٤٠٧ - مسألة: إذا فعل زيادة على ما يتناوله الاسم من الفعل المأمور به فالزيادة على ما (تناوله) الاسم تطوع، وما تناوله الاسم واجب، (وهو قول الجرجاني وابن الباقلاني وأصحاب الشافعي، وقال الكرخي كل ذلك واجب)، وقال شيخنا (هو واجب) وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه استحب للإمام أن ينتظر المأموم في الركوع، فلولا أنه واجب جميعه لكان المأموم يقتدي به وهو متطوع، ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتطوع.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وهذا (الاستنباط) غلط لأن المفترض يمنع أن يقتدي بمن هو متنفل في جميع صلاته، فأما إذا أدرك معه ما هو سنة في الصلاة فلا يكون قد اقتدى بمتنفل عند الجميع، ولهذا لو أدركه في حال الافتتاح والاستعاذة وقراءة السورة يكون قد أدركه وهو متطوع ثم لا يقول أحد إنه لا يصح اقتداؤه (به).
وعلى أن عن أحمد ﵁ في اقتداء المفترض بالمتنفل روايتان فكيف يحمل قوله في هذه الرواية على إحداهما دون الأخرى (ويستنبط) له (مذهب) من ذلك من غير دليل.
٤٠٨ - دليلنا: أن فعله (ما يسمى) ركوعًا أو سجودًا يسقط (عنه) حكم الأمر بالركوع والسجود، فيجب أن يكون هو الفرض وما زاد عليه تطوع؟ كما أن الدينار عن أربعين (دينارًا) يسقط فرض زكاتها، فلو زاد على الدينار كان تطوعًا،
[ ١ / ٣٢٧ ]
أبي بكر بن الباقلاني والجويني في قولهم) إنه ليس بنهي عن ضده، وبنوه على أصلهم، وهو أن النهي لا يكون نهيًا إلا مع كراهة الناهي كذلك وذلك غير معلوم. ويفيد الخلاف أن من أمر بشيء ففعل ضده يأثم بمجرد الأمر، (وترك المأمور به وفعل الضد فيها سواء).
٤١٣ - دليلنا: أنه لا يمكنه فعل المأمور به إلا بترك ضده، وما لا يمكن فعل المأمور إلا به (صار ملازمًا له وإذا تلازما كان كالعلم مع الحياة، لا يمكن وجود علم إلا مع حياة، وكذلك في
[ ١ / ٣٣٠ ]
الشرعيات) (يدخل في مقتضى الأمر ألا ترى أنه) إذا أمر (بفعل الصلاة) وجب عليه فعل كل ما لا يمكن فعل الصلاة إلا به كالطهارة، واستقاء الماء لها وغير ذلك؟ وكذا جميع العبادات.
٤١٤ - دليل آخر: أن السيد إذا قال لعبده: قم، فقعد استحق (الذم) والتوبيخ، ولو لم يكن الأمر بالقيام اقتضى النهي عن ضده لما جاز لومه على القعود.
قال شيخنا: وهذه الطريقة ضعيفة لأن العبد يلام على ترك القيام الذي هو مقتضى الأمر. ويمكن أن يدافع بأن يقول وينهى عن القعود ابتداء.
٤١٥ - دليل آخر: لو لم يقتض الأمر بالشيء النهي عن ضده لجاز ورود الأمر بضده، وفي ذلك تناقض، لأن الأمر بالشيء يقتضي (إيجاده). والأمر بضده يقتضي ترك فعله (وترك فعله) (يقتضي إسقاطه)، وهذا محال لا يجوز.
[ ١ / ٣٣١ ]
٤١٨ - احتج بأن النهي عن الشيء لا يكون أمرًا بضده، فكذا الأمر، /٤٢ ب بالشيء لا يكون نهيًا عن ضده.
الجواب عنه أنا نقول: لا نسلم ونقول: إنه أمر بضده إن كان له ضد واحد، كالنهي عن الكفر يقتضي الأمر بالإيمان، وكالنهي عن الحركة يقتضي الأمر بالسكون، وإن كان له أضداد فهو مأمور بضد من أضداده لأنه بفعل ضد واحد يترك المنهي عنه، مثاله إذا نهاه عن القيام يكون له أضداد، قعود واضطجاع ومشي، أيها فعل فقد ترك القيام.
(فإن قيل: فهلا في الأمر) يكون نهيا عن ضد من أضداده إذا كان له أضداد.
جوابه أنا نقول: لا يمكنه امتثال الأمر إلا بترك جميع أضداده، كما لو أمر بالقعود لا يمكنه إلا أن يترك القيام والمشي والاضطجاع بخلاف النهي، فإنه بفعل ضد يكون تاركًا له فبان ما قلنا.
٤١٩ - احتج بأن قال: الجهل ضد العلم، والعجز ضد القدرة ثم لا يكون الجهل بالشيء علمًا بضده، ولا العجز عنه قدرة على ضده.
جوابه أنا نقول: لم إذا كان ههنا كذا يكون في الأمر مثله.
جواب آخر: هناك لا (يتنافى) لأنه يجوز أن يجهل
[ ١ / ٣٣٤ ]
الشيء وضده، ويعلمه ويعلم ضده، وكذلك يجوز أن يعجز عنه وعن ضده ويقدر عليه (وعلى ضده) وههنا يتنافى إيجاد الشيء ووجوبه مع إباحة تركه وعدمه.
٤٢٠ - احتج بأن قال: لا نعلم من الإثبات النفي، كذا لا نعلم من الأمر النهي.
الجواب عنه: أنه يعلم من جهة المعنى، لأن قولنا زيد ببغداد، ينفي أن يكون بخراسان، ويعقل من قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" نفيها عن المعلوفة.
٤٢١ - احتج بأن الآمر يأمر ولا يخطر بباله قط ضد المأمور، فكيف يجعل ناهيًا عما لم يخطر بباله قط.
قلنا: من حيث المعنى لا من حيث اللفظ كما ينافي قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. والله أعلم بالصواب.