اختلف الراوية عن أحمد ﵀ في المراسيل، وهو أن يسمع من زيد عن عمرو حديثًا، فإذا رواه قال عمرو، وأضرب عن ذكر زيد، أو يقول: حدثني الثقة وما أشبهه. فروى عنه ما يدل على
[ ٣ / ١٣٠ ]
قبولها، وهي اختيار شيخنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك وجماعة من المتكلمين، وعنه: أنه لا يقبل إلا مراسيل الصحابة، وبه قال الشافعي وطائفة من أهل الظاهر والحديث.
وجه الأولى: أن الراوي (مع ثقته) وعدالته، لا يستجيز أن يخبر: النبي ﷺ قال: وأن فلانًا قال: إلا وله الإخبار عنه، ولا يكون الإخبار بذلك إلا وهو عالم بثقته وعدالته، لأنه ليس (له
[ ٣ / ١٣١ ]
إلزام) الناس عبادة من غير أن يعلم أو يظن أن النبي ﷺ ألزمها، فبان أن عدالته مستقرة عنده، وأنه يجري مجرى أن يقول: حدثني فلان وهو عدل عندي، وقد ثبت أنه إذا قال: وهو ثقة أو عدل يلزم قبول خبره، وإن لم يذكر أسباب ثقته وعدالته، فكذلك. ها هنا.
فإن قيل: ذكر أسباب العدالة يشق، لأنه يحتاج أن يخبر عنه باجتناب الكبائر ولزوم ما وجب عليه في طول (أزمانه)، وذلك يتعذر: بخلاف ذكر المخبر عنه، فإنه لا يتعذر.
قلنا: غلبة (الظن) بعدالة من زكاة المزكى لم تثبت بهذه المشقة، وإنما تثبت بقول المزكي هو عدل ثقة وهو نفس (ما قلنا).
فإن قيل: إنما يلزم المزكى ذكر أسباب عدالة من زكاه، لأنه يخبر عن ظنه، فأما المخبر فإنه يخبر عن غيره، فوجب ذكره.
(قلنا): وقد يخبر المزكى بأن فلانًا عدل بخبر غيره عن عدالته، (فلا) يكون مخبرًا عن ظنه.
[ ٣ / ١٣٢ ]
جواب آخر: أن المزكى طريقه إلى من زكاه معرفته بأسباب عدالته، والمخبر عن (النبي ﷺ) طريقه إلى ذلك معرفة عدالة من أخبره، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: (يجب) على ما ذكرتم أن تقبلوا شهادة شهود الفرع، من غير أن تذكروا شهود الأصل.
(قلنا): كذا تقتضي الدلالة، لكن منع من ذلك الإجماع، ولأن شهود الفرع لا تجوز لهم الشهادة حتى يحملهم شهود الأصل الشهادة، فيقولوا اشهدوا على شهادتنا، ويسمى ذلك الاسترعاء، والخبر تجوز روايته من غير تحمل المخبر (للمخبر) عنه (الخبر)، فيقول: حدث عني أن فلانًا حدثني، وكذلك لا يجوز شهادة الفرع مع القدرة على شهود الأصل، ويجوز كذلك في الأخبار، (فدل) / على افتراقهما، وتقدم تأكيد الشهادة في
[ ٣ / ١٣٣ ]
غير موضع، من أنها يعتبر فيها العدد والحرية عندكم، وعدم التدليس: بخلاف الخبر.
فإن قيل: فيجوز أن يظن عدالته، ولكن غيره يعلم ما (يجرحه) فيجب ذكره لذلك.
قلنا: (وهذا) موجود فيه، إذا ذكر اسمه وعدله، لأنه يجوز أن يكون مجروحًا عند آخرين)، ولأنه كان يجب أن لا تقبلوا الخبر، وإن غلب على ظنكم صحته، لما ذكرتم من أنه لا يغلب على ظنكم عن ظن غيركم.
دليل آخر: أن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع، بدليل ما روى عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، غير أنا لا نكذب"، وكان أبو هريرة يروي عن النبي ﷺ: "من أصبح جنبا فلا صوم له" فلما أخبر أن عائشة أنكرت ذلك، وقالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبًا، ذكر: أن الفضل بن العباس حدثه وكذلك لما روى ابن عباس "لا ربا
[ ٣ / ١٣٤ ]
إلا في النسيئة"، وأخبره أبو سعيد بحديثه في الربا، قال: هذا ما سمعته من النبي ﷺ، وإنما حدثني به أسامة، وكذلك روى أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ثم أسنده إلى الفضل بن عباس، ولم ينكر أحد من الصحابة على هؤلاء، وكذلك يجب أن نقول في مراسيل التابعين، إذ لا فرق بينهما.
[ ٣ / ١٣٥ ]
فإن قيل: هذه أخبار آحاد، فلا يثبت بها هذا الأصل.
(قلنا): هي في المعنى كالتواتر، ثم يجوز قبول أخبار الآحاد فيما يتوصل به إلى العمل دون العلم.
فإن قيل: الصحابة ثبتت عدالتهم، والله تعالى زكاهم بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله ﷺ: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم": بخلاف من بعدهم.
(قلنا): ليس من شرط الراوي القطع (على) عدالته، بل ثبوت عدالته في الظاهر، على أن النبي ﷺ قد زكى التابعين،
[ ٣ / ١٣٦ ]
فقال: "خيركم القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
وقال ﵇: "أمتى كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره"، ثم التابعي إذا قال: قال النبي ﷺ فإنما حدثه (الصحابة)، فيجب أن يقبل خبرهم.
دليل آخر: أن عادة العدل أن لا يرسل إلا إذا ثبت الحديث عنده، ومتى شك ذكر من حدثه، لتكون العهدة على غيره، وهذه عادة مستمرة (لهم)، ولهذا روى عن النخعي: أنه قال إذا
[ ٣ / ١٣٧ ]
رويت عن عبد الله فأسندت، فقد حدثني (واحد)، وإذا أرسلت، فقد حدثني جماعة عنه.
وقال الحسن: وقد سئل عن حديث أرسله: حدثني به سبعون بدريًا، (ونحو ذلك) عن ابن المسيب والشعبي.
[ ٣ / ١٣٨ ]
دليل آخر: لو لم يجز قبول المرسل، لما جاز أن يقول: أخبرنا فلان عن فلان، لجواز أن يكون لقيه ولم يسمع منه، وقد أجمعوا على القبول.
فإن قيل: الظاهر: (أنه إذا قال: قال فلان أو أحدثكم عن فلان، أنه لقيه وسمع منه).
(قلنا: والظاهر) فيمن أرسل أنه حدثه به العدل الثقة، وصح عنده، ولكن يجوز في الموضعين أن يكون خلاف ذلك فلا فرق بينهما.
احتج المخالف: بأن (ترك الراوي) ذكر من حدثه يتضمن جهالة عينه وعدالته، ومعلوم أنه/ لو ذكر اسمه فعرفنا عينه، ولم نعلم عدالته لم يجز قبول خبره، فأولى أن لا يقبل إذا لم يعلم عينه وعدالته.
الجواب: أنا لا نسلم أنه إذا لم (يذكره فإنا نجهل)
[ ٣ / ١٣٩ ]
عدالته، لأنا قد بينا أنه لو لم يصح عنده عدالته لم يجز أن يروى عنه، فيلزم الناس حكما بقول فاسق أو مجهول، فيثبت بهذا الظاهر في حق العدل أنه علم ثقته وعدالته.
جواب آخر: أن جهالة صفته لا تمنع عندنا على إحدى الروايتين، إذا عرف إسلامه، وعلى هذه الرواية تقبل شهادته، وإن لم يبحث عن عدالته، لأن الظاهر من (المسلم) العدالة وانتفاء ما يوجب الفس ٥ ق، والأول هو المعتمد عليه.
احتج: بأن كثيرًا من الثقات قد أرسلوا عمن ليس بثقة، ولهذا قال ابن سيرين: "لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبى العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث"،
[ ٣ / ١٤٠ ]
وإذا ثبت هذا لم تكن روايتهم تدل على العدالة، فاحتجنا إلى ذكر المخبر عنه ليعرف.
الجواب: أن من أرسل عن غير ثقة، متى عرف أنه غير ثقة (وأرسل عنه) فذلك ليس (بعدل، لأنه غربه الناس، وألزمهم حكمًا لا يلزمهم، بقول فاسق فجرى ذلك مجرى قوله فيمن) ليس بعدل عنده: أنه عدل، وهذا لا يقدح في ظاهر ما ذكرنا، لأنه كما أن الظاهر أن لا يعدل من ليس بعدل عنده، (كذلك) لا يرسل عمن ليس بعدل عنده، والنادر في ذلك لا يعتد به، ومتى كان عدلًا عنده، وبأن أنه ليس بعدل، فلا يقدح أيضًا كما لو قال: هو عندي عدل، وهو يعتقد ذلك (ثم بان أنه) ليس بعدل، وهذا، لأن الغالب أنه إذا عرف عدالته على طول الزمان (أنه) كذلك عند كل أحد، فإن عرف غيره ما يوجب فسقًا فذلك نادر، والحكم للغالب، (وما ذكرتم) عن ابن سيرين لا يقبل في (حق) الحسن وأبى العالية.
احتج: بأن شاهدي الفرع إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شاهدي الأصل من غير ذكرهما، (كذلك) في الخبر، ووجه الجمع: أن العدالة معتبرة في كل واحد منهما.
[ ٣ / ١٤١ ]
(والجواب): ما مضى من الفرق بين الشهادة والخبر،
وقد قيل: إن القياس يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة لكن خص من القياس بدليل، والمخصوص من القياس لا يجوز عليه، فلم يجز قياس المراسيل عليه.
وقيل: إن الحاكم بحكم بشهادة شهود الأصل، (ولهذا) وجب ذكرهم، وفيه ضعف، فإن المخالف يقول: والحكم بلزوم العبادة، إنما هو بخبر الأول أيضًا، فلا فرق.
قيل: إن شهود الفرع وكلاء شهود الأصل، لأنهم لا يشهدون على شهادتهم بنفس السماع حتى يأذنوا لهم، (فيقولوا: اشهدوا على شهادتنا) كما لا يجوز للوكيل (التصرف) إلا بإذن الموكل: بخلاف الخبر.
احتج: بأنه لو جاز العمل على المراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والفحص عن عدالتهم معنى.
الجواب: أن فيه معنى، وهو أن المخبر قد يشتبه عليه حال من يخبره، فلا يقدم على تزكيته (ولا على الطعن فيه) فيذكره
[ ٣ / ١٤٢ ]
ليفحص غيره عنه/ ولأنه إذا ذكرهم أمكن السامع الفحص بنفسه، فيكون ما يقع له (عن اجتهاده أقوى مما يقع له) عن اجتهاد غيره، وهذا يقتضي ترجيح المسند على المرسل.
احتج: بأنه لو جاز العمل بالمراسيل، لوجب إذا أرسل في عصرنا رجل حديثا أن يلزمنا العمل به.
الجواب: أنا ننظر في ذلك، فإن كان الحديث معروفًا فيما دون من الأحاديث فقد عرفت رواته، وإن لم يكن معروفًا لم يقبل، لأن الأحاديث قد ضبطت (وجمعت)، فما لا يعرفه أصحاب الحديث في وقتنا، فالظاهر أنه كذب، فأما إن كان أرسل في وقت لم تكن الأحاديث مجموعة ومضبوطة فيقبل خبر المرسل، على أن الشافعي قد قبل هذا، فقال في غير موضع من كتبه أخبرني الثقة عن النبي ﷺ وقال في موضع آخر: أخبرني من لا أتهمه، فثبت أنه قبل المرسل، وقبل مراسيل ابن المسيب.
فصل
لا فرق بين (المراسيل) في سائر الأعصار.
[ ٣ / ١٤٣ ]
(وقال ابن أبان): تقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ولا تقبل مراسيل من بعدهم، إلا أن يكون إمامًا متبعًا.
لنا: ما تقدم وأنه لا فرق بين عدل زماننا وعدل زمان التابعين في المسند، وكذلك في المرسل.
احتج: بأن النبي ﷺ أثنى على القرون الثلاثة، ثم قال "ثم يفشو الكذب".
الجواب: أنه محمول على خيرهم في الاتباع والزهد في الدنيا، وقلة الرياء بدليل أن العدل في زماننا، في قبول (شهادته) وخبره المسند مثل زمان التابعين، فلا فرق بينهما في الإرسال أيضًا.
فصل
فإن أسند الراوي الحديث وأرسله غيره، فإنه يقبل على الروايتين معًا، لأن عدالة المسند تقتضي قبول ذلك منه، وليس في إرسال (الآخر له) ما يعارض إسناده، لأنه يجوز أن يكون
[ ٣ / ١٤٤ ]
أحدهما سمعه مسندًا، (وسمعه) الآخر مرسلًا، أو سمعاه جميعًا مسندًا فنسي المرسل راويه له أو علم ثقة راوية فأرسله، لإحدى هذه (الأوجه) فلا يؤثر فيه.
فصل
وإن أسنده ثقة في وقت ثم أرسله في وقت آخر لم يمنع من قبوله أيضًا على الروايتين (للأوجه) التي ذكرنا، فإن أسنده مرة ثم أوقفه على نفسه أخرى، لم يمنع (من قبوله أيضًا) لأنه الراوي إذا صح عنده الخبر، أفتى به تارة، ورواه عن النبي ﷺ أخرى.
فصل
فإن أسنده وأوقفه غيره على صحابي، لم يمنع كونه مسندًا، لجواز أن يكون هو سمعه من النبي ﷺ وسمعه آخر (معه) فرواه تارة عن النبي ﷺ، (وذكره) مرة (أخرى) عن
[ ٣ / ١٤٥ ]
نفسه على وجه الفتوى بعض الناس مسنده، وسمع بعضهم فتواه، فرواه كل واحد منهم على ما سمع، ويجوز أن يكونا سمعاه بسند عن النبي ﷺ فنسي أحدهما، فظن: أنه ذكره عن نفسه فرواه موقوفًا عليه، (والله أعلم).
[ ٣ / ١٤٦ ]