هذا العامل يؤثّر بطريقة معاكسة للعامل السابق؛ إذ عِوضًا عن تأييد اعتبار المظنة أو الحكمة بالنص، قد يعمد الشارع إلى إلغاء اعتبار التعليل بأحدهما بالنصّ على هذا الإلغاء.
ومن الأمثلة على ذلك عدم اعتبار «الشّبَه» في إلحاق نسب المولود بالزوج أو السيّد؛ إذ ممّا لا شكّ فيه أنّ انقطاع الشبه بين المولود والزوج -كولدٍ أبيضَ لزوجين أسودين أو العكس - وإن لم يكن قاطعًا في انتفاء النسب، فهو مظنّة قويّة للارتياب فيه. ومع هذا فقد ألغاه النبي، ﷺ، على حياله، حُجّة لإثبات النسب أو نفيه، كما دلّ عليه الحديثان: حديث «لعلّه نزعه عرق» (^١)، وحديث ولد زَمْعة: «الولد للفراش» (^٢).
ومن الأمثلة أيضًا إعلانُ الكافر لإسلامه مع قيام قرائن عدم صدقه في ذلك، كأن يعلن كلمة الإيمان تحت السيف، فغالب الظنّ أنه أسلم تعوّذًا لإحراز دمه لا إيمانًا. ومع ذلك جاء النص بلزوم العمل بالمظنة (إعلان كلمة الإسلام)، وترك التعويل على الحكمة (حقيقة الإيمان)، كما دلّ عليه حديث أسامة بن زيد، ﵁، حين قَتل من نطق بكلمة التوحيد خوفًا من السيف، فقال له النبي، ﷺ: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» (^٣).
ومنها: تركُ التعويل على ظنّ الإحداث في الصلاة بمجرّد الحسّ الداخلي، من دون سماع صوت ظاهر أو شمّ ريح (^٤)، وفي هذا دليل على لزوم ترك العلامة الخفية (مظنة الإحداث)، والتعويل على العلامة الظاهرة القطعية التي يُتيقّن معها من حصول الحكمة (حقيقة الإحداث)، فهو نقل للاعتبار من المظنة إلى المئنة/ الحكمة. وكذلك في الحكم بنجاسة الثوب أو المكان دلّت أدلة شرعية عدّة على اعتبار المئنة/ الحكمة وعدم التعويل على المظانّ.
_________________
(١) المرجع السابق، ٧/ ٥٣؛ مسلم، الصحيح، ٢/ ١١٣٧.
(٢) البخاري، الصحيح، ٣/ ٨١؛ مسلم، الصحيح، ٢/ ١٠٨٠.
(٣) البخاري، الصحيح، ٥/ ١٤٤؛ مسلم، الصحيح، ١/ ٩٦.
(٤) ينظر: البخاري، الصحيح، ١/ ٣٩؛ مسلم، الصحيح، ١/ ٢٧٦.
[ ١٢٧ ]
ومن الأمثلة على إلغاء اعتبار التعليل بالحكمة في بعض المواطن ما دلّ النصُّ على بقائه من الأحكام بعد زوال حكمته التي شرُع لأجلها ابتداء، وذلك كرَمَله واضطباعه، ﷺ، في حجّة الوداع، ولم يكن يومئذٍ بمكة مشرك، فدلّ ذلك على إلغاء التعليل بالحكمة التي شُرع الرمل والاضطباع لأجلها في عمرة القضية، وهي إظهار القوّة والجلَد للمشركين (^١).
ومن ذلك أيضًا: إلغاءُ التعليل بحكمة الخوف التي لأجلها شُرع القصر في السفر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، وذلك لاستمرار فعل النبي، ﷺ، القصر، حتى مع ارتفاع الخوف، ولقوله حين روجع في ذلك: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (^٢).
ومما يجدر التنبيه إليه هنا أنّ زوال الحكمة في هذه الوقائع لا يعني أنّ الحكم استمرّ من غير حكمة مطلقًا، فهذا غير وارد لأنّ الشارع حكيم، بل كلُّ ما في الأمر أنّ الحُكم شرُع ابتداءً لحكمة معيّنة ثمّ استمرّ لحكمةٍ أخرى خَلَفتِ الحكمةَ الأولى.