[ ٢ / ٢٧٤ ]