بعد الكلام والتفصيل المتقدم أحب أن أسوق بعض الأمثلة على الحيل المحظورة والحيل الجائزة كي يتضح المقال بضرب المثال ويحسن الفهم الكامل للحيل وصورها المتعددة، وسأبدأ بالحيل المحظورة مستدلا لتحريمها من الكتاب والسنة والإجماع
فأما الكتاب فمنه أولا: قال الله تعالى في أول سورة البقرة في وصف المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ١ وهذا وأمثاله كثير مما ذم الله به المنافقين في كثير من السور المدنية كسورة البقرة والنساء والتوبة والمنافقون وقد سئل القرطبي عن حكمة كفه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمهم بأعيان بعضهم فأجاب بأجوبة أمثلها ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر ﵁: " أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه " ٢ ومعنى هذا أنه كف عن قتلهم خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم وأن قتله إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون إن محمدًا يقتل أصحابه، وهذا كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تأليفًا لهم ولغيرهم ولأن ولايته المنافقين وحسن معاشرتهم ربما أدت إلى استمالتهم فيما بعد ونزعوا عما هم فيه من النفاق.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " إنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان من الناس من يظهر الكفر ويخفي الإيمان لضعف المؤمنين وقوة المشركين " إلى آخر ما قاله فليتأمل في موضعه٣.
والشاهد من الآيات على ذم الحيل أن النفاق حيلة ظاهرها الإيمان والتسليم وباطنها الكفر والتكذيب، والمقصود من هذه الحيلة إحراز دمائهم وأموالهم ومشاركة المسلمين فيما قد يحصلون عليه من المغانم وإيذاء المؤمنات وإذاعة أسرارهم إلى الكافرين وقد توعد الله المنافقين بالعذاب الأليم، وأخبر أنهم يخادعونه وما يخدعون إلا أنفسهم ويمكرون به وما يمكرون
_________________
(١) ١ الآية من ٨-١٠ من سورة البقرة. ٢ صحيح البخاري جـ٦ص ١٧٥، صحيح مسلم جـ٨ ص ١٩. ٣ مختصر تفسير ابن كثير جـ ١ص ٣٣.
[ ١٢٤ ]
إلا بأنفسهم وأنهم فيما قالوا وفعلوا غير صادقين فلهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون، فهذه الحيلة هي رأس الحيل المحرمة ظاهرها الطاعة وباطنها المعصية.
ثانيًا: وقال تعالى في سورة البقرة في قصة أصحاب السبت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وقد فصل الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراف فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢، وخلاصة هذه القصة ما ذكره المفسرون سلفًا وخلفًا أن الله أمر اليهود أن يكون عيدهم الجمعة من كل أسبوع على ما هو ثابت في شريعتنا فأبوا إلا السبت فأجيبوا إلى ما طلبوا وأمروا أن يتفرغوا فيه للعبادة وحرم الله عليهم صيد السمك فيه، ثم ابتلاهم الله سبحانه فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا، ظاهرة على وجه الماء فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل اليحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت الذي بعده وهكذا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ (أعراف: من الآية١٦٣)، وقد مكثوا مدة لا يصيدونها في ذلك اليوم كما أمرهم الله، ثم اشتهتها أنفسهم فاحتالوا للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في غيره بشتى الحيل التي ظاهرها الامتثال وباطنها التمرد والعصيان، حتى إذا فشا فيهم ذلك المنكر علانية نصحهم أحبارهم ورهبانهم وأبلغوا في النصح فلم يقبلوا منهم فانقسم هؤلاء الناصحون إلى فرقتين: فرقة كفت عن النهي لعلمها بحال القوم ويأسها من هدايتهم، وفرقة استمرت على نهيهم وتذكيرهم حماسة في دين الله وحرصًا على هداية المعتدين حتى قالت لهم الطائفة التي نهت وكفت عن النهي ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (لأعراف: من الآية١٦٤) وهو سؤال استفسار فأجابت الطائفة التي استمرت على التذكير بما حكاه الله عنها ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٤) ومع ذلك لم يجدهم التذكير نفعًا واستمروا على الاعتداء ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٥) وهم الطائفتان التي نصحت وكفت والتي نصحت ولم تكف عن النصح: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ
_________________
(١) ١ الآية ٦٥ من سورة البقرة. ٢ لآية ١٦٣ من سورة الأعراف.
[ ١٢٥ ]
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٥) وذلك العذاب البئيس هو مسخهم قردة فانظر رحمك الله إلى حيل اليهود وخداعهم فهذا دال على أن الأعمال بمقاصدها وحقائقها دون صورها وظواهرها، ودال على أن كل حيلة يترتب عليها العبث بفرع من فروع الشريعة فضلا عن أصل من أصولها محرمة أشد التحريم وأن صاحبها معرض لأن يعاقب بمثل هذه العقوبة الشنيعة ولهذا قال تعالى في قصتهم مهددًا كل من يأتي بعدهم ويتبع آثارهم ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٦٦) أي جعلنا هذه المسخة الشنيعة التي مسخناهم إياها عقوبة لما تقدمها من ذنوبهم التي واقعوها، ولما يأتي بعدها من أمثال ذنوبهم أن يعمل بها عامل فَيُمْسَخ كما مسخوا، وموعظة للمتقين إلى يوم القيامة١.
ولهذا حذر النبي ﷺ أمته من ارتكاب ما فعلته اليهود من استحلال محارم الله بالحيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم مما يقضى منه العجب أن هذه الحيلة التي احتالها أصحاب السبت في الصيد قد استحلها طوائف من المفتين، حتى تعدى ذلك إلى بعض الحنابلة، فقالوا: إن الرجل إذا نصب شبكة أو شَصَّاَ قبل أن يُحْرم، ليقع فيه الصيد بعد إحرامه، ثم أخذه بعد حله لم يحرم ذلك، وهذه بعينها حيلة أصحاب السبت، وفي ذلك تصديق قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (التوبة: من الآية٦٩)، وقول النبي ﷺ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن! " وهو حديث صحيح٢.
ثالثًا: وقال الله تعالى في النهي عن المضارة بين الزوجين: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.
ووجه الدلالة من الآية على تحريم الحيل أن الله تعالى حرم على المرأة إن كانت حاملا أن تكتم حملها، وإن كانت حائضًا أن تكتم حيضها، كذا فسر ابن عمر والحسن ومجاهد قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٨) وكن يكتمن الحمل لئلا يشفق الرجل على الولد فيراجعها، ويكتمن الحيض لإطالة أمد العدة فيُلْزمن الرجل من
_________________
(١) ١ انظر تفسير القرطبي جـ ١ص ٤٣٩ وجـ٧ ص٣٠٤. ٢ إقامة الدليل ص ١٢٠-١٢١. ٣ الآية ٢٢٨ من سورة البقرة.
[ ١٢٦ ]
الإنفاق عليهن ما لا يلزمه شرعًا، وقد اعتبر الشارع قول المرأة في الحيض والحمل، لأن هذا أمر لا يعلم إلا من طريقها، ويتعذر إقامة البينة عليه غالبًا، فالآية دلت على تحريم الحيل الآتية:
١- أن تقول المطلقة حضت وهي لم تحض، لتذهب بحق الزوج في الرجعة.
٢- أن تقول المطلقة لم أحض وهي قد حاضت، لِتُلْزمه من النفقة ما لا يلزمه كما هو شائع في عصرنا، أو لتُغْر الزوج بالمهلة، في الرجعة حتى تنقضي العدة فينقطع حقه فيها.
٣- وكذلك يحرم عَلى الحامل أن تكتم الحمل لتُغْر الزوج بانفساح أمد المراجعة حتى تلد فيتعذر عليه مراجعتها.
٤- كما يحرم عليها أيضًا أن تكتم الحمل لتلحق الولد بغيره، كما كان الأمر قبل الإسلام، قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد ففي ذلك نزلت الآية.
فهذه كلها طرق خفية من قبل الذهن لا يلتفت إليها عادة، ويتوصل بها إلى مضارة الزوج.
كما دل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ (البقرة: من الآية٢٢٨) أن الرجل إنما يباح له المراجعة ما دامت المرأة في العدة إن أراد معاشرة المرأة بالمعروف، فإن أراد بالمراجعة مضارة الزوجة فلا يباح له ذلك بل يحرم عليه ذلك كما يدل عليه مفهوم الشرط في الآية.
وتقرير كون المراجعة للمضارة حيلة أنها تصرف شرعي جعله الله من حق الزوج ما دامت العدة باقية، فظاهر المراجع المتحيل إرادة العشرة بالمعروف، وباطنه المضارة للزوجة، وهو أن يترك المرأة لا يؤويها إليه، ولا يدعها تبين بانقضاء العدة فتتزوج غيره، وقد يقصد من ذلك أيضًا تطويل العدة عليها، فظاهرها مشروع، وباطنها محظور، فرتب الله الحكم وهو التحريم رتبه على الباطن دون الظاهر، فدل ذلك على أن العقود المشروعة إذا اتخذت وسيلة إلى غير ما شرعت له مما حرم الله كان ذلك حراما، وكذلك إذا اتخذت ذريعة لإسقاط ما أوجبه الله تعالى حقًا له أو لعباده.
رابعًا: وقال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ
[ ١٢٧ ]
الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة:٢٢٩) ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ الله وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
دل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) الآية أنه يحرم الطلاق والرجعة للمضارة كأن يريد بذلك عضلها عن الزواج، أو تطويل العدة عليها، أو إلجائها إلى أن تفتدي نفسها منه بشيء من المال من غير أن يكون هناك نشوز منها أو فاحشة أو ما شابه ذلك فيفعل ذلك حيلة منه إلى ارتكاب المحظور بسبب مشروع في الظاهر فيحرم السبب تحريمًا للوسائل.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) على أنه يحرم على الرجل أن يضار زوجته بدون وجه حق ليحتال بذلك على أن تخالعه بمال فما أخذ من مال فهو حرام.
كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) على أن الخلع المسموح به شرعًا هو فيما إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فإذا كرهت المرأة المقام مع زوجها فلا جناح عليها أن تبذل له مالا ليفارقها، ومن الحيلة أن يتخذ الخلع حيلة على حل اليمين كما أفتى به بعض الفقهاء بناء على أن الخلع فسخ لا طلاق، وصورته: أن يقول الرجل مثلا لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلأجل أن تدخل الدار ولا يقع عليها الطلاق يخالعها ثم تدخل الدار وهي مخالعة، فيحصل المحلوف عليه وهي خارجة عن عصمته، ثم يعقد عليها من جديد، هذا بناء على أن الخلع فسخ لا طلاق.
وإليك ما قاله ابن القيم ﵀ في هذا الصدد: " ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلىِ النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعًا، وباطلة على أصول أئمة الأمصار، أما بطلانها شرعا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله، وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء، فإنه لازم، وإنما مكنه من الطلاق، ولم يجعل له فسخه إلا عند التشاجر والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فشرع لهما التخلص بالافتداء، وبذلك جاءت السنة، ولم يقع في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا في زمن التابعين، ولا تابعيهم، ولا نص عليه الأئمة الأربعة وجعله طريقًا للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم
_________________
(١) ١ الآية من ٢٢٩-.٢٣ من سورة البقرة.
[ ١٢٨ ]
﵃، فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث، وهذا إنما حصل تبعًا للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحل اليمين إنما يحصل تبعًا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله، وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل حل اليمين، وحل اليمين جاء لأجل البينونة، فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة، والله تعالى لا يشرع عقدًا لا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له، فإنه شرع لتخلص المرأة من الزوج، والمتحيل يفعله لبقاء النكاح، فالشارع شرعه لقطع النكاح، والمتحيل يفعله لدوام النكاح "١.
ودل قوله أيضًا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٣٠)، على تحريم نكاح التحليل، وهو أن يتزوج بشرط أنه إذا أحلها طلقها، أو ينويه بقلبه، أو يتفقا عليه قبل العقد، أي سواء اقترن الشرط بالعقد أو تقدم عليه، ونكاح التحليل حيلة ظاهرها النكاح المشروع وباطنها السفاح المحظور وهو المقصود للمرأة ولزوجها الأول والثاني، ولهذا لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له، وسمى المحلل تيسًا مستعارًا، وقال خليفته الثاني ﵁: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، وهو مشهور محفوظ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أطال ﵀ في هذا الصدد فليراجع كلامه فهو مفيد سديد٢.
خامسًا: وقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣ ص٢٨٠. ٢ انظر الفتاوى الكبرى جـ٣ ص٣٢٦ وما قبلها وما بعدها فى نكاح التحليل، وانظر كذلك منار لسبيل جـ٢ ص ١٧٣. ٣ الآية من ١٧-٣٣ من سورة القلم.
[ ١٢٩ ]
ووجه الدلالة منها على تحريم الحيل أن الله ﵎ عاقبهم بتحريق بستانهم لما عزموا حرمان المساكين من حقوقهم المشروعة في الزكاة بحيلة تمنع من إفضاء السبب إلى حكمه، حيث أضمروا وأقسموا أن يجذوا ثمار بستانهم في آخر الليل حيث لا يراهم أحد ولا ينقص منه شيء بسبب الصدقة، فيكون حصادهم وقت الجذاذ في وقت ليس فيه فقراء فلا يلزمهم التصدق عليهم لعدم وجودهم وقت الجذاذ.
وقد ذكر المفسرون أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا بأرض اليمن قريبًا من صنعاء، وكانت هذه الجنة لرجل يؤدي حق الله فيها ويطعم الفقراء والمساكين، فلما مات قال بنوه: " إن كان أبونا لأحمق حين يطعم منها الفقراء والمساكين، فلما طاب ثمارها، ودنا قطافها أقسموا ليقطعن ثمارها في وقت يغفل عنه المساكين، وهو آخر الليل وأول النهار حتى لا ينقص من ثمارها شيء بسبب الصدقة "، ثم دار بينهم الحوار المبين في السورة، وحصل لهم العقاب بسبب قصدهم السيء.
وقد سئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أن من أهل النار؟ فقال: " لقد كلفتني تعبًا "، وعن الحسن: قول أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (القلم: من الآية٣٢) لا أدري إيمانًا كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة، فتوقف في أمرهم، والأكثرون على أنهم تابوا وأخلصوا١.
هذه طائفة من الآيات الدالة على تحريم الحيل المحرمة التي تناقض مقاصد الشارع تنبئك عن بقية الآيات التي بمعناها.
وأما الأحاديث الدالة على تحريم هذا النوع من الحيل فإليك طرفًا منها:
١- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ٢.
دل هذا الحديث على أن الأعداد بمقاصدها، وأن العقود بحقائقها، فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا، ولا يخلصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح،
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي جـ ١٨ص ٢- ٥، زاد المسير جـ ٨ ص ٢٧١-٢٧٣. فتح القدير جـ ٣ ص ٢٧١-٢٧٣ ٢ صحيح البخاري جـ١ ص ٢، صحيح مسلم جـ ٦ ص ٤٨.
[ ١٣٠ ]
وهكذا، وقد ترجم البخاري في كتاب الحيل على هذا الحديث " باب في كتاب الحيل وأن لكل امرئ ما نوع في الأيمان وغيرها ".
قال ابن حجر: " قال ابن المنير: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكًا في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد، قال: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة، ووجه التعميم أن المحذوف المقدر "الاعتبار"، فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها، وفي المعاملات وكذلك الأيمان الرد إلى القصد "١.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يمينك على ما يصدقك به صاحبك " ٢.وفي لفظ: " اليمين على نية المستحلف "٣.
وظاهر هذا الحديث أن اليمين على نية المحلوف له ظالمًا أو مظلومًا، وهو يعارض حديث: " إنما الأعمال بالنيات "، فإنه يفيد بعمومه أن الأيمان - وهي من الأعمال - على نية الحالف ظالمًا أو مظلومًا، ويدفع التعارض بما رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: " إذا كان المستحلف ظالمًا فالنية نية الحالف، وإذا كان المستحلف مظلوما فالنية نية الذي استحلف " ذكره عنه الترمذي، وكذا البخاري تعليقا بصيغة الجزم في كتاب الإكراه من صحيحه، قال الحافظ في الفتح: وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ: " إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ماروى، وإذا كان ظالمًا فاليمين على نية من استحلفه "٤.
وإلى مثل هذا ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء٥.
قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي: " وما رُوي لنا التفطن بحقيقة الحال عن أحد قبل إبراهيم النخعي، وهذا بديع من الفقه "٦.
فهذا الحديث يدل على أن التحايل في الأيمان بالمعاريض والتورية ليقطع حق أحد
_________________
(١) ١ فتح الباري جـ ١٣ ص ٣٢٧. ٢ صحيح مسلم جـ ٥ ص ٨٧. ٣ صحيح مسلم جـ ٥ ص٨٧. ٤ فتح الباري جـ١٢ ص ٣٢٥. ٥ المرجع السابق. ٦ شرح الترمذي.
[ ١٣١ ]
لا يجوز بحال من الأحوال، ولا يبرئه من الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو حانث في يمينه، مأخوذ بظلمه.
٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمر، هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره ويحسنه تارة، وأحمد بن محمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم "١.
وقال ابن كثير: " وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح "٢.
قلت: وهذا الحديث نص صريح في أن الاحتيال إلى محارم الله بأدنى الحيل حرام، وأن ذلك من شأن عمل اليهود الذين لعنهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله ومسخهم قردة وخنازير، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته من صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، وإنما وصفهم النبي ﷺ وشبههم بذلك، لأنهم بيت المكر والخداع والخبث والغدر من قديم الزمان إلى يومنا هذا، فهم البلاء والداء العضال في كل أمة، وهم أصحاب حيلة السبت والشحوم وغيرهما من الحيل.
وقد كانوا على عهد النبي ﷺ يتفننون بأنواع الحيل للكيد له ولأصحابه فرد الله كيدهم في نحورهم فمن ذلك:
أ- أن بني النضير احتالوا على قتل رسول الله ﷺ وهو إلى جنب جدار بيت من بيوتهم، فصعدوا إلى السطح ليلقوا عليه رحى، فنزل عليه الوحي فرجع إلى المدينة وحاصرهم وأجلاهم كما في سورة الحشر٣.
ب- أنهم مكروا به بعد غزوة بدر بإرسال رئيسهم وشاعرهم كعب بن الأشرف إلى
_________________
(١) ١ الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ١٢٣. ٢ تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٨. ٣ تفسير القرطبي جـ ١٨ص ٢- ٥.
[ ١٣٢ ]
مكة يحرض قريشًا ويندب قتلاهم، ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المؤمنين، فأرسل إليه النبي ﷺ محمد بن مسلمة فقتله، وكفى الله المؤمنين شره١.
ج- أن بني قريظة خانوه ونقضوا ما بينه وبينهم من عهود يوم الخندق كما حكاه الله تعالى في سورة الأحزاب من قوله: ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥) وهم قريش وغطفان ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥)، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم بنو قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم الرجال ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم النساء والأطفال ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (الأحزاب:٢٧) ٢.
د- إنهم مكروا به وسحروه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، كما فعل لبيد بن الأعصم اليهودي ذلك به٣.
هـ- إنهم مكروا به بوضع السم له حتى يقتلوه فأعلمه الله تعالى ونجاه، كما ثبت في الصحيحين أن يهودية سمته ﷺ في شاة فأكل منها لقمة ثم لفظها وأكل معه بشر بن البراء ﵁ فمات منها، وعفا عنها ولم يعاقبها كرمًا منه وشرفًا٤.
وهذا وأمثاله مما يعلم من أخلاق اليهود وطباعهم الشريرة، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته في الحديث الذي نحن بصدده، ومعنى قوله " بأدنى الحيل " أي بأسهلها فمثلا من طلقِ امرأته ثلاثا صعب عليه بالطريق الشرعي أن ترجع ولا يكون ذلك إلا بعد أن تنكح زوجا غيره نكاح رغبة ثم قد يطلقها الثاني من غير مواطئة أو يموت عنها وهو نادر قليل، وقد لا يطلق ولا يموت وهو الكثير الغالب لكن إذا لجأ إلى الحيلة ترجع بأدنى وأبسط وأسهل الحيل فيعطي أحد التيوس المستعارة مبلغا زهيدا في سبيل رجوعها إليه بعد نكاح الثاني.
وكذلك من أراد أن يقرض ألفا بألف وخمسمائة فمن أدنى الحيل أن يقرضه ألفا إلا درهمًا ويبيعه سلعة حقيرة تساوي درهمًا بخمسمائة درهم، وهكذا التحايل على الحرام ميسور بأسهل الطرق وأدناها.
_________________
(١) ١ الآية ٢٥-٢٧ من سورة الأحزاب، وانظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص١٠-١٦١. الآية ٢٥-٢٧ من سورة الأحزاب، ٢وانظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص١٠-١٦١. ٣ انظر صحيح البخاري جـ ٧ ص ١٥٤. ٤ انظر صحيح البخاري جـ ٣ ص ١٧٨.
[ ١٣٣ ]
٤- وقد ناسب الكلام أن نورد الأحاديث الواردة فى نكاح التحليل فهي من أدلة تحريم الحيل من ذلك:
أ- روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان وعبْد الله بن عمر وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق١.
ب- روى ابن ماجة قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا أبي قال: سمعت الليث بن سعد يقول قال لي أبو مصعب مشرح بن عاهان قال عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: " ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له " ٢.
وفي إسناده عثمان بن صالح ومشرح بن عاهان، وقد أنكروا على عثمان تفرده بروايته عن الليث وليس بالمشهور من أصحابه، كما ضعف بعضهم مشرح بن عاهان، وهذا طعن مردود، فإن عثمان بن صالح هذا ثقة روى عنه البخاري في صحيحه، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال: " شيخ صالح سليم الناحية "، قيل له: " كان يلقن "، قال: " لا "، ومن كان بهذه المثابة ما يتفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا وإن كان وقع في حديثه بعض غلط، وأما مشرح بن عاهان فقال فيه ابن معين: " ثقة "، وقال الإمام أحمد: " هو معروف "، فثبت أن هذا الحديث جيد وإسناده حسن٣.
قال ابن القيم بعد سرد روايات الصحابة الأربعة علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر ﵃ أجمعين، في تحريم هذا النكاح عن النبي ﷺ ولعن فاعله، فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة قد شهدوا على رسول الله ﷺ بلعنة أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له، وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما
_________________
(١) ١ الفتح الرباني جـ ١٦ص ١٩٤، سنن الترمذي جـ ٣ ص ٤٢٩. ٢ سنن ابن ماجه جـ ١ ص ٦٢٢. ٣ بتصرف واختصار ودقة من الفتاوى الكبرى جـ ٣ ص ٢٧٧-٢٧٨.
[ ١٣٤ ]
دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا، وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها، ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن المقصود في العقود عندهم معتبرة والأعمال بالنيات، والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل وقد تحققت غاياتها فترتبت عليها أحكامها "١.
ج- روى وكيع بن الجراح عن أبي غسان المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أن رجلا سأل ابن عمر عمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها هذا السائل عن غير مؤامرة منه لتحل لمطلقها، قال ابن عمر: " لا إلا نكاح رغبة، كنا نعده سفاحا على عهد رسول الله ﷺ "
قال ابن تيمية: " وهذا الإسناد جيد رجاله مشاهير ثقات، وهو نص في أن التحليل المكتوم كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ سفاحا "٢.
قلت: والحديث أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان بالسند السابق وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٣.
د- روى أبو سفيان الجوزجاني حدثنا ابن أبي مريم أنبأنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن أبي داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ، عن المحلل فقال: " لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة ".
وإسناده جيد إلا إبراهيم بن إسماعيل فقد اختلف فيه، وثقه بعضهم، وضعفه البعض، قال ابن عدي: هو صالح في باب الرواية ويكتب حديثه على ضعفه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا الذي قاله ابن عدي عدل من القول فإن في الرجل ضعفا لا محالة، وضعفه إنما هو من جهة الحفظ وعدم الإتقان لا من جهة التهمة، وله عدة أحاديث بهذا الإسناد، روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا يكتب حديثه للاعتبار به، وقد جاء حديث مرسل يوافق هذا؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حميد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا فجاء رجل
_________________
(١) ١ زاد المعاد جـ٤ ص ١١، وأعلام الموقعين جـ ٣ ص ٤٣-٤٧. ٢ الفتاوى الكبرى جـ٣ ص ٣٢٥. ٣ المستدرك جـ ٢ ص ١٩٩.
[ ١٣٥ ]
من أهل القرية بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحللها له، فقال: لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل ذلك فقال: " لا حتى ينكحها مرتغبا لنفسه، حتى يتزوجها مرتغبا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم تحل له حتى تذوق العسيلة "، وهذا المرسل حجة، لأن الذي أرسله احتج به، ولولا ثبوته عنده لما جاز أن يحتج به من غير أن يسنده "١. هذا وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى جملة من أحاديث التحليل وجمعا طرفا منها ومن الآثار الواردة عن الصحابة في تحريم نكاح التحليل فليتأمل فهو مفيد سديد وقد ضربا فيه بسهم وافر من التشديد والتشنيع وإيضاح صوره٢.
وجملة القول أن نكاح التحليل محرم باطل بأدلة الشرع المتضافرة والعلة فيه ظاهرة وهو أنه حيلة على ارتكاب محارم الله بشتى صوره وأضربه الثلاث وهي:
١- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يكون هناك مواطأة عرفية أو لفظية.
٢- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول مع المواطأة اللفظية في صلب العقد أو قبله.
٣- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يحصل بينهما اشتراط على ذلك لفظا لا متقدما ولا مقارنا للعقد بل يدل الحال وتقوم القرائن على ذلك فهذا قائم مقام الاشتراط اللفظي.
٥- قال رسول الله ﷺ: " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " رواه أحمد والبخاري ضمن حديث طويل كتبه أبو بكر ﵁ إلى أنس حين وجهه إلى البحرين٣.
قلت: هذا الحديث اختلف العلماء في تفسيره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب مالك إلى أن معناه أن يكون للنفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة ثلاث شياة على كل واحد منهم شاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخلطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليها ثلاث شياة فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهى عن ذلك، وعليه فهو خطاب للمالك٤.
_________________
(١) ١ الفتاوى الكبرى جـ ٣ ص ٣٢٤. ٢ انظر الفتاوى الكبرى المجلد الثالث، وأعلام الموقعين أيضا المجلد الثالث، وإغاثة اللهفان المجلد الأول. ٣ الفتح الرباني جـ ٧ ص ٢٠٨، وصحيح البخاري جـ٢ ص ١٢٤. ٤ انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ٩ ص ١٠، فتح القدير جـ ١ص ٤٩٦.
[ ١٣٦ ]
القول الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن معنى قوله: " لا يجمع بين متفرق " أن يكون لرجل عشرون شاة وللآخر مثلها فيجمع الساعي بينها ويقول هي لواحد ويأخذ عليه شاة فنهى عن ذلك، وعلى ذلك فيكون الخطاب للساعي.
ومعنى قوله: " ولا يفرق بين مجتمع " أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة فالواجب منها شاة واحدة فلا يجوز للساعي أن يفرقها أربعين أربعين ويقول هي لثلاثة نفر فيأخذ عليها ثلاث شياة، ويحتمل عندهم أن يكون الخطاب للمالك نص على ذلك صاحب المحيط من الحنفية وعزاه لأبى يوسف كما نبه عليه العيني في شرحه للبخاري١.
وعليه فتفسر الجملة الأولى من الحديث: أن يكون لرجل أربعون شاة ولأخويه لكل واحد منهما أربعون فيقول أحدهم للساعي: كلها لي حتى لا يأخذ منها كلها إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك.
وتفسير الجملة الثانية: أن يكون لرجل ثمانون شاة فإذا جاء الساعي قال هي بيني وبين إخوتي لكل واحد عشرون فلا يأخذ من واحد منهم زكاة، فنهوا عن ذلك لما فيه من الإضرار بالفقراء بالتنقيص من الأول وبالحرمان في الثاني.
القول الثالث: وذهب الشافعي وأحمد إلى أن الخطاب في الحديث لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهما ألا يحدث شيئا من الجمع والتفرق خشية الصدقة، ومعنى قوله " خشية الصدقة " أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، ولما كان الخطاب محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر فحمل عليهما٢.
قلت: وهذا الحديث صريح في تحريم الحيلة لإسقاط الزكاة أو تخفيفها بالجمع أو التفريق وذلك بإجماع الأئمة على اختلاف تفسيراتهم للحديث.
٦- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا
_________________
(١) ١ فتح الباري جـ ١٢ ص٣١٤، كتاب الزكاة من الحاوي الكبير للماوردي جـ ١ ص ٥٢٩ تحقيق ودراسة د/ ياسين ناصر محمود الخطيب. ٢ المغني جـ٢ ص ٤٥٩-٤٦٠.
[ ١٣٧ ]
إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله " رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجة وحسنه الترمذي١.
قلت: هذا الحديث يدل على أن البائع والمشتري إذا انعقد بينهما البيع بالإيجاب والقبول ثم بدا لأحدهما أن يفسخ البيع فله ذلك ما داما في مجلس العقد مجتمعين لم يتفرقا عنه، فإن تفرقا أو أحدهما نفذ البيع ولزم.
هذا الذي ذكرناه هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال المالكية والحنفية: يلزم العقد بالإيجاب والقبول ولا خيار للمتبايعين٢.
والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وليس لهم عنها جواب سديد، فإنهم ما بين مؤول لها على خلاف ظاهرها أو معارض لها بنص عام أو مطلق، وليس المقام هنا مقام بسط هذه المسألة، ولكن تقرير أن هذا حق أعطاه الشارع للمتبايعين مادام في مجلس العقد، ولا يجوز إسقاط هذا الحق، والحكمة فيه ظاهرة وهو أنه قد يتعجل أحدهما في البيع والشراء فيقدم عليه بلا ترو ولا تبصر فأعطاه الشارع هذا الحق ليتدارك ما عسى أن يكون قد غاب عنه، فإذا عمد أحدهما إلى مفارقة صاحبه قاصدًا إسقاط حقه في خيار الفسخ فقد ضاد الشارع في تشريعه، وسعى في مضارة أخيه المسلم، لذلك حرم رسول الله ﷺ مثل هذا الصنيع بقوله: " ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله "، وهذه المفارقة تعتبر في الحقيقة حيلة على إسقاط خيار المجلس، ووجه كونها حيلة أن ظاهرها المفارقة لقضاء مصالحه وباطنها الإضرار بأخيه المسلم فلم ينظر الشارع إلى ظاهر هذه الوسيلة ولكنه نظر إلى حقيقتها فحرمها.
٧- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر " ٣.
اعلم أولا أن الفقهاء مختلفون في العمل بحديث التصرية، فقد أخذ الجمهور بحديث التصرية وعملوا به، وخالفهم الحنفية فلم يعملوا بهذا الحديث٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ص٣ ص٥٥٠، وقال: حديث حسن، الفتح الرباني جـ ١٥ ص ٣٨، سنن النسائي جـ ٧ ص٢٥٢، سنن أبي داود جـ ٣ ص ٢٧٣. ٢ انظر: المغني جـ ٣ ص ٤٨٢، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ص٣٠٥، شرح فتح القدير جـ٥ ص ١٢٢. ٣ صحيح البخاري جـ٣ ص ٧٦، صحيح مسلم جـ٥ ص ٦. ٤ انظر: المغني جـ٤ ص ١٠٢، بدائع الصنائع جـ٧ ص٣٣١٨-٣٣١٩.
[ ١٣٨ ]
ثم اختلف الذين أخذوا بالحديث هل يتعين التمر أم لا؟
فقال كثير منهم: يتعين، وقال بعضهم: لا يتعين بل يخرج من غالب قوت أهل البلد ولا يختص ذلك بالتمر، وهذا كما قال ابن القيم ﵀ أقرب إلى قواعد الشريعة وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك أو الذرة أو الأرز أن يدفعوا تمرا ولا يجدونه، وأما حكمة التقييد بصاع من تمر فلأنه كان غالب قوت أهل المدينة والعرب عموما١.
وكان رد الحنفية لحديث المصراة لسببين:
أحدهما: أنه من رواية أبي هريرة وهو غير فقيه فيما يزعمون، وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحديث قد جاء من رواية ابن عمر من طريقين رواه أبو داود بطريق والطبراني بآخر، ومن رواية أنس أخرجه أبو يعلى.
ومن رواية عمرو بن عوف أخرجه البيهقي في الخلافيات، وقد ثبت عن ابن مسعود موقوفا عليه كما في صحيح البخاري، والموقوف في مثل ذلك له حكم الرفع لتصريحهم بأنه مخالف للقياس، والموقوف المخالف للقياس مرفوع حكما.
وابن مسعود من أجلاء الفقهاء بالاتفاق، وقولهم أبو هريرة غير فقيه قول ساقط فقد ذكروه في فقهاء الصحابة وذكروا أنه كان يفتي في عهدهم ومن تتبع كتب الحديث يجده حقا بلا ريب، على أن المدار في قبول الحديث إنما هو على حفظ الراوي وأمانته، وأبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث على الإطلاق، وقد دعا له ﷺ بالحفظ فكان أجود الرواة حفظا، وأوثقهم نقلا، فالطعن في روايته من ضعف العلم والإيمان.
ثانيهما: أنه يخالف أصول الشريعة كما يخالف القياس الجلي من وجوه:
١- منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة.
٢- ومنها أنه معارض بحديث " الخراج بالضمان " فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه.
٣- ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله.
٤- ومنها أنه إذا تعذر التضمين بالمثل كان الضمان بالقيمة والتمر ليس بمثل ولا قيمة.
٥- ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة وقد قدر الضمان هاهنا بصاع القليل والكثير.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣ ص ١٣.
[ ١٣٩ ]
ورد ذلك كله بأن الحديث موافق لأصل الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلا بنفسه، وكما أن غيره أصل بنفسه، وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله ﷺ عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض، بل يجب اتباعها كلها، ويقر كل أصل منها على مكانه وموضعه، فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح هذا جواب إجمالي عن اعتراضاتهم.
وأما الجواب عن تفاصيلها فقولهم (أولا) أنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة مردود بأنه ليس في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد في هذين الأمرين بل أصول الشريعة توجب الرد بغير هذين وهو الرد بالتدليس والغش فإنه هو، ولا الخلف في الصفة من باب واحد فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا ظهر للمشتري أنه على صفة ثم بان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه المبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه عنه الشريعة، وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر، وليس ههنا عيب ولا خلف في صفة ولكن فيه نوع تدليس وغش.
وقولهم (ثانيا) إنه معارض بحديث " الخراج بالضمان " فهذا الحديث وإن أخرجه أصحاب السنن عن عائشة مرفوعا فحديث المصراة أصح منه باتفاق أئمة الحديث قاطبة، فكيف يعارض به، مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله، فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا، وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث وهو الغلة لم يكن موجودا حال البيع، وإنما حدث بعد القبض، وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث بعد البيع وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض العدل والقياس.
وقولهم (ثالثا) أنه مضمون بغير جنسه وبمقدار واحد في القليل والكثير جوابه أن تضمينه بغير جنسه في غاية العدل لأنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد، فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه، وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على
[ ١٤٠ ]
المشتري، فقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي إلى الربا وأقل الأقسام أن نجهل المساواة.
وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصام بينهما فحسم الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة، وفصلا، للمنازعة، وكان تقديره بالتمر أقرب إلى الأشياء إلى اللبن فإنه قوت أهل المدينة كما أن اللبن كان قوتًا لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون لها إلى اللبن، فإن قيل فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان سواء كان قوتا لهم أو لم يكن، فالجواب أن هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد فمن الناس من يوجب ذلك ومنهم من يوجب في كل بلد صاع عن قوتهم وهذا القول الثاني أقرب إلى قواعد الشريعة كما قدمنا ذلك.
قرر ذلك كله ابن القيم وكذلك الخطابي في معالم السنن وابن دقيق العيد في شرح العمدة والحافظ في الفتح وابن العربي في شرح الترمذي وغيرهم، وقد ذكروه بأبسط من هذا.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر أن الكل مجمعون على أن التصرية حرام، وغش وخداع، غاية الأمر أن الإمام أبا حنيفة وصاحبيه محمدا وأبا يوسف في المشهور عنه يقولون ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب لأنه وجد ما يمنع الرد وهو الزيادة المنفصلة وأما الرجوع بالنقصان ففيه روايتان عن أبي حنيفة، في رواية شرح الطحاوي يرجع على البائع بالنقصان في الثمن لتعذر الرد، وفي رواية الأسرار لا يرجع بالنقصان لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا أفاده العيني في شرح البخاري١، وأجابوا عن الحديث بما سمعت، وقد علمت أنها حجج غير ناهضة فلا نترك السنة الثابتة بمثلها.
ووجه الدلالة من حديث التصرية على تحريم الحيل أن التصرية حبس اللبن في ضرع الناقة أو البقرة أو الشاة عدة أيام حتى يمتلأ باللبن، فإذا عُرضَتْ بهذا الشكل زادت رغبة الناس فيها لظنهم أن كثرة لبنها وكبر ضرعها أمر جبلي، ولا ريب أن هذه حيلة ظاهرها أن كثرة اللبن من أصل الخلقة وباطنها الكذب والخداع والتغرير بالمشتري ليغالي في ثمنها، وقد جاءت الشريعة باعتبار المقاصد في العقوبات فأهملت الصورة ونظر إلى المعنى، فإن حبس اللبن مدة معلومة أمر مباح ما لم يتضرر الحيوان لكن لما اتخذ وسيلة إلى أكل أموال الناس بالباطل صار حراما بهذا القصد.
_________________
(١) ١ جـ١١ ص ٢٧٢.
[ ١٤١ ]
ولا فرق في الشرع بين من عرَّض وخادع بالقول أو بالفعل، والتصرية نوع من التعريض بالفعل تضمن الغش والخداع.
وأما التعريض بالقول فمثاله ماحكاه ابن تيمية في إقامة الدليل قال: " وقد حكى عن بعض المحتالين أنه كان إذا استوصف السلعة عرَّض في كلامه، مثل أن يقال له: كيف الجمل؟ يقول: احمل ما شئت وينوي على الحيل، ويقال له: كم نحلب؟ فيقول: في أي إناء شئت، فيقول: كيف سيره؟ فيقول: الريح لا تلحق فإذا قبض المشتري ذلك فلا يجد شيئا من تلك الأوصاف، فيقول: ما كذبتك "١.
٨- حيلة العينة وإليك طرفًا من الأحاديث الواردة فيها:
أولا: عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم " ٢.
قلت: هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند قال: أنبأنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن رباح عن ابن عمر.
قال ابن حجر في بلوغ المرام: " ورجاله ثقات وصححه ابن القطان، اه "٣.
ورواه أبو داود من طريق حيوة بن شريح عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " قال المنذري في مختصر السنن: " في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال، اه ".
وقال ابن تيمية بعد أن ذكر هذا الحديث بروايتيه عند أحمد وأبي داود على الترتيب ما لفظه: " وهذان إسنادان حسنان أحدهما يشد الآخر ويقويه، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير لكن يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، وأن عطاء لم يسمعه من ابن عمر.
_________________
(١) ١ إقامة الدليل لابن تيمية ص ٢٣٧. ٢ المسند جـ ١٥ص ٤٤، أبو داود جـ٣ ص ٢٧٥. ٣ بلوغ المرام ص ١٧٢.
[ ١٤٢ ]
والإسناد الثاني: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك وأفضل، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة بن شريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم. قال: وقد روينا من طريق ثالث من حديث السري بن سهل الجندسابوري بإسناد مشهور إليه حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره وبدرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم " وهذا يبين أن للحديث أصلا عن عطاء، اه١.
والحديث يدل على تحريم بيع العينة، وأنه من الكبائر، كما يدل على أن ما ذكر قبلها وبعدها كذلك لأنه قد جعل ذلك خروجا عن الدين، ورتب عليه الذل والصغار حتى يحدثوا توبة ويراجعوا دينهم.
ويرد على دلالة الحديث على التحريم أمران:
أولهما: أنه قرن العينة بالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، وذلك غير محرم.
والثاني: أنه توعد على ذلك بالذل وهو لا يدل على التحريم.
ويدفع هذا بأن الأول غير مسلم إذ الحديث محمول على الاشتغال بالزرع على وجه يؤدي إلى التهاون في أمر الجهاد وذلك من أكبر الكبائر.
والثاني غير مسلم أيضا لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فطلب أسباب العزة وتجنب أسباب الذلة من لوازم الإيمان ومقتضياته، والتوعد بالذل ظاهر ظهورا بينا في التحريم، وهو لا يكون إلا لذنب عظيم، لذلك جعل رسول الله ﷺ الفاعل لما يوجب المذلة من الأمور المذكورة في الحديث بمنزلة الخارج عن الدين الناكص على عقبه.
ثانيا: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى، فقالت لها أم ولد زيد: " إني بعت من زيد غلامًا بثمانمائة درهم نسيئة، واشتريته بستمائة نقدا "، فقالت: " أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت ".
_________________
(١) ١ إقامة الدليل ص ١٣٣.
[ ١٤٣ ]
قال عبد الهادي: " إسناده جيد "، وعزاه في منتقى الأخبار إلى الدارقطني أيضا ورواه حرب الكرماني من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية (يعني جدة إسرائيل فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق وجدة إسرائيل بن يونس) قالت: دخلتُ على عائشة في نسوة فقالت: " ما حاجتكن "، فكان أول من سألها أم محبة فقالت: " يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ "، قالت: " نعم "، قالت: " فإني بعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، وأنه أراد بيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا، فأقبلت عليها وهي غضبى " فقالت: " بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب "، وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم أنه سهل عليها، فقالت: " يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فتلت عليها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ (البقرة: من الآية٢٧٥) .
قال الشوكاني في نيل الأوطار: " فيه دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمنه نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول، أما إذا كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أمد فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة قال: والصورة المذكورة هي صورة ببع العينة قال: وليس في حديث الباب - يريد به حديث عائشة ﵂ - ما يدل على أن النبي ﷺ نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله ﷺ يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص عن الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة، ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم، لأن مخالفة الصحابي لصحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط، اه "١.
وقال الإمام القرافي ﵀ في الفرق الرابع والتسعين بعد المائة من كتابه (الفروق): " وهذا التغليظ العظيم لا تقوله ﵂ إلا عن توقيف، فتكون هذه الذرائع واجبة المنع وهو المطلوب.
فإن قيل زيد بن أرقم من خيار الصحابة والصحابة ﵃ كلهم عدول وسادة أتقياء.
فكيف يليق به فعل ما يقال فيه ذلك؟ الجواب: قال صاحب المقدمات أبو الوليد بن
_________________
(١) ١ جـ ٥ ص١٧٥.
[ ١٤٤ ]
رشد: هذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ومولاته قبل العتق، فيتخرج قول عائشة ﵂ على تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع، ولعل زيد بن أرقم لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده، قال: ولا يحل لمسلم أن يعتقد في زيد أنه واطأ أم ولده على شراء الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل.
فإن قيل: إذا قلنا بالتحريم على رأى عائشة ﵂ فما معنى إحباط الجهاد، وإحباط الأعمال لا يكون إلا بالشرك.
الجواب: أن الإحباط إحباطان: إحباط إسقاط، وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة، فلا يفيد شيء منها معه.
وإحباط موازنة، وهو وزن العمل الصالح بالسيء، فإن رجح الشيء فأمه هاويه أو الصالح فهو في عيشة راضية، كلاهما معتبر غير أنه يعتبر أحدهما بالآخر، ومع الكفر لا عبرة البتة بالأعمال الصالحة فالإحباط في الأثر إحباط موازنة.
بقي سؤال وهو: كيف يحيط هذا الفعل جملة ثواب الجهاد؟ قلت: له معنيان:
أحدهما: أن المراد المبالغة في الانكار لا الحقيقة.
ثانيهما: أن مجموع الثواب المتحصل من الجهاد ليس باقيا بعد هذه السيئة، بل بعضه فيكون الإحباط في المجموع من حيث هو مجموع. وظاهر الإحباط والتوبة أنه معصية إما بترك التعلم لحال هذا العقد قبل القدوم عليه لأنه اجتهد فيه ورأت أن اجتهاده مما يجب نقضه وعدم إقراره فلا يكون حجة له، أو هو ممن يقتدى به فخشيت أن يقتدي به الناس فينفتح باب الربا بسببه، فيكون ذلك في صحيفته فيعظم الإحباط في حقه.
ومن هذا الباب في الإحباط قوله ﵊: " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " أي بالموازنة، اهـ١.
نقض مطاعن ابن حزم في حديث عائشة:
وقد طعن ابن حزم في حديث عائشة هذا حيث قال في المحلى٢: " فأما خبر امرأة أبي سفيان ففاسد جدا لوجوه:
أولها: أن امرأة أبي سفيان مجهولة الحال.
_________________
(١) ١ الفروق جـ ٣ ص ٢٦٧-٢٦٨. ٢ المحلى جـ ٩ ص ٤٩-٥٠.
[ ١٤٥ ]
الثاني: أن امرأة أبي سفيان لم تسمعه من أم المؤمنين عائشة، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، وهي التي باعت من زيد وهي أم ولد زيد، وهي في الجهالة أشد وأقوى من امرأة أبي إسحاق، ويدل لذلك ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر تقول: سألت عائشة أم المؤمنين وذكرت القصة.
الثالث: أنه لا يمكن أن تقول عائشة: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، وزيد لم يفته مع رسول الله ﷺ إلا غزوتان فقط أحد وبدر، وأنفق من قبل الفتح وقاتل، وشهد بيعة الرضوان تحت الشجرة بالحديبية، ونزل فيه القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ (الفتح: من الآية١٨) فو الله ما يبطل هذا كله ذنب من الذنوب غير الردة عن الإسلام فقط وقد أعاذه الله تعالى برضاه عنه.
الرابع: لو صح أن زيدا أتى أعظم الذنوب من الربا الصريح وهو لا يدري أنه حرام لكان مأجورا في ذلك أجرا واحدا غير آثم، فكيف يظن بأم المؤمنين إبطال جهاد زيد بن أرقم في شيء عمله مجتهدا فيه.
قال: فهذه أربعة أوجه في بطلان هذا الخبر، ثم لو صح ما كان لهم حجة لأن قول عائشة ليس أولى من قول زيد، وإن كانت أفضل منه إذا تنازعا، انتهى كلامه باختصار.
وقد مربك من الآثار، وأقوال العلماء، ما ينقض هذه الشبهة التي أوردها ابن حزم على حديث عائشة، وجاء في إقامة الدليل لابن تيمية، وفي إعلام الموقعين لابن القيم، ما تنهار به هذه الشبهة أيضا ولا بأس أن نذكر لك خلاصة ما قاله هذان الإمامان الجليلان في هذا الموضوع: (حديث عائشة وأم ولد زيد بن أرقم حديث في إسناده شعبة، وإذا كان شعبة في إسناده حديث فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه، -وأيضا فهذه امرأة أبي إسحاق وهو أحد أئمة الإسلام الكبار وهو أعلم بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يحابيها في دين الله، هذا لا يظن بمن هو دون أبي سفيان- وأيضا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت عنها، ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة، وأيضا فإن كلًا من الكذب والفسق لم يكن ظاهرا في التابعين بحيث ترد به روايتهم، وأيضا فإن هذه المرأة معروفة واسمها العالية وهي جدة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وامرأة أبي إسحاق، وقد حملا عنها هذه السنة، وإسرائيل أعلم بجدته، وأبو إسحاق أعلم بامرأته،
[ ١٤٦ ]
وأيضا فلم يعرف أحد قط من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله، ويستحيل في العادة أن تروي حديثا باطلا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر.
وأيضا فإن في الحديث قصة.
والحديث عند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ، وأيضا فهذا الحديث إذا انضم إلى تلك الأحاديث والآثار التي تفيد تحريم هذا البيع أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين، وأيضا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تفيد تحريم هذا البيع، فإنه ربا مستحل بأدنى الحيل، فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة، ولولا أن عند أم المؤمنين ﵂ علما من رسول الله ﷺ لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها لكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا أمرت بإبلاغه، فمن بلغه التحريم وتبين له ذلك ثم أصر عليه لزمه هذا الحكم.
ومعلوم أن هذا لو كان مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن إثما، فضلا عن أن يكون من الكبائر، فلما قطعت بأنه من الكبائر وأمرت بإبلاغه ذلك علم أنها علمت أن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد وما ذاك إلا عن علم وإلا فالاجتهاد لا يبطل الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة - ولاسيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله وأفقه في دينه من ذلك، وأيضا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم ذلك البيع وغلظوا فيه في أوقات مختلفة، ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة، بل ولا من التابعين رخص في ذلك، بل عامة التابعين من أهل المدينة والكوفة وغيرهم على تحريم ذلك، فيكون حجة، بل إجماعا.
فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد، فالجواب: أن زيدا لم يقل قط أن هذا حلال ولا أفتى بها يوما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله، إذ لعله فعله ناسيا أو ذاهلا أو متأولا أو ذنبا يستغفر الله منه ويتوب أو يصر عليه وله حسنات تقاومه.
وإذا كان الفعل محتملا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن ينسب لأجله اعتقاد حل هذا إلى زيد بن أرقم ﵁، لاسيما وأم ولده إنما دخلت على عائشة تستفتيها، وقد رجعت
[ ١٤٧ ]
عن هذا العقد إلى رأس مالها كما تقدم، فعلما أنهما لم يكونا على بصيرة منه، وقول السائلة لعائشة: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ثم تلاوة عائشة عليها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (البقرة: من الآية٢٧٥) دليل بين على أن التغليظ إنما جاء لأجل جهالة الأجل كما قيل، فإن هذه الآية إنما هي في التأنيب على الربا، وفي هذا دليل على بطلان العقد الأول إذا قصد به التوسل إلى الثاني وهذا هو الصحيح من مذهبنا وغيره، وأيضا فبيع العينة إنما يقع غالبا من مضطر إليها وإلا فالمستغني عنها لا يشغل ذمته بألف وخمسمائة في مقابل ألف بلا ضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود عن صالح بن رستم عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي أو قال قال علي ﵁ " نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمرة قبل أن تدرك "، ورواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور مبسوطا قال: " قال علي سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٢٣٧) وينهد الأشرار ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرين، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تطعم ".
وهذا وإن كان في راويه جهالة فله شاهد من وجه آخر رواه سعيد قال: حدثنا هشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغي عن حذيفة ﵁ أنه حدث عن رسول الله ﷺ: " أن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضا يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: من الآية٣٩) وينهد شرار خلق الله يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره، إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه"، وهذا الإسناد وإن لم تثبت به حجة فهو يعضد الأول، مع أنه خبر صدق، بل هو من دلائل النبوة، فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض، حتى يرجع عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهي التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وقد اختلف السلف في كراهة التورق، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه، ويقول: " التورق أخية الربا "، وعن الإمام أحمد فيه روايتان منصوصتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وأما القسمان الآخران فلا يشك في تحريمهما إن كانا عن احتيال وتواطؤ لفظي أو عرفي؛ والله أعلم"١. اهـ.
_________________
(١) ١ بتصرف من إقامة الدليل ص ١٣٥-١٣٨، وإعلام الموقعين جـ ٣ ص ١٦٦-١٧٠.
[ ١٤٨ ]
ثالثا: ومن الأحاديث الدالة على تحريم العينة ما رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: " يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع " يعني العينة.
وقد انضم إلى هذا الحديث المرسل آثار عن الصحابة تقويه، منها: عن أنس بن مالك أنه سئل عن العينة فقال: "إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله"، وعن ابن سيرين قال: قال ابن عباس: "اتقوا هذه العينة، لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة" رواهما محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين في كتاب البيوع وفي رواية عن ابن عباس. فقال: "دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة" ذكره القاضي أبو يعلى الحنبلي وغيره وفي لفظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال، إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، والصحابي إذا قال حرم الله ورسوله أو أوجب الله ورسوله ونحو هذا فإن حكمه حكم ما لو روى لفظ رسول الله ﷺ الدال على التحريم والإيجاب، ليس في ذلك إلا خلاف شاذ، لأن رواية الحديث بالمعنى جائزة وهو أعلم بمعنى ما سمع، فلا يقدم على القول بمثل ذلك إلا بعد التثبت، واحتمال الوهم احتمال مرجوح كاحتمال غلط السمع أو نسيان القلب.
وهذه الآثار إذا انضمت إلى مرسل الأوزاعي تجعله صالحا للاحتجاج به وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد، ومن المعلوم أن العينة عند مستحلها إنما يسميها بيعا، وفي هذا الحديث والآثار الشاهدة له بيان أنها ربا لا بيع، فإن الأمة لم يستحل أحد منها الربا الصريح، وإنما استحل باسم البيع وصورته، ومن الواضح أن الربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومعناه ومقصوده، وهى قائمة في الحيل الربوية كقيامها في صريحه سواء، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه من شاهد حالهما، والله يعلم أن قصدهما نفس الربا، لكنما توصلا إليه بعقد غير مقصود وسمياه باسم مستعار، فإن الله سبحانه حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وتعريضه للفقر الدائم، والدين اللازم، وتولد ذلك وزيادته إلى غاية تجتاحه متاعه، وتسلبه أثاثه، كما هو الواقع في الشاهد، فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المتضمنة لمصالح العباد تحريمه وتحريم الذرائع الموصلة إليه كما حرم التفرق في الصرف قبل القبض، وأن يبيعه درهما بدرهم إلى أجل وإن لم يكن هناك زيادة، فكيف يظن بالشارع مع كمال علمه وحكمته أن يبيح الحيل والمكر على حصول هذه المفسدة ووقوعها متضاعفة بصورة عقد يتوصلان به إليها.
وأنت إذا تأملت الحيل المتضمنة لتحليل ما حرم الله ﷾، وإسقاط ما أوجبه، وجدت الأمر فيها كذلك، ووجدت المفسدة الناشئة منها أعظم من المحرمات الباقية
[ ١٤٩ ]
على صورها وأسمائها، والوجدان شاهد بذلك، فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها، مع تضمنه لمخادعة الله ورسوله، ونسبة المكر والخداع والغش والنفاق، إلى شرعه ودينه، وأنه يحرم الشيء لمفسدة ثم يبيحه لأعظم منها، ولهذا قال أيوب السختياني " يخادعون الله كما يخدعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون "١.
٩- عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمرًا أن فلانا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: " قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " ٢.
وجه الدلالة من الحديث على تحريم الحيل أن رسول الله ﷺ لعن اليهود كما في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما٣، وذلك لاستحلالهم ما حرم الله عليهم بحيلة ظاهرها أنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لا بما أذيب من الشحم وصار ودكا لئلا يحصل الانتفاع بما كان أصله حراما مبالغة منهم في البعد عن الحرام بطريق الحيلة، ومع خروجهم بهذه الحيلة من ظاهر التحريم من هذين الوجهين فقد لعنهم الله ﷿ ولعنهم رسوله ﷺ على هذا الاستحلال نظرا إلى المقصود الذي أرادوه، فإن ما حكمه التحريم لا يختلف المائع منه عن الجامد، والبدل يأخذ حكم المبدل.
قال الخطابي في معالم السنن: " في هذا الحديث بيان بطلان كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى المحرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه "٤.
وقال ابن حجر في الفتح: " وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم "٥.
ويكفي هذا القدر من الأحاديث الدالة على تحريم الحيل، فقصدنا ضرب الأمثلة
_________________
(١) ١ انظر إقامة الدليل ص١٣٤، إعلام الموقعين جـ ٣ ص ١٦٦. ٢ صحيح البخاري جـ٣ ص ٩١، صحيح مسلم جـ ٣ ص ٤١. ٣ الفتح الرباني جـ١٥ ص ٢٧. ٤ معالم السنن جـ٣ ص ١٣٣. ٥ فتح الباري جـ ٤ ص٢٨٢.
[ ١٥٠ ]
والشواهد، وليس قصدنا في بحثنا هذا الاستقصاء فهذا بحر واسع يصعب غوره، ويطول وأما الإجماع فقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم على تحريم الحيل، وتقرير هذا الإجماع من عدة وجهه:
أحدها: أن المقتضي لهذه الحيل كان موجودا في عهدهم ولم يعملوا بها ولم يدلوا أحدا عليها فعلم أنها لم تكن عندهم من الدين في شيء، إذ لو كانت مشروعة ما استغنى عنها القوم لأنهم أهل حرث وتجارة فلو كانت البيوع الربوية وما شاكلها مشروعة لعملوا بها وأفتوا الناس بجوازها، وكذلك الطلاق الثلاث كان واقعا في عهدهم وكان المطلقون والمطلقات يندمون ويتمنون الرجوع إلى بعضهم كما في قصة امرأة رفاعة القرظي فلو كان الحل يثبت بنكاح التحليل لأوشك أن يدلوا عليه فكيف وقد شددوا فيه حتى سمى النبي ﷺ المحلل التيس المستعار.
وهكذا سائر الحيل كانت أسبابها قائمة، ودواعيها متوافرة ولم يفعلوها فدل ذلك على أنها لم تكن من الدين بإجماع منهم.
الوجه الثاني: أن الكتب المصنفة في أحاديث رسول الله ﷺ وفتاوى الصحابة والتابعين وقضاياهم ليس فيها عن أحد منهم أنه عمل بشيء من هذه الحيل أو أفتى بها، ولو عملوا أو أفتوا به لنقل إلينا كما نقل لنا غيره.
والذين صنفوا في الحيل من المتأخرين حرصوا كثيرا على خبر أو أثر يستندون إليه في ذلك فلم يجدوا شيئا من ذلك إلا ما حكى من المعاريض القولية والفعلية التي لا تدل إلى ما ذهبوا إليه من الحيل المناقضة لمقاصد الشارع، فإن تلك المعاريض إما كتم عن المخاطب ما أراد معرفته أو إفهام له بخلاف ما في نفسه، مع أنه صادق فيما عناه، والمخاطب ضل في تعرف الطريق إلى مقصوده، فكيف وما عناه الصادق في قوله يخدم مصلحة شرعية.
الوجه الثالث: ومع أنهم لم يفتوا بشيء من هذه الحيل، ولم يعملوا بها مع قيام المقتضي لها والرغبة إليها لو كانت جائزة، فقد أفتوا بتحريمها وإنكارِها في قضايا متعددة، وقصص مشهورة، وأمصار متباينة فدل ذلك أن إنكارها كان مشهورا بينهم.
فقد خطب عمر بالناس على منبر رسول الله ﷺ وقال: " لا أوتى بمحلل ولا محلل له
[ ١٥١ ]
إلا رجمتهما "١ وأقره الصحابة على ذلك، بل أفتى بذلك أيضا عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر ﵃ أجمعين أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل.
وأفتى ابن عباس وأنس وعائشة بتحريم مسألة العينة وإفساد العقد بها وأنها خداع لله والرسول؛ لأن ظاهرها البيع وباطنها الربا.
فكان هذا قولهم في التحليل، والإهداء للمقترض، والعينة وغير ذلك مما تقدم طرف منه ومن أراد المزيد فعليه مراجعة إقامة الدليل لابن تيمية، وإعلام الموقعين، وإغاثة اللهفان لابن القيم وغيرها.
_________________
(١) ١ إقامة الدليل ص ٢٤٦.
[ ١٥٢ ]