فصل: [في تعريف العام والظاهر]: ١
والعموم: ما عم شيئين فصاعدًا ٢.
والظاهر: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر.
والفرق بين العموم والظاهر: أن العموم ليس بعض ما تناوله اللفظ
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل: "التمهيد" لأبي الخطاب الورقة "٥٠-٥٥"، و"الواضح" لابن عقيل، الجزء الأول، الورقة "٨"، و"المسودة" "ص: ٥٧٤"، و"شرح الكوكب المنير" "ص: ٣٤٣" من الملحق، و"روضة الناظر" "ص: ١١٥". ٢ عرَّفه أبو الحسين البصري في كتابه "المعتمد" "١/ ٢٠٣" بقوله: هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له. وقد تابعه أبو الخطاب الحنبلي في ذلك. انظر التمهيد، الورقة "٥٠/ أ". واختاره الرازي وزاد عليه قوله: بحسب وضع واحد. وارتضاه الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول" "ص: ١١٢، ١١٣" وزاد عليه قوله: "دفعة". أما الغزالي فقد عرّفه في كتابه "المستصفى" "٢/ ٣٢" بقوله: "اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا". وقد ذكر في "المسودة" "ص: ٥٧٤" تعريف القاضي أبي يعلى، وعزاه إليه وإلى أبي الطيب ثم قال بعد ذلك: "وهو مدخول من وجوه"، ولم يذكر شيئًا من هذه الوجوه. وأول ما يلاحظ عليه وعلى تعريف الغزالي: أنهما جعلا في التثنية عمومًا. ولمزيد من الاطلاع راجع: "المنخول" "ص: ١٣٨"، و"الإحكام" لابن حزم "١/ ٣٩"، و"نهاية السول"، شرح "منهاج الأصول" "٢/ ٣١٢".
[ ١ / ١٤٠ ]
بأظهر من بعض وتناوله للجميع تناول واحد، فيجب حمله على عمومه، إلا أن يخصه دليل أقوى منه.
و[أما] الظاهر فإنه يحتمل معنيين، إلا أن أحدهما أظهر وأحق باللفظ من الآخر، فيجب حمله على أظهرهما، ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه. وكل عموم ظاهر، وليس كل ظاهر عمومًا؛ لأن العموم يحتمل البعض، إلا أن الكل أظهر.
فالعموم مثل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، [٩/ ب] ومثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٢ فكانا عامين في جميع ما تناولاه. ومثل ذلك أكثر من أن يحصر.
والظاهر: مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ٣، فإنه يحتمل الندب، إلا أن ظاهره الوجوب؛ لأنه أمر وظاهر الأمر الوجوب، فسمي ظاهرًا لذلك٤.
وكذلك كل لفظ محتمل لمعنيين أحدهما أظهر من الآخر من طريق اللغة، أو من طريق الاستدلال. من ذلك ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال للمرتهن: "ذهب حقك" ٥ فيحتمل أن يكون المراد به الدين، ويحتمل
_________________
(١) ١ "٥" سورة التوبة. ٢ "١٠٣" سورة التوبة. ٣ "٣٣" سورة النور. ٤ هل الأمر للوجوب أو للندب؟ قولان: الأول للشافعي، والثاني لمالك وأبي حنيفة، وحجة الشافعي: ظاهر الآية. وحجة أبي حنيفة: السنة والقياس. انظر: "تفسير الفخر الرازي" "٢٣/ ٢١٩، ٢٢٠". ٥ هذا الحديث قاله النبي -ﷺ- للمرتهن لما نفق فرس الرهن عنده. وهو حديث مرسل. أرسله عطاء، كما صرح بذلك أبو داود في "مراسيله" "ص: ٢١". ونقل الزيلعي في "نصب الراية "٤/ ٣٢١" عن عبد الحق قوله: "إنه مرسل وضعيف" وقد بَيَّن ابن القطان الضعف بأن فيه: مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف، كثير الغلط، وإن كان صدوقًا. ومصعب هذا قال عنه الذهبي في كتابه "المغني" "٢/ ٦٦٠": ضعفه ابن معين وأحمد وأبو حاتم.
[ ١ / ١٤١ ]
حقه من الوثيقة، إلا أن الظاهر حقه من الوثيقة؛ لأنه لم يسأل عن مقدار قيمة الرهن، ومن يسقط الدين فإنما يسقطه بقدر قيمة الرهن، فدل على أن مراده به حقه من الوثيقة.
وكذلك قول علي بن أبي طالب -﵁: "هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن"١؛ فيحتمل أن يكون إخبارًا عن ضمان سابق، ويحتمل أن يكون ابتداء ضمان، ولكن الظاهر منه ابتداء ضمان؛ لأن حمله على الإخبار يؤدي إلى خطأ النبي -ﷺ- فإنه ترك الصلاة على من كان قد خلف ضامنًا، والضامن بمنزلة الوفاء.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري -﵁- أخرجه عنه الدارقطني والبيهقي بأسانيد كلها -كما يقول الحافظ ابن حجر- ضعيفة. انظر: "تلخيص الحبير" "٣/ ٤٧".
[ ١ / ١٤٢ ]