عدد أوراقها ٧٨ ورقة، منها ٦٢ ورقة هي أصل الذي بخط الربيع، والباقي أوراق زيدت في أوله وآخره ووسطه، كتبت فيها السماعات وغيرها، وغلفت النسخة بجلد قديم، لا أستطيع الجزم بتاريخه، ولعله في القرن السادس أو السابع الهجري. وطول الورقة من أصل الكتاب (٨ و٢٥ سنتيمتر) وعرضها (١٤ س) والكتابة تملا الصفحة تقريبا، فإن طول السطر الواحد (٥ و١٢ س) وعدد السطور يختلف في الصفحات ما بين (٢٧، ٣٠) سطرا، تشغل من طولها نحو (٨ و٢٤ س). وقد صورنا صورا منها مصغرة قليلا إلى نحو الثلثين، حتى تتسع لها مساحة الورق الذي تطبع عليه، وهي اللوحات (رقم ٦ - ٩). والخط مقروء واضح لمن خبر هذه الخطوط القديمة، إلا في بعض المواضع النادرة، مما يتبين لقارئ الكتاب بما علقنا به عليه.
وقواعد الرسم التي كتبت بها تختلف كثيرا عن القواعد التي يكتب بها المتأخرون، وإحصاء ذلك لا تسعه هذه المقدمة، ولكنا نذكر بعض أنواعها.
فمن ذلك أنه يكتب كل ما ينطق ألفا في أواخر الكلمات بالالف، وإن كان مما يكتب بالياء، إلا كلمة، " هكذا " وحرفي " إلى " وعلى " فبالياء، فيكتب مثلا
[ ٢٣ ]
" حتى " بالالف "حتا". و" حكى " " حكا ". و" مستغنى " " مستغنا ". و"سوى" "سوا" الخ. وإذا كانت الكلمة تنطق بإمالة الالف لم يكتبها ألفا، بل كتبها ياء، إشارة إلى الامالة، مثل " هؤلاء " كتبها " هاولى " وكذلك " الايلاء " كتبها " الايلى ". ويحذف ألف " ابن " مطلقا، وإن لم تكن بين علمين، فيكتب مثلا " عن بن عباس ". ويكتب كلمة " ههنا " " هاهنا ".
وكلمة " هكذا " برسمين: الاكثر: " ها كذى " والبعض: " هكذى ".
ويقسم الكلمة الواحدة في سطرين إذا لم يسعها اخر السطر، فمثلا كلمة " استدللنا " كتب الالف وحدها في سطر وباقيها في السطر الاخر (ص ٤٤ من الاصل س ١٠، ١١) وكلمة " زوجها " الزاي والواو في سطر والباقي في سطر (ص ٥٠ س ١٨، ١٩). وهذا كثير فيها.
وأما الثقة بها فما شئت من ثقة، دقة في الكتابة، ودقة في الضبط، كعادة المتقنين من أهل العلم الاولين. فإذا اشتبه الحرف المهمل بين الاهمال والاعجام، ضبطه بإحدى علامتي الاهمال: إما أن يضع تحته نقطة، وإما أن يضع فوقه رسم هلال صغير، حتى لا يشبه فيتصحف على القارئ. ومن أقوى الادلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة " النذارة " (رقم ٣٥ ص ١٤ من الاصل) وهي كلمة نادرة، لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها من الامام الشافعي. وهي تؤيد ما ذهبت إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرى نطق الشافعي ويكتب عنه عن بينة. ومن الطرائف المناسبة هنا أنى عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلامة أمير الشعراء على بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: كأنك بهذه الكلمة جئت بتوقيع الشافعي على النسخة.
وقد صدق حفظه الله.
[ ٢٤ ]
ومما يلاحظ في النسخة أن الصلاة على النبي لم تكتب عند ذكره في كل مرة، بل كتبت في القليل النادر، بلفظ " صلى الله عليه ". وهذه طريقة العلماء المتقدمين، في عصر الشافعي وقبله، وقد شدد فيها المتأخرون، وقالوا:
ينبغي المحافظة على كتابة الصلاة والتسليم، بل زادوا أنه لا ينبغي للناسخ أن يتقيد بالاصل إذا لم توجد فيه. وقد ثبت عن أحمد بن حنبل أنه كان لا يكتب الصلاة، وأجابوا عن ذلك بأنه كان يصلي لفظا، أو بأنه كان يتقيد بما سمع من شيخه فلا يزيد عليه. والذي أختاره أن يتقيد الناسخ بالاصل الذي يعتمد عليه في النقل، أما إذا كتب لنفسه فهو مخير، وليس معنى هذا أن يفعل كما يفعل الكتاب " المجد دون!! " في عصرنا، إذ يذكرون النبي باسمه " محمد " ﷺ، ولا يكتبون الصلاة عليه، بل يذكره بصفد النبوة أو الرسالة أو نحوهما، لان الله سبحانه نهانا عن مخاطبته باسمه: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ولان الله لم يذكره في القران إلا بصفة النبوة أو الرسالة، أو باسمه الكريم مقرونا بإحداهما. وانظر شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح (ص ١٧٤ - ١٧٥) وتدريب الرواي (ص ١٥٣) وشرحنا على ألفية السيوطي (ص ١٥١) وشرحنا على مختصر علوم الحديث لابن كثير ص (١٥٨ - ١٥٩) وشرحنا على الترمذي (٢: ٣٥٤ - ٣٥٥).