الأقل يحسن (استداركه) ويؤتي به على وجه الاختصار بخلاف الأكثر. والله أعلم بالصواب.
٥٩٢ - مسألة: لا يصح الاستثناء من غير الجنس، وإذا ورد ذلك فهو مجاز وليس بحقيقة، ذكره الخرقي في الإقرار فقال: ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا، وبه قال بعض الشافعية.
وقال بعضهم: (يصح ويكون) حقيقة وهو قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وجماعة من المتكلمين.
٥٩٣ - لنا: أن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله (المستثني) منه، بدليل أنه مشتق من قولهم: ثنيت (فلانًا عن
[ ٢ / ٨٥ ]
رأيه، وثنيت عنان دابتي، إذا رددته. فيجب أن يكون الاستثناء رد بعض ما تناوله اللفظ، وقيل: إنه مشتق من تثنية) الخبر بعد الخبر عن الشيء، فكان الكلام خبرًا عنه، (والاستثناء خبر عنه) أيضًا، فيجب أن يتناول ما تناوله الأول.
٥٩٤ - دليل ثان: أن الاستثناء يصح أن يخرج به بعض ما تناولته الجملة، فلا يصح أن يخرج (به) ما لم تتناوله (الجملة) كالتخصيص لا يخرج من العموم ما لم يتناوله العموم، (وإن) شئت قلت، إن الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ فلم يصح أن يكون من غير الجنس كالتخصيص.
٥٩٥ - دليل ثالث: أن لفظة "إلا" لا تصح للابتداء، ولا تنفرد بنفسها، وإنما ترد متعلقة بما قيلها فإذا أدخلت على غير الجنس لم تتعلق بالمستثنى منه فصارت مبتدأة فلم تصح.
٥٩٦ - دليل رابع: أن أهل اللسان يستقبحون أن يقول الإنسان جاءني الناس إلا الحمير ورأيت الناس إلا الكلاب، وما قبحوه إلا لما ذكرنا.
[ ٢ / ٨٦ ]
٥٩٧ - احتجوا بأن ذلك مستعمل في اللغة، والاستعمال يدل على الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
الجواب: أن أبا بكر من أصحابنا قال: إبليس من الملائكة، وحكى ذلك عن ابن عباس.
وقوله: "إلا إبليس كان من الجن" فيحتمل أنه كان من الملائكة المسيحين كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ يريد الملائكة وقيل إنه كان من خزان الجنان فسمى من الجن، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه المجاز، وفي المستثنى إضمار كأنه قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ ومن أمر بالسجود إلا إبليس.
وأما الآية الأخرى فهي استثناء منفصل بمعنى لكن رب العالمين، وقد ترد (إلا) بمعنى لكن قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَاّ خَطَأً﴾، والخطأ لا يجوز
[ ٢ / ٨٧ ]
أن يكون استثناء لأنه، يكون معناه إلا خطأ فإنه يكون له ذلك، فثبت أن معناه لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة (مؤمنة) ودية مسلمة إلى أهله، ولأن أهل الحجاز يقولون: ليس ذلك باستثناء، والقرآن بلغتهم نزل، ولهذا قال "إلا" إبليس بالنصب، قال ابن قتيبة في كتاب الجامع للنحو/٥٨ ب، ما يكون فيه "إلا" بمعنى "لكن" كقوله: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ﴾.
وقوله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ وقال هذا قول سيبويه، وقال الزجاج في أماليه الوجه الخامس من وجوه "إلا" أن يذكر بعدها ما ليس من جنس المذكور فتقطع مما قبلها واحتج بقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
وكذلك قول النابغة:
[ ٢ / ٨٨ ]
وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
الجواب: أن اليعافير والعيس يحصل بها (بعض) الأنس، ويحتمل أن يراد فيه وفي الآخر الاستثناء المنقطع بمعنى لكن على ما بينا، ويحتمل أن يضمر فيه (معنى) مجاز ليس فيها أنيس ولا أجد إلا اليعافير وإلا العيس.
وكذلك ما بالربع من أحد ولا شيء (يرى) إلا أوارى يعني المعالف والحوض.
٥٩٨ - احتجوا بأنه استثناء لا يرفع الجملة فصح كاستثناء الجنس، واستثناء العين من الورق.
[ ٢ / ٨٩ ]
الجواب: أن الاستثناء لغة، وفي إثباته بالقياس نظر، ثم (في) الجنس يوجد معناه واشتقاقه بخلاف غير الجنس، ثم يلزم العموم يخرج منه بعض ما يتناوله التخصيص، ولا يخرج منه من غير الجنس.
فأما استثناء العين من الورق فلا يصح على قول أبي بكر وقال الخرقي يصح لأنهما كالجنس الواحد في كونهما ثمنًا بخلاف قوله: (له) علىّ مائة درهم إلا ثوبًا.
فإن قيل: فمعناه إلا قيمة ثوب والقيمة دراهم فيجب أن يصح.
قلنا: لو صح (هذا) لوجب إذا قال: له عليّ ثوب فقال أردت (قيمته) أن يصح. وقيل: يصح ذلك، لكن لا على وجه الاستثناء، وإنما يرجع إلى لفظ المقر وإن خالف الحقيقة، والظاهر كما (لو) قال له عليّ مائة ثم قال أردت مائة رغيف، أو مائة رمانة قبل (رجوع الاستثناء إليها) والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٩٠ ]