٩٢٨ - النسخ في اللغة: عبارة عن الرفع والإزالة تقول العرب نسخت الشمس الظل ونسخت الريح آثارهم إذا أزالتها.
فأما قولهم: نسخت الكتاب فمعناه نقلت ما فيه وهذا مجاز، لأن النقل في الحقيقة لم يحصل وإنما كتب مثله فشبه بالنقل (وشبه النقل) بالإزالة، وإذا كان مجازًا في ذلك كان حقيقة في الإزالة لأنه غير مستعمل في سواهما، فإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما كان حقيقة في الآخر وإلا بطل أن يكون الاسم حقيقة في اللغة.
فإن قيل: فما ذكرتم مجاز (أيضًا) لأن الله تعالى هو المزيل للظل والآثار لا الريح والشمس.
قلنا: إنه لما كان الريح والشمس سببين في ذلك أضاف (أهل اللغة الفعل إليهما حقيقة).
جواب آخر: أنه يحتمل أن يعتقد أهل الجاهلية بأن الريح والشمس يزيلان، فيكون الخطأ في معتقدهم لا في تسميتهم.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
٩٢٩ - فأما النسخ في الشرع: فإنه رفع مثل الحكم الثابت. وذهب بعض المتكلمين إلى أنه منقول من اللغة إلى الشرع كما نقل اسم الصلاة والحج، والأظهر أنه مخصوص في الشرع برفع مثل الحكم وإن كان الرفع عامًا في اللغة كما خصت الدابة بالاسم وإن كان غيرها يدب مثلها ولا يقال: إن ذلك منقول وإنما هو مخصوص بالعرف.
٩٣٠ - فصل: الناسخ (هو) الناصب للدلالة الناسخة، يقال: إن الله تعالى نسخ التوجه إلى بيت المقدس فهو ناسخ ويوصف الحكم بأنه ناسخ، فيقال نسخ صوم رمضان كل صوم، ويوصف المعتقد لنسخ الحكم بأنه ناسخ فيقال: فلان ينسخ الكتاب بالسنة أي يعتقد ذلك، ويقال: القرآن ينسخ السنة.
٩٣١ - فأما الطريق الناسخ فحده كل قول صدر عن الله تعالى (أو عنه) رسوله ﷺ أو فعل منقول عن رسوله عليه
[ ٢ / ٣٣٦ ]
السلام متراخيًا يفيد (إزالة) مثل الحكم الثابت بالشرع على وجه لولاه لكان ثابتًا.
وعلى هذا الحد يخرج الإجماع فإنه غير صادر عن الله وعن رسوله ﷺ، وتخرج دلالة العقل لأن (دلالة) العقل/٩٢ ب ليس بقول أو فعل منقول، ويخرج العجز لما ذكرنا.
ويخرج التقييد بشرط أو غاية أو استثناء لقولنا: متراخيًا وذلك مقارنًا فلا يسمى نسخًا.
ولا يلزم البداء الثابت لأنه إزالة نفس الحكم الثابت بالشرع ونحن قلنا مثل الحكم.
وهذا الحد يدخل فيه أخبار التواتر والآحاد.
٩٣٢ - وقد حد قوم النسخ بأنه: إزالة الحكم بعد استقراره وهذا لا يصح لأن استقرار الحكم كونه مرادًا فإزالته بعينه بداء.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وحدوه بأنه: إزالة مثل الحكم (إلى خلافه) (ويلزم عليه أنه إذا أزال الحكم بالعجز) أن يكون نسخًا وحدوه بأنه: نقل الحكم إلى خلافه.
ويلزم عليه أن يكون نقل الحكم إلى خلافه بالشرط والغاية أو بالعجز نسخًا وحدوه بأنه: بيان مدة الحكم الذي ليس في التقدير والتوهم جواز بقائه.
وهذا يلزم عليه أن يكون النبي ﷺ لو أخبر زيدًا أنه يعجز عن الفعل وقت كذا (أن) يكون ذلك نسخًا.
٩٣٣ - فصل: والفصل بين البداء والنسخ هو أن البداء الظهور، يقال: بدا لنا سور المدينة (أي) ظهر، قال الشاعر:
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ولما بدا لي أنها لا تحبني وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلها تذوق مرارات الهوى فترق لي
أي ظهر لي أنها لا تحبني، وإنما يكون الشيء ظاهرًا للإنسان إذا تجلى له وصار معه على وجه يعلمه أو يظنه (ولا يجوز ذلك في صفاته تعالى فإنه يعلم ما يكون إلى يوم القيامة لا تخفى عليه خافية ثبت ذلك بالدليل القاطع في صفاته).
فأما الأمر والنهي فليسا من البداء، وإنما قد يدلان عليه، وذلك أن يأمر الرجل عبده أن يشتري له شيئًا في وقت بعينه ثم ينهاه عن ذلك (بعينه) فيكون بداء لأن النهي تعلق بما تعلق به الأمر على وجه واحد، فيدل على أن الآمر بدا له من الصلاح في ذلك ما لم يكن علمه فنهى عنه، أو يكون ما خفي عنه الصلاح، لكنه قصد أن (يأمر) بالقبيح أو أن ينهى عن الحسن وكل ذلك لا يجوز على الله تعالى، فأما إن نهاه عن غير ما أمره به فلا يكون بداء، وكذلك (إذا) نهاه عن الفعل (في وقت) آخر، مثل أن يأمخره بشراء الثياب بثمنها ثم ينهاه عن شرائها بأكثر من ثمنها، وكذلك
[ ٢ / ٣٣٩ ]
إن نهاه عن الفعل في وقت آخر كأن قال: اشتر لي الثياب ثم قال لا تشترها في غد، أو قال صل بطهارة ثم قال: لا تصل بغير طهارة، فإن هذا تغاير بين (أمرين). يمكن أن تكون المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر، والنسخ من هذا القبيل، وذلك أنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى فيما لم يزل أن الفعل من زيد مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر، فيأمر بالمصلحة في وقتها وينهى عن المفسدة في وقتها فلا يكون قد ظهر له ما كان خافيًا عليه (ولا أمر) بالقبيح فلا يكون ذلك بداء، والله أعلم.
٩٣٤ - فصل: فأما شروط النسخ فهو أن يكون الناسخ والمنسوخ شرعيين لأن العجز يزيل التعبد الشرعي ولا توصف إزالته بأنه نسخ: وكذلك الشرع يزيل حكم العقل ولا توصف الإزالة بأنه نسخ.
ومن شروطه أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، فإن كان معه مثل أن يقول: /٩٣ أصلوا أيام الجمع إلا الجمعة الفلانية فذلك استثناء، ومثل قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فذلك تعليق بغاية، ومثل قوله: من دخل الدار فاضربه، فإذا دخل زيد فلا تضربه (فذلك) تخصيص وجميع ذلك ليس بنسخ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
ومن شرطه أن يكون رافعًا لحكم نفس الفعل دون نفس الفعل وصورته، لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يمكن إزالتها بالأدلة الشرعية، وإنما تدل الأدلة الشرعية على زوال وجوبها.
(وقد اشترط) أصحابنا أن يكون الناسخ مثل المنسوخ أو أقوى منه ولا يكون أضعف منه كخبر الآحاد في نسخ القرآن.
واشترطوا أن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة بل تكون مطلقة فيقطع دوامها، فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام.