١١ - أما حد الحكم عند أهل السنة (١) فهو عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين بطلب أو ترك فإذا لم يرد هذا الخطاب لم تتعلق بالأفعال صفة تحسين أو تقبيح، فيكون الحسن والقبح على هذا ليس وصفا ذاتيا للأفعال. وذهبت المعتزلة إلى أن الحسن والقبيح وصف ذاتي للأفعال، فبعض ذلك مدرك بضرورة العقل كالكذب وشكر المنعم، وبعضه بانضمام الشرع كالطهارة والصلاة لما فيهما مثلا من اللفظ المانع من الفحشاء ومن النظافة. وفائدة معرفة هذا الاختلاف في هذه الصناعة تتصور عند النظر في القياس المناسب والمخيل وجميع أنواعه، وعند النظر في تصويب المجتهدين وتخطئتهم. أما أهل السنة فحجتهم أن الحسن والقبيح يطلق في عرف المتكلمين على معان.
أولها وأشهرها ما يوافق غرض المستحسن أو يخالفه. حتى يستحسن سمرة اللون مثلا واحد ويستقبحها آخر. وهذا أمر إضافى لا كالسواد والبياض الموجودين للأشياء بذاتها.
والثاني ما حسنه الشرع أو قبحه.
والثالث من معاني الحسن ما كان للإنسان مباحا فعله. وكل هذه أوصاف إضافية لا ذاتية. ومعنى ذلك أن ليس للحسن والقبح وجود
_________________
(١) يقول الغزالي في هذا الموضع من المستصفى: «عندنا» بدل «عند أهل السنة» كما وردت في مختصر ابن رشد هذا.
[ ١ / ٤١ ]
خارج العين.
١٢ـ وأما المعتزلة فاستدلوا على أن الحسن والقبح وصف ذاتي للأشياء باتفاق العقل على القول بهما من غير إضافة كحسن الصدق وقبح الكذب، وبالجملة من حيث هذه القضايا مشهورة ومتفق عليها. وظاهر أن الأمور المعقولة قد يلحقها أن تكون مشهورة، وأن ذلك غير منعكس.
١٣ـ والقول في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله. ويشبه ألا يكون في واحد من هذين القولين كفاية في الوقوف على هذه المسألة. وقد احتجت المعتزلة على أن مدرك الوجوب في بعض الأمور بالعقل كشكر المنعم وغير ذلك، فإن حصرها في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل عند دعائهم إلى النظر، لأنا ما لم نعلم وجوب النظر لم ننظر، وما لم ننظر لم نتحقق دعوى الشارع فيما دعا إليه، وما لم نتحقق دعواه فلا سبيل إلى الإيمان بما دعا إليه سواء كان المدعو إليه، في نفسه حقا أو لم يكن لا سبيل لنا على هذا الوجه إلى حصول العلم به.
١٤ـ وقد ألزم المتكلمون المعتزلة في كون مدرك وجوب النظر عقلا شكا ما، وهو أن وجوب النظر إن كان مدركا عقلا فلا يخلو أن يكون ذلك ضرورة أو اكتسابا، فإن كان (١) ضرورة لم يغفل أحد عن علم الله، وإن كان مكتسبا بنظر انعكس عليهم القول في مدرك وجوب النظر في دعوى الشرع، وذلك إلى غير نهاية.
١٥ـ والذي ينبغي عندي أن يقال في هذا الموضع فهو أن التصديق
_________________
(١) في الأصل:. فإن كل.
[ ١ / ٤٢ ]
بدعوى الشارع عند ظهور المعجزة وفق دعواه هو من جنس المعارف الضرورية، وأن التصديق يقع بمشاهدة ذلك اضطرارا أو بوجودها تواترا، وإنما يتصور وجوب النظر أو لا وجوبه في معرفته بنظر واستدلال. وتكلف ما سوى هذا من القول في هذا الموضع تشويش للعقائد أو عناء. ولو أن واحدا واحدا من المدعوين للشرع تكلف مثل هذه الشكوك عند النظر فيما دعا إليه الشرع لكان إيمان كثير من الناس مما لا يقع، ولو وقع لكان في النادر. وبالجملة فكأن يكون دعاء الله الناس إلى الإيمان بالشرع بمثل هذه الطرق في حق الأكثر من باب تكليف ما لا يطاق. وليس يلزم من كون المعرفة بذلك ضرورية ألا ينفك عن الإقرار بها أحد، فإنه كما أنه ليس من شرط المتفق عليه أن (١) يكون ضروريا كذلك ليس من شرط الضروري أن يكون متفقا عليه. وهذا كله ليس من هذا العلم (٢) .
١٦ـ أما من ذهب من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة فإنما أرادوا بذلك ما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. ومن قال منهم أنها على الوقف فأراهم رأوا ذلك فيما لا يدرك من الأفعال الحسن والقبح فيه إلا بانضمام الشرع إلى العقل، كما تقدم من آرائهم.
وأما من قال من الناس إنها قبل ورود الشرع على الحظر فقول لا معنى له، وهو بين السقوط بنفسه (٣) .
_________________
(١) في الأصل: لأن.
(٢) وقريب من هذا ذهب إليه في الفصل والكشف والتهافت وفي غيره من شروحه الفلسفة الأخرى.
(٣) ينسب المستصفى هذا الرأي الأخير إلى المعتزلة أيضا لا إلى الناس هكذا بغموض وإطلاق كما فعل ابن رشد.
[ ١ / ٤٣ ]