أنها تقول: أهلك الناس (الدرهم البيض والدينار) الصفر فنعتوا الواحد بالجمع، فيحسن ههنا أن تقول: اقطع السارق (كلهم) وحد/٥٥ ب الزاني (جميعهم) والله أعلم بالصواب.
٥٥١ - مسألة: أقل الجمع نحو قولنا: رجال ومسلمون يفيد ثلاثة نص عليه في رواية صالح وحنبل، وبه قال أصحاب أبي حنيفة.
وحكى عن أصحاب مالك وابن داود ونفطويه وابن الباقلاني وعلى بن عيسى أن أقله اثنان.
[ ٢ / ٥٨ ]
وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٥٢ - لنا ما احتج به ابن عباس على عثمان ﵄ في أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس فقال: (قد) قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ليس الأخوان إخوة في لسانك ولا لسان قومك، فقال عثمان: "لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأعصار"، فاتفقا على أن الاثنين لا يسميان إخوة وذكراه عن لسان قومهما، وإنما رده عثمان بالإجماع.
فإن قيل: فقد خالف زيد بن ثابت وقال: الأخوان إخوة، وروى عنه أن أقل الجمع اثنان.
قلنا: لم يثبت هذا عنه، فإن صح فالمراد به أنهما إخوة في حجب الأم، أو أنهما في حكم الجمع في الحجب.
[ ٢ / ٥٩ ]
٥٥٣ - دليل ثان: وهو معتمد، أن قولنا: رجال وجماعة لا تنعت بالاثنين في لغة أحد، وإنما تنعت بالثلاثة، فتقول: رأيت رجالًا ثلاثة، وجاءني جماعة رجال، ولا تقول: رأيت رجالًا اثنين، وجماعة (رجلين)، فدل على أن لفظ الجمع لا يتناولهما.
٥٥٤ - دليل ثالث: تقول العرب: رجل ورجلان (ورجال) فلو كان الرجال يقع على الاثنين حقيقة لم يفترق لفظ التثنية والجمع.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقع على الرجلين اسم التثنية والجمع كالأسد له اسم يخصه ويقع عليه اسم السبع.
قلنا: الأسد والسبع لم يوصفا للتمييز بين شيئين وإنما أحدهما اسم للجنس (وهو السبع، والآخر اسم للنوع من ذلك الجنس)، بخلاف لفظة التثنية والجمع، لأنهما وضعا لنوعين مختلفين من العدد على وجه التمييز بينهما، فاختص كل واحد منهما بحقيقة لا يشاركه الآخر فيها كالأسد والحمار.
جواب آخر: لو كان لفظ الجمع حقيقة في الاثنين لما صح نفيه، لأن الحقائق لا يصح نفيها، ولما حسن أن يقال: ما رأيت رجالًا، وإنما رأيت رجلين وما رأيت جماعة وإنما رأيت اثنين. دل على أنه ليس بحقيقة في الاثنين.
[ ٢ / ٦٠ ]
٥٥٥ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
الجواب عنه: أن المراد (بذلك) أن كل واحد من المؤمنين أخ لصاحبه، فأصلحوا بين كل أخ قاتل أخاه، ويحتمل أن (يراد) بالأخوين الطائفتين والقبيلتين، قال الشاعر:
فالحق بحلفك في قضاعة إنما قيس عليك وخندف أخوان
فسمى القبيلتين أخوين.
٥٥٦ - واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فأضاف القتال إليهم بلفظ الجمع.
الجواب: أن الطائفة عبارة عن الجماعة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
٥٥٧ - واحتج بقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ولم يقل معكما.
الجواب: أن أرادهما ومن (تبعهما) من المؤمنين.
[ ٢ / ٦١ ]
٥٥٨ - واحتج بقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.
الجواب: أن الخصم يقع على الجماعة، يقال رجل خصم، وجماعة خصم، كما قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ وكانوا جماعة من الملائكة ولهذا قال تعالى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ولم يقل بغى أحدنا على الآخر.
٥٥٩ - احتج بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.
الجواب: أنه أراد بحكمهم داود وسليمان والخصوم (ويحتمل أنه أراد بحكمهم حكم أمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، ويعين المشروع لهم)، (أو) يحتمل أنه أراد (به) حكم الأنبياء، وقيل: المراد به ذكرهم على وجه التفخيم كما (قال "وكنا" وهو سبحانه وحده) لا شريك له.
[ ٢ / ٦٢ ]
٥٦٠ - احتج بقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وإنما كان يوسف وأخوه.
الجواب: أن يوسف وأخاه الذي وجدت السقاية في رحله (والآخر) الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي﴾، ويحتمل أن يكون يوسف وأخاه وذريته، ويحتمل أن يكون مجازًا كقوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَاّ﴾.
٥٦١ - واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وإنما لهما قلبان.
الجواب: هذا غير ما نحن فيه لأن (كل) ما في (البدن) منه واحد، فتثنيته عند الفصحاء من العرب جمع، تقول: ضربت رؤوسهما، وشققت بطونهما، ومد الله في أعماركما، فأما غير ذلك مما في البدن منه اثنان، أو مما ليس ببعض للآخر فلا يكون تثنيته بلفظ الجمع، نقول: فقأ عينيهما (ولا نقول فقأ عيونهما)، وتقول خربت دارهما، ومات فرساهما.
[ ٢ / ٦٣ ]
٥٦٢ - واحتج بقول النبي ﷺ: "الإثنان فما فوقهما جماعة".
الجواب: أن (المراد) حكمهما حكم الجماعة في انعقاد "صلاة" الجماعة بهما بدليل ما ذكرنا، وبدليل أن خبر النبي ﷺ يجب أن يحمل على تعليم الحكم، لا على تعليم ٥٦ أ/ اللغة التي يشاركه فيها بقية العرب، لأن النبي ﷺ يعلمنا الأحكام دون اللغات.
٥٦٣ - احتج بعده وهو أنه قال: اشتقاق الجمع من جمع الشيء إلى الشيء وضمهما وهو موجود في الاثنين.
الجواب: أنا لا نسلم ذلك، بل ضم الشيء إلى الشيء يسمى إضافة، فإذا أضاف شيئًا آخر يسمى ذلك جمعًا.
جواب آخر: أن قولنا في الرجال إنه جمع ليس يريد (به) أنه من جمع الشيء إلى الشيء، فيلزم أن يقول ذلك في الاثنين، وإنما نريد بذلك أنه موضوع لجمع الثلاثة فصاعدًا، ولا يلزم دخول الاثنين فيه.
جواب ثالث: أن الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، لأنهم يسمون الدابة لأنها تدب، ولا يسمون الرجل
[ ٢ / ٦٤ ]
دابة، ويسمون القارورة لأن الشيء يقر فيها ولا يسمون (كل) ما يقر فيه الشيء قارورة، ويسمون الخابية لأنها يخبأ فيها ولا يسمون الصندوق خابية لأنه يخبأ فيه.
٥٦٤ - احتج بأن الاثنين يعبران عن نفسيهما بالجمع فيقولان: فعلنا كذا وأكلنا كذا.
والجواب: أنهم فصلوا بين الاثنين والثلاثة في الخطاب، فقالوا واحد واثنان وثلاثة وفرقوا بين الاثنين، والجمع في فعل الغائب وفعل المواجهة، فقالوا في الاثنين ضربًا، وفي الثلاثة ضربوا، وكذلك للحاضرين ضربتما وضربتم للثلاثة، ولأنه لا يمتنع أن يكون لفظهما في الإخبار عن نفسيهما واحدًا، ويختلف لفظهما في الجمع كالمذكر والمؤنث يخبران عن نفسيهما سواء، تقول المرأتان: فعلنا كالرجلين سواء، ثم جمع المذكر (يخالف) جمع المؤنث كذلك ها هنا، ثم يبطل هذا بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع ثم لا يقال: أقل الجمع واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ويقول العالم: قالوا كذا، (ولنا جوابه كذا) وهو قاله وحده. والله أعلم.
٥٦٥ - مسألة: إذا ورد لفظ عموم لم يجب على السامع
[ ٢ / ٦٥ ]