الثاني: أن تأخير الخطاب يخل أن يعتقد المكلف شيئًا بحال فيصير إهمالًا وتأخير البيان لا يخل بالاعتقاد والعزم وإشعار المكلف فافترقا، ولهذا يجوز تأخير النسخ ولا يجوز (تأخير تبليغ) المنسوخ والله أعلم.
٨٨٧ - مسألة: يجوز أن يسمع الله المكلف الخطاب العام المخصوص وإن لم يسمعه الخاص وبه قال عامة العلماء وقال أبو الهذيل والجبائي لا يجوز ذلك إلا أ، هما وافقا أنه يجوز أن يسمعه العام المخصوص بأدلة العقل وإن لم يعلم أن في أدلة العقل ما يدل على تخصيصه.
٨٨٨ - لنا أن العموم المخصوص يمكن للمكلف اعتقاد تخصيصه إذا لم يسمع الدليل المخصص كما يمكنه إذا سمع فجاز إسماعه إياه لأنه ممكن فيما كلف.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فإن قيل: كيف يعتقد التخصيص إذا لم يسمع المخصص؟ قلنا: لأن الله ﵎، يخطر بباله جواز كون المخصص في الشرع فيجوز ذلك، وإذا جوزه طلبه، وإذا طلبه ظفر به كالمخصص إذا كان عقليًا ولأنه (قد) ثبت بإجماع أهل اللسان جواز تخصيص اللفظ العام، فإذا سمع العام كان/٨٨ أجواز تخصيصه مشعرًا له بأنه يجوز أن يكون مخصوصًا (فيطلبه) كما في العقل.
فإن قيل: الدليل العقلي (حاضر) عند سماعه للعموم فأمكنه (العلم) بالتخصيص. بخلاف المخصص السمعي فإنه غير (حاضر) ولا سمعه.
قلنا: لا فرق بينهما فإنه يجوز أن لا يعلم المكلف أن في العقل دليلًا مخصصًا كما لا يعلم أن الشرع أتى بالمخصص وعلى هذا كثير من المذاهب لا يعلم الإنسان أن عليها دليلًا عقليًا حتى يفكر ويفحص كما لا يعلم أن عليها دليلًا شرعيًا حتى يطلبه فكما جاز أن يكلف طلب أحدهما بالخاطر جاز طلب الآخر.
٨٨٩ - احتج الخصم بأن قال: إذا أسمعه العام دون الخاص فقد أغراه باعتقاد الجهل وذلك لا يجوز.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
الجواب: أنه يبطل (به) إذا كان المخصص عقليًا على أنه لا يفضي (إلى اعتقاد) الجهل لأن المكلف قد علم جواز تخصيص العموم فلا يعتقد عمومه إلا بعد طلب المخصص وعدمه.
فإن قيل: فإذا قلتم هذا رجعتم إلى قول الأشعري في الوقف.
قلنا: الأشعري يقف مع (علمه بتجرد) العموم من (القرائن) ونحن إذا علمنا تجرده لم نقف. وإنما نطلب إذا لم نعلم التجرد على قدر الاجتهاد فإذا لم نجد اعتقدنا العموم، ثم هذا يلزمه مثله في المخصص العقلي.
٨٩٠ - احتج بأن المكلف يلزمه العمل بما علمه ولا يلزمه طلب مالا يعلمه ألا ترى أنه لا يلزمه أن يطلب، هل بعث الله تعالى رسولًا أم لا؟ بل يلزم ما هو عليه من دليل العقل أو الشرع.
والجواب أن مقتضى هذا الدليل (يدل على جواز) أن يسمع الله المكلف العام دون الخاص ويجوز له أن يعمل على العام من
[ ٢ / ٣٠٩ ]
غير أن يطلب الخاص كما يعمل على ما في عقله أو شرعه من غيره (نبي).
جواب آخر: أنه يلزمهم مثله في العموم إذا كان المخصص عقليًا، فأما السؤال عن بعثة نبي فإنه متى سمع أنه قد بعث نبي في بلده (لزمه) البحث عنه كما يلزمه هاهنا أن يطلب المخصص في بلده ولا يلزمه أن يجوب البلاد في طلب النبي ﷺ ولا في طلب المخصص.
فإن قيل: فما يقولون إذا سمع العموم المقتضى للعمل المؤقت وضاق الوقت عن طلب الخصوص.
قلنا: الأشبه أن يلزمه العمل بالعموم لأنه لو لم يجز ذلك لم يسمعه الله إياه.
قيل أن يمكنه (من) المعرفة بالمخصص لأنه وقت الحاجة إلى البيان، فإذا لم يبين له العمل عمل على عمومه، ومثل هذا قلنا في كفارة اليمين الواجب أحدها فإذا فعله المكلف علمنا أنه هو الذي أوجبه الله عليه، وإلا لم يوفقه لفعله وقد قال شيخنا إذا ورد لفظ العموم عمل عليه واعتقده (من) قبل أن يطلب الخصوص وهذا مع سعة الوقت، فمع ضيقه أولى ويحتمل أن يتوقف /٨٨ ب فلا يعمل حتى
[ ٢ / ٣١٠ ]
يطلب (الخصوص) كما قلنا في المجتهد إذا ضاق عليه وقت الاجتهاد لا يقلد غيره.
٨٩١ - احتج بأنه لو جاز أن يسمعه العام دون الخاص لجاز أن يسمعه المنسوخ دون الناسخ والمجمل دون المبين.
الجواب: أنا كذا نقول، إنه يجوز ذلك ولا فرق بينهما.
فإن قيل: لو جاز ذلك لكان قد خاطبه بما لا يفهم، وذلك لا يجوز، كخطاب العربي بالزنجية وقد تقدم الجواب عن (هذا) في المسألة الأولى.
[ ٢ / ٣١١ ]