فمنها "الواو"، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون في العطف مثل قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وهي توجب الجمع على قول أصحابنا، ولهذا قالوا فيمن قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، وقع عليها تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق طلقتين، وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: إنها توجب الترتيب.
والوجه في أنها لا توجب الترتيب: أنها تستعمل فيما لا يقع فيه الترتيب، وهو قولهم: اشترك فلان وفلان، ولا يجوز أن يقولوا: اشترك فلان ثم فلان.
ولأن قائلا لو قال: رأيت زيدًا وعَمْرًا، لم يفهم منه أنه رأى زيدًا قبل عمرو٣، ولو كان المفهوم منه الترتيب لوجب إذا رآهما معًا أو رأى عمرًا قبل زيد، أن يكون كاذبًا في خبره، ولوجب إذا قال: رأيت
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل: "الواضح في أصول الفقه" الجزء الأول، الورقة "٢٥"وما بعدها، و"التمهيد في أصول الفقه" الورقة "١٦"، ما بعدها، و"أصول الجصاص" الجزء الأول "٣٣" مخطوطة الأزهر. ٢ الآية "٦" من سورة المائدة. ٣ هذا معنى كلام المبرد الذي ساقه الجصاص في "أصوله" الجزء الأول، الورقة "٣٤"، إلا أن القاضي أبا يعلى أطال في بيانه، وأدخل عليه الصناعة المنطقية.
[ ١ / ١٩٤ ]
زيدًا وعمرًا معًا، أن يكون مناقضًا في كلامه، كما لو قال: رأيت زيدًا ثم عمرًا، كان مناقضًا.
وأيضًا روي أن النبي -ﷺ- سمع رجلا يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: "أمثلان أنتما؟! قل: ما شاء الله ثم شئت"١، فلو كان الواو توجب الترتيب لكان قوله: وشئت، وقوله: ثم شئت- سواء، وقد فرق النبي -ﷺ- بينهما، وأمره بأحدهما ونهاه عن الآخر، فعلم أن أحدهما يوجب الجمع والآخر الترتيب.
واحتج من قال: إنها للترتيب، بما روي عن عدي بن حاتم٢ أنه قال: خطب رجل عند رسول الله
_________________
(١) ١ هذا حديث روته: قتيلة بنت صيفي الجهنية. ويقال: الأنصارية، مرفوعًا. أخرجه عنها النسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالكعبة "٦/ ٧" ولفظه: أن يهوديًّا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: "إنكم تنددون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة" فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت. وأخرج أبو داود في كتاب الأدب، باب ما لا يقال: خبثت نفسي "٢/ ٥٩١" عن حذيفة -﵁- عن النبي -ﷺ: أنه قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان". وأخرجه عنه الإمام أحمد "٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨" وإسناده صحيح. ٢ هو عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أبو طريف. أحد المهاجرين، قدم على النبي -ﷺ- سنة سبع، كان سيدًا في قومه، وافر العقل، حاضر الجواب، كما كان كريْمًا فاضلا، شهد مع علي -﵁- الجمل وصفين والنهروان، نزل الكوفة، وسكنها، وبها مات سنة: ٦٨هـ، وله مائة وعشرون سنة تقريبًا. له ترجمة في: "الاستيعاب": "٣/ ١٠٥٧"، و"الإصابة" القسم الرابع، ص: ٤٦٩" طبعة دار نهضة مصر.
[ ١ / ١٩٥ ]
ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي ﷺ: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" ١، وهذا يدل على أن الواو ترتيب؛ لأن قوله: ومن يعصهما جمع من غير شك، ولا يجوز أن يكون المنهي عنه هو المأمور [به] .
والجواب: أنه إنما أمره بذلك لئلا يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله -ﷺ- في كتابة واحدة؛ لأن ذلك منهي عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٢، ولم يقل يرضوهما٣.
واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال لعبد بني الحسحاس٤، لما أنشده [١٧/ ب]:
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه عدي بن حاتم -﵁- مرفوعًا. أخرجه عنه مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة "٢/ ٥٩٤". وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأدب، باب منه، أي: من باب لا يقال.. "٢/ ٩٥٢". وأخرجه عنه النسائي في كتاب النكاح، باب ما يكره من الخطبة "٦/ ٧٤". وراجع فيه أيضًا: "نيل الأوطار" "٣/ ٣٠١". ٢ "٦٢" سورة التوبة. وقد نقل الآية هكذا: "أن ترضوه" بالتاء والآية في المصحف كما أثبتناها. ٣ في الأصل: "ترضوهما" بالتاء، غير أن الآية بالياء. ٤ في الأصل "الجسجاس" بالجيم فيهما، وهو خطأ، والصواب: ما أثبتناه. وهو سحيم عبد بني الحسحاس الحبشي، أدرك النبي -ﷺ، شاعر مخضرم، أنشد عمر بن الخطاب -﵁، له ديوان مطبوع. قيل: إنه قتل في خلافة عثمان -﵁- على يد بعض مواليه من بني الحسحاس؛ بسبب تغزله في امرأة منهم. له ترجمة في "الإصابة" "٣/ ١٦٣، ١٦٤"، و"الأغاني" "٢٠/ ٢- ٩"، و"طبقات الشعراء" "ص: ٤٣، ١٥٦، ١٥٧".
[ ١ / ١٩٦ ]
عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا١
لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، وهذا يدل على أن الواو للترتيب.
والجواب: أنه لم يقل هذا لأجل الترتيب، وإنما قال ذلك؛ لأن البداية يجب أن تكون بالأهم فالأهم والأشرف، والإسلام أهم وأشرف وأولى.
واحتج: بأن من أنفذ رسولين، وكتب بذكرهما كتابًا وقال: أنفذت إليك فلانًا وفلانًا، اعتقد كل عالم باللغة أن المبتدأ بذكره مقدم على الآخر في القدر والمحل.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: إن المفهوم من هذا الجمع بينهما في الرسالة.
الحال الثانية من أحوال الواو: أن يكون في القسم، فيكون بدلا من الباء؛ لأن الأصل في القسم: أَحْلِفُ، أو أقسمُ بالله، ثم حذفوا فقالوا: بالله لقد كان كذا، ثم جعلوا "الواو" بدلا من "الباء"؛ لأن مخرجهما من الشفتين، فقالوا: والله.
الحال الثالثة من أحوالها: أن تكون الواو في ابتداء الكلمة مثل قولهم:
_________________
(١) ١ هذا البيت مطلع قصيدة قالها الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، ورواية الديوان "ص: ١٦" للبيت موافقة لما أورده المؤلف، غير أن ابن حجر ذكر البيت في كتابه: "الإصابة" "٣/ ١٦٣، ١٦٤" هكذا: ودع سليمى إن تجهزت غاديا والبيت مذكور في: "حاشية الأمير" على المغني "١/ ٩٩".
[ ١ / ١٩٧ ]
ومهمهٍ مغبرَّةٍ أرجاؤه١
وهذه الواو بدل من "رب"، فكأنه قال: رب مهمه، ولا يجوز هذا إلا في الشعر، ولا يجوز في غيره.
وقد تكون بمعنى "أو"، قال تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ هذا الرجز للشاعر رؤبة بن العجاج، وبعده: كأن لون أرضه سماؤه انظر: "ديوان رؤبة" "ص: ٤"، و"التصريح على التوضيح" "٢/ ٣٣٩". ٢ "٣" سورة النساء.
[ ١ / ١٩٨ ]