بسم الله الرحمن الرحيم
[الحمد لله المتقرب إليه به، حمد الراضي من عباده بشكره، وإياه أسأله التوفيق بمنه، وأن يصلي على محمد خيرته من خلقه، وعلى أهله وأصحابه من بعده، وبه أستعين على ما قصدته من رحمته] ١.
٢
[والفقه في اللغة: العلم، يقال: فلان يفقه الخير والشر، ويفقه كلام فلان أي: يفهمه ويعلمه] ٣ [وسمي العالم عالمًا] [٢/ أ] بما يتعاطاه من العلوم.
_________________
(١) ١ هذا الاستفتاح أخذناه من كتاب: "الروايتين والوجهين" للمؤلف، ورقة "١/ ب". ٢ هنا وقع طمس بسبب أن الورقة الأولى لحقها بعض التلف، فألصقت برأسها قطعة من الورق لتقويتها، والطمس يقدر بخمسة أسطر تقريبًا، وهي -في اعتقادي- عبارة عن الافتتاحية، وأول الكلام في تعريف الفقه لغة؛ يدل على ذلك استدلاله بقول ابن قتيبة بعد ذلك. و"أصول الفقه" كلمتان، لكل منهما معنى عند الافتراق، ولهما معنى عند الاجتماع، فالأصول جمع أصل، والأصل في اللغة: ما ينبني عليه غيره. ٣ ما بين القوسين نقله الطوفي في كتابه "شرح مختصر الروضة" الورقة "٢٢/ب" منقولا عن كتاب العدة للمؤلف.
[ ١ / ٦٧ ]
وذكر ابن قتيبة١ في جوابات مسائل سئل عنها فقال: "الفقه في اللغة: الفهم، يقال: فلان لا يفقه قولي. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ٢ أي لا تفهمونه، ثم يقال للعلم، الفقه؛ لأنه عن الفهم يكون، والعالم فقيه؛ لأنه يعلم بفهمه"٣، فهذا موضوعه في اللغة٤.
وأما موضوعه عند الفقهاء والمتكلمين فهو: العلم بأحكام أفعال المكلفين
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد من أئمة الحديث واللغة والأدب، قال فيه الخطيب: "كان رأسًا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة دينًا فاضلًا"، عده شيخ الإسلام ابن تيمية من أهل السنة، ونسبه البيهقي إلى الكرامية. رماه الحاكم بالكذب مدعيًا الإجماع على ذلك، وقد رد الذهبي كلام الحاكم وعابه. ولد ببغداد وقيل: بالكوفة سنة: ٢١٣هـ. وتوفي على الأصح سنة: ٢٧٦هـ. انظر ترجمته في: بغية الوعاة "٢/ ٦٣"، والبداية والنهاية "١١/ ٤٨"، وتذكرة الحفاظ "٢/ ٦٣١"، ودائرة المعارف الإسلامية "١/ ٢٦٠"، وشذرات الذهب "٢/ ١٦٩"، وطبقات المفسرين للداودي "١/ ٢٤٥"، والفهرست لابن النديم "٧٧"، ولسان الميزان "٣/ ٣٥٧"، والمنتظم "٥/ ١٠٢"، وميزان الاعتدال "٢/ ٥٠٣"، والنجوم الزاهرة "٣/ ٧٥"، ووفيات الأعيان "٢/ ٢٤٦". ٢ "٤٤" سورة الإسراء. ٣ هذا النص موجود في كتاب: "المسائل والأجوبة في الحديث واللغة" لابن قتيبة "ص: ١٢"، وبقية الكلام هو: "لأنه إنما يعلم بفهمه، على مذهب العرب في تسمية الشيء بما كان له سببًا". ٤ كون الفقه لغة: الفهم أورده أبو الخطاب في كتابه "التمهيد"، الورقة "٢/ أ" كما أورده ابن عقيل في كتابه "الواضح" الجزء الأول الورقة "٢/ ١" وقد ذكر التعريف الذي قال به شيخه أبو يعلى بصيغة التمريض. وهناك آراء أخرى ساقها الطوفي في شرحه على مختصر الروضة الجزء الأول الورقة "٢١، ٢٢/ أ" كما ساقها أبو البقاء الفتوحي في كتابه: "شرح الكوكب المنير: "ص: ١١" فارجع إليهما إن شئت.
[ ١ / ٦٨ ]
الشرعية دون العقلية١. نحو التحريم والتحليل والإيجاب والإباحة والندب وصحة العقد وفساده ووجوب غرم وضمان قيمة متلف وجناية.
وإطلاق اسم الفقه لا يجري على العلم بالنجوم والطب والفلسفة، وإنما يجري على العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية٢.
_________________
(١) ١ هذا التعريف ذكره أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٢/ أ" بنصه غير معزوٍّ لأحد. وذكر ابن عقيل في كتابه: "الواضح" الجزء الأول الورقة "٢/ أ" تعريفين: الأول: الفقه عبارة عن فهم الأحكام الشرعية بطريق النظر. الثاني: وقال قوم: هو العلم بالأحكام الشرعية بطريق النظر والاستنباط. وقد ذكر الطوفي كثيرًا من التعريفات، وناقشها مناقشة علمية، وذلك في شرحه على مختصر الروضة، الجزء الأول، الورقات "٢٣، ٢٤، ٢٥" "ولمزيد من الفائدة راجع كتاب: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي "١/ ٨"، وشرح الكوكب المنير" ص: ١١" و"المعتمد" لأبي الحسين البصري "١/ ٨، ٩"، و"شرح تنقيح الفصول" للقرافي "ص: ١٧". ٢ إن أراد المؤلف أن ذلك الإطلاق قيِّد بالعرف فمسلّم. وإن أراد أن ذلك لغة، فغير مسلم، فقد قال القرافي في كتابه "شرح تنقيح الفصول" "ص: ١٦": "الفقه هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب لغة، وإنما اختصت بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف كذلك نقله المازري في شرح البرهان". كما قد قال ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٤٤٢" ما نصه: "الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه، وكل علم بشيء فهو فقه، يقولون: لا يفقه ولا ينقه، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه".
[ ١ / ٦٩ ]
وأما أصول الفقه فهو: عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به؛ لأن أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، إما باستخراج أو تنبيه١. فسميت هذه الأصول بهذا الاسم؛ لأن بها يتوصل إلى العلم بغيرها، فتكون أصلا له، فلا يجوز أن يقال: إن [الكلام في] أصول الفقه هو: الكلام في أدلة الفقه؛ لأن من ذكر الدلالة على إثبات صيغة العموم لا يقال: إنه ذكر دليلًا في الفقه، وإنما أدلة الفقه: عبارة عن استعمال ألفاظ العموم وطرق الاجتهاد. والكلام في أصول الفقه ما يدل على إثبات مقتضى هذه الأشياء وموجبها وصحتها وفسادها، ولا يجوز أن تعلم هذه الأصول قبل النظر في الفروع؛ لأن من لم يعتد طرق الفروع والتصرف فيها، لا يمكنه الوقوف على ما يبتغي بهذه الأصول من الاستدلال والتصرف في وجوه القياس والمواضع التي يقصد بالكلام إليها، ولهذا يوجد أكثر من ينفرد بعلم الكلام دون الفروع مقصرًا في هذا الباب، وإن كان يعرف طرق هذه الأصول وأدلتها٢.
_________________
(١) ١ نقل الطوفي كلام القاضي هذا وتعقبه بقوله: "قلت: ما ذكره في أصول الفقه صحيح. أما قوله: أصل الشيء ما تعلق به، فليس بجيد، إذ قد يتعلق الشيء بما ليس أصلا له، كتعلق الحبل بالوتد في المحسوسات، وتعلق السبب بالمسبب والعلة بالمعلول في المعقولات". انظر شرح مختصر الروضة، الجزء الأول، الورقة "٢١/ أ". وعرَّف أبو الحسين البصري "الأصل" بقوله: "فأما قولنا: أصول، فإنه يفيد في اللغة، ما يبتنى عليه غيره ويتفرع عليه" "المعتمد" "١/ ٩". وعرَّفه الآمدي بقوله: "فأما أصول الفقه، فاعلم أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه" "الإحكام" "١/ ٨". أما "الأصل" في اصطلاح الأصوليين فله أربعة معانٍ: الدليل، والرجحان، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه. انظر "شرح تنقيح الفصول" "ص: ١٥"، و"شرح الكوكب المنير" "ص: ١٠" و"كشاف اصطلاح الفنون" "١/ ٨٥". ٢ هذا رأي المؤلف، إلا أن بعض العلماء، كابن عقيل -مثلا- يرى أن معرفة الأصول أولى بالتقديم من معرفة الفروع؛ لأن الفروع تنبني عليها. راجع "الْمُسَوَّدَة" لآل تيمية "ص: ٥٧١" و"شرح الكوكب المنير"ص: ١٤".
[ ١ / ٧٠ ]
وإذا كان القصد من [٢/ ب] ١ وما هو متعلق بها [الذي] ٢ يقول: إن أصول الفقه وأدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل واستصحاب حال.
وقد قيل: إن أصول الفقه وأدلة الشرع على ضربين أحدهما: ما طريقه الأقوال والآخر الاستخراج.
فأما الأقوال: فهي مثل النص والعموم والظاهر ومفهوم الخطاب وفحواه والإجماع.
وأما الاستخراج فهو القياس.
والأول أصح؛ لأنه أعم، وذلك أنه يدخل فيه دليل الخطاب واستصحاب الحال، وتلك أصول عندنا.
ولم أذكر قول الواحد من الصحابة إذا لمن يخالفه غيره؛ لأن الرواية عن الإمام أحمد٣ -﵀- مختلفة، ونحن نذكره مفردًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ هنا طمس يقارب نصف سطر لم أستطع قراءته. ٢ هذه الكلمة لم أستطع قراءتها في الأصل إلا بعد العثور عليها ضمن النص الذي نقله الطوفي في شرحه لمختصر الروضة الجزء الأول الورقة "١٦/ أ" حيث قال: "ومنهم من مشايخ أصحابنا القاضي أبو يعلى -﵀- قال في "العدة": الذي يقول: إن أصول الفقه وأدلة الشرع " إلى قوله: "واستصحاب حال". ٣ هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، ألفت الكتب الكثيرة في حياته وجهاده وعلمه وخلقه قديمًا وحديثًا، فمن القدماء ابن الجوزي، ومن المحدثين أبو زهرة وعبد الحليم الجندي وعبد العزيز سيد الأهل والمتمشرق باتون وغيرهم. توفي ببغداد سنة: ٢٤١هـ، وله من العمر سبع وسبعون سنة.
[ ١ / ٧١ ]
فأما الأصل فثلاثة أضرب: الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فضربان: مجمل ومفصل، ويأتي شرحهما في باب الحدود١.
وأما السنة فعلى ضربين:
ضرب يؤخذ من النبي -ﷺ- مشاهدة وسماعًا. فهذا يجب على كل أحد قبوله واعتقاده على ما جاء به من وجوب وندب وإباحة وحظر، ومن لم يقبله كفر؛ لأنه كذبه في خبره.
وضرب يؤخذ خبرًا عنه، والكلام فيه في موضعين:
أحدهما في إسناده، والآخر في متنه، فأما الإسناد فضربان:
أحدهما متواتر والآخر آحاد.
والمتن على ضربين: قول وفعل وإقرار على قول وفعل، ويأتي شرح ذلك في باب الأخبار٢.
وأما الإجماع: فيأتي الكلام في تفصيله في باب الإجماع٣.
وأما مفهوم الأصل فذلك على ثلاثة أضرب: مفهوم الخطاب ودليله ومعناه، ويأتي شرح ذلك في باب الحدود٤.
وأما استصحاب الحال فذلك على ضربين:
أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي
_________________
(١) ١ "ص: ١٠٠". ٢ "ص: ٨٣٩". ٣ "الورقة: ١٥٨" وما بعدها. ٤ "ص: ١٥٢".
[ ١ / ٧٢ ]
عليه، وهذا صحيح بإجماع أهل العلم، وذلك مثل أن يسأل حنبلي عن الوتر فيقول: ليس بواجب١؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل الشرعي على وجوبه.
والثاني: استصحاب حكم الإجماع، فهو أن تجمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، هل يجب استصحاب حال الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أم لا؟ على خلاف بينهم، يأتي الكلام فيه٢ إن شاء الله تعالى٣.
_________________
(١) ١ الوتر غير واجب عند الحنابلة. راجع "المغني" لابن قدامة "٢/ ١٣٢" و"منتهى الإرادات" لابن النجار الحنبلي "١/ ٩٨" و"التنقيح المشبع" للمرداوي "ص: ٥٤"، كما أنه غير واجب عند الشافعية، انظر "حاشية قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلى" "١/ ٢١٢"، وكذلك الشأن عند المالكية، راجع "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" "١/ ٣١٣" وما بعدها، و"الشرح الصغير" لأبي البركات الدردير "١/ ٤١١". أما الحنفية فالوتر عندهم واجب، راجع في ذلك "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي "١/ ١٦٨- ١٧٠"و"شرح فتح القدير" لابن الهمام "١/ ٤٢٣- ٤٣٤". ٢ الورقة: ١٩٠. ٣ فات المؤلف أن يذكر تعريف الأصولي، وتعريف الفقيه، وحكم تعلم أصول الفقه، وتكميلا للفائدة نذكر ذلك فيما يلي: فالأصولي -كما يقول أبو البقاء الفتوحي- في كتابه "شرح الكوكب المنير" "ص: ١٤": "هو من عرف القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية. أما الفقيه فهو: من عرف جملة غالبة من الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو بالقوة" هكذا عرفه الفتوحي في كتابه السابق ذكره. أما حكم تعلمها، فعلى قولين: الأول: أنه فرض كفاية. والثاني: أنه فرض عين على من أراد الاجتهاد. ارجع إلى "المسودة" "ص: ٥٧١" و"شرح الكوكب المنير" "ص: ١٤".
[ ١ / ٧٣ ]