بَابُ أَدَبِ الْجِدَالِ يَنْبَغِي لِلْمُجَادِلِ، أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى جِدَالِهِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَلِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
[ ٢ / ٤٧ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلِ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
[ ٢ / ٤٧ ]
أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْوَاعِظُ، نا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الْأَنْبَارِيُّ إِمْلَاءً، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ ﷿»
[ ٢ / ٤٨ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلِ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، نا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: «الْإِيمَانُ عُرْيَانٌ، وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى، وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ، وَمَالُهُ الْفِقْهُ» وَيُخْلِصُ النِّيَّةَ فِي جِدَالِهِ، بِأَنْ يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى
[ ٢ / ٤٨ ]
فَقَدْ أنا أَبُو الْقَاسِمِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ الْحَافِظُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ، أنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِإِمْرِئٍ مَا نَوَى» ⦗٤٩⦘ وَلْيَكُنْ قَصْدُهُ فِي نَظَرِهِ إِيضَاحُ الْحَقِّ، وَتَثْبِيتُهُ دُونَ الْمُغَالَبَةِ لِلْخَصْمِ، فَقَدْ:
[ ٢ / ٤٨ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ السَّكُونِيُّ، أنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ، يَقُولُ: «يَا قَوْمُ، أَرِيدُوا بِعِلْمِكُمُ اللَّهَ ﷿، فَإِنِّي لَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ، أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَتَوَاضَعَ، إِلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أَعْلُوهُمْ، وَلَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَعْلُوهُمْ، إِلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أُفْتَضَحَ»
[ ٢ / ٤٩ ]
أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْعُكْبَرِيُّ، إِجَازَةً، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ، بِهَا، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ ح وأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا عَيَّاشُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ الْكَرَابِيسِيَّ، يَقُولُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَحِفْظٌ، وَمَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ بَيَّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ وَيَبْنِي أَمْرَهُ عَلَى النَّصِيحَةِ لِدِينِ اللَّهِ، وَلِلَّذِي يُجَادِلُهُ، لِأَنَّهُ أَخُوهُ ⦗٥٠⦘ فِي الدِّينِ، مَعَ أَنَّ النَّصِيحَةَ وَاجِبَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ»
[ ٢ / ٤٩ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»
[ ٢ / ٥٠ ]
أنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ: قَرِيبُ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الزَّعْفَرَانِيَّ يَعْنِي: الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَأَبَا الْوَلِيدِ بْنَ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ أَحَدُهُمَا: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ، وَهُوَ يَحْلِفُ، وَيَقُولُ: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا عَلَى النَّصِيحَةِ» وَقَالَ الْآخَرُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، قَالَ: «وَاللَّهِ مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ»
[ ٢ / ٥٠ ]
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ ⦗٥١⦘: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: " مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ وَلْيَرْغَبْ إِلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِ لِطَلَبِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَيَسْتَشْعِرُ فِي مَجْلِسِهِ الْوَقَارَ، وَيَسْتَعْمِلُ الْهُدَى، وَحُسْنَ السَّمْتِ وَطُولَ الصَّمْتِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْكَلَامِ
[ ٢ / ٥٠ ]
فَقَدْ: أنا أَبُو الْفَرَجِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي الْبَرَكَانِيُّ، نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْهَدْيُ الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ، وَالِاقْتِصَادُ وَالتُّؤَدَةُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»
[ ٢ / ٥١ ]
أنا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: " إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْ خَصْمِهِ فِي جِدَالِهِ كَلِمَةٌ كَرِهَهَا، أَغْضَى عَلَيْهَا، وَلَمْ يُجَازِهِ بِمِثْلِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] "
[ ٢ / ٥٢ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانِ الْمُعَدِّلِ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، نا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ قُرَيْشٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ مَا تَقْضِي بِالْعَدْلِ، وَلَا تُعْطِي الْجَزْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَهَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: «صَدَقْتَ صَدَقْتَ»، فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نَارًا فَأُطْفِئَتْ
[ ٢ / ٥٢ ]
أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ الْعُكْبَرِيُّ، نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، نا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، أَوْ غَيْرِهِ: عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] قَالَ: «حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا» وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَشْهَدُ لِخَصْمِهِ بِالزُّورِ، أَوْ عِنْدَ مَنْ إِذَا وَضَحَتْ لَدَيْهِ الْحُجَّةُ دَفَعَهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِقَامَتِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِ الْحَقِّ إِلَّا مَعَ الْإِنْصَافِ، وَتَرْكِ التَّعَنُّتِ وَالْإِجْحَافِ
[ ٢ / ٥٣ ]
أنا أَبُو عُمَرَ: عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ هُوَ: الرَّمَادِيُّ، نَا حَرْمَلَةُ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يَقُولُ: «ذُلٌّ وَإِهَانَةٌ لِلْعِلْمِ، إِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالْعِلْمِ، عِنْدَ مَنْ لَا يُطِيعُهُ» وَيَكُونُ كَلَامُهُ يَسِيرًا جَامِعًا بَلِيغًا، فَإِنَّ التَّحَفُّظَ مِنَ الزَّلَلِ مَعَ الْإِقْلَالِ دُونَ الْإِكْثَارِ، وَفِي الْإِكْثَارِ أَيْضًا مَا يُخْفِي الْفَائِدَةَ، وَيُضَيِّعُ الْمَقْصُودَ، وَيُورِثُ الْحَاضِرِينَ الْمَلَلَ
[ ٢ / ٥٣ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ الْبَزَّازُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، قَالَا: أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، مَوْلَى مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، يَقُولُ: " الْحَزْمُ فِي الْمُجَالَسَةِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُكَ عِنْدَ الْأَمْرِ، وَالسُّؤَالِ وَالْمَسْأَلَةِ، فِي مَوْضِعِ الْكَلَامِ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ مَخَافَةَ الزَّلَلِ، فَإِذَا أُمِّرْتَ فَاحْكُمْ، وَإِذَا سُئِلَتْ فَأَوْضِحْ، وَإِذَا طَلَبْتَ فَأَحْسِنْ، وَإِذَا أَخْبَرْتَ فَحَقِّقْ، وَاحْذَرِ الْإِكْثَارَ وَالتَّخْلِيطَ، فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ، كَثُرَ سَقْطُهُ " وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي كَلَامِهِ عَالِيًا، فَيَشُقُّ حَلْقَهُ وَيَحْمِي صَدْرَهُ وَيَقْطَعُهُ، وَذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، اسْمُهُ عَبْدُ الصَّمَدِ، تَكَلَّمَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: لَا تَرْفَعَنَّ صَوْتَكَ يَا عَبْدَ الصَّمَدِ، إِنَّ الصَّوَابَ فِي الْأَسَدِّ لَا الْأَشَدِّ، وَلَا يُخْفِي صَوْتَهُ إِخْفَاءً لَا يَسْمَعُهُ الْحَاضِرُونَ، فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا، بَلْ يَكُونُ مُقْتَصِدًا بَيْنَ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِصْلَاحُ مِنْ مَنْطِقِهِ، وَتَجَنُّبُ اللَّحْنِ فِي كَلَامِهِ وَالْإِفْصَاحُ عَنْ بَيَانِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ فِي مُنَاظَرَتِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى اسْتِعَانَةِ
[ ٢ / ٥٤ ]
مُوسَى بِأَخِيهِ ﵉ حَيْثُ تَقُولُ: ﴿وَأَخِي هَارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قُولِي﴾ [طه: ٢٨]
[ ٢ / ٥٥ ]
أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ، نا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمَعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ إِمْلَاءً، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، نا الْمَازِنِيُّ، قَالَ: سَمِعَ أَبُو عَمْرٍو أَبَا حَنِيفَةَ، يَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ وَيَلْحَنُ، فَأَعْجَبَهُ كَلَامُهُ وَاسْتَقْبَحَ لَحْنَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَخِطَابٌ لَوْ سَاعَدَهُ صَوَابٌ» ثُمَّ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: «إِنَّكَ أَحْوَجُ إِلَى إِصْلَاحِ لِسَانِكَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»
[ ٢ / ٥٥ ]
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، بِطَبَرِسْتَانَ، نا أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: " مَا هِبْتُ عَالِمًا قَطُّ مَا هِبْتُ مَالِكًا، حَتَّى لَحَنَ، فَذَهَبَتْ هَيْبَتُهُ مِنْ قَلْبِي، وَذَلِكَ أَنَّنِي سَمِعْتُهُ، يَقُولُ: مُطِرْنَا مَطَرًا، وَأَيُّ مَطَرًا، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: كَيْفَ لَوْ قَدْ رَأَيْتَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ كُنَّا إِذَا قُلْنَا لَهُ " كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ يَقُولُ: بِخَيْرًا بِخَيْرًا وَإِذَا مَالِكٌ قَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ قُدْوَةً يُقْتَدَى بِهِ فِي اللَّحْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ فِي وَقْتِ
[ ٢ / ٥٥ ]
مَالِكٍ، وَبَعْدَ مَالِكٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا فَقِيهًا عَالِمًا، حَسَنُ الْمَعْرِفَةِ، بَيِّنُ الْبَيَانِ، عَذْبُ اللِّسَانِ يَحْتَجُّ وَيُعْرِبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِصَدْرِ سَرِيرٍ أَوْ ذِرْوَةِ مِنْبَرٍ، وَمَا عَلِمَتْ أَنَّنِي أَفَدْتُهُ حَرْفًا، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ، مَا لَوْ حَفِظَ رَجُلٌ يَسِيرَهُ لَكَانَ عَالِمًا " وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى مُطَالَعَةِ كُتُبِهِ عِنْدَ وَحْدَتِهِ، وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ فِي خَلْوَتِهِ، بِذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَحِكَايَةِ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، لِئَلَّا يِنْحَصِرَ فِي مَجَالِسِ النَّظَرِ إِذَا رَمَقَتْهُ أَبْصَارُ مَنْ حَضَرَ
[ ٢ / ٥٦ ]
قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ، قَالَ: نا ابْنُ إِدْرِيسَ، بِهَرَاةَ، نا الرَّبِيعُ، قَالَ: قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَنْ أَقْدَرُ النَّاسِ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ؟ فَقَالَ: «مَنْ عَوَّدَ لِسَانَهُ الرَّكْضَ فِي مَيْدَانِ الْأَلْفَاظِ، وَلَمْ يَتَلَعْثَمْ إِذَا رَمَقَتْهُ الْعُيُونُ بِالْأَلْحَاظِ، وَلَا يَكُونُ رَخِيَّ الْبَالِ، قَصِيرَ الْهِمَّةِ، فَإِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ صَعْبَةٌ لَا تَنَالُ إِلَّا بِالْجَدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَسْتَحْقِرُ خَصْمَهُ لِصِغَرِهِ فَيُسَامِحُهُ فِي نَظَرِهِ، بَلْ يَكُونُ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ فِي الِاسْتِيفَاءِ وْالِاسْتِقْصَاءِ، لِأَنَّ تَرْكَ التَّحَرُّزَ وَالِاسْتِظْهَارَ يُؤَدِّي إِلَى الضَّعْفِ وَالِانْقِطَاعِ»
[ ٢ / ٥٦ ]
أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ ⦗٥٧⦘: «إِنَّمَا يَقْتُلُ الْكِبَارَ الْأَعْدَاءُ الصِّغَارُ، الَّذِينَ لَا يُخَافُونَ فَيُتَّقُونَ، وَلَا يُؤْبَهُ لَهُمْ وَهُمْ يَكِيدُونَ»
[ ٢ / ٥٦ ]
وَأَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِدْرِيسِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْفَتْحِ الْبَسْتِيُّ: «
[البحر الكامل]
لَا يَسْتَخِفَنَّ الْفَتَى بِعَدُوِّهِ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ ضَئِيلَا
إِنَّ الْقَذَى يُؤْذِي الْعُيُونَ قَلِيلُهُ وَلَرُبَّمَا جَرَحَ الْبَعُوضُ الْفِيَلَا»
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُعْجَبًا بِكَلَامِهِ، مَفْتُونَا بِجِدَالِهِ، فَإِنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَمِنْهُ تَقَعُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ بَلِيَّةٍ
[ ٢ / ٥٧ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، نَا عَبِيدَةُ يَعْنِي: ابْنَ حُمَيْدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: قَالَ مَسْرُوقٌ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ»
[ ٢ / ٥٧ ]
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلَّانَ الْوَرَّاقُ، أنا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدَّقَّاقُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنِي يُونُسُ ⦗٥٨⦘ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَوْذَرٍ عَنْ كَعْبٍ، أَنَّهُ، قَالَ: وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْأَحَادِيثَ: «اتَّقِ اللَّهَ، وَارْضَ بِدُونِ الشُّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَلَا تُؤْذِيَنَّ أَحَدًا، فَإِنَّهُ لَوْ مَلَأَ عِلْمُكَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَعَ الْعَجَبِ مَا زَادَكَ اللَّهُ بِهِ إِلَّا سِفَالًا وَنَقْصًا»
[ ٢ / ٥٧ ]
أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَخْلَدٍ الْمُعَدِّلِ، وأَبُو الْفَتْحِ هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: نَا، وقَالَ، هِلَالٌ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ، نا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ الْمِقْدَامُ الْعِجْلِيُّ، نَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: «لَوْ كَانَ كَلَامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ صِدْقًا، وَعَمَلُهُ كُلُّهُ حُسْنًا يُوشِكُ أَنْ يُجَنَّ»، قَالُوا: وَكَيْفَ يُجَنُّ؟ فَقَالَ: «يُعْجَبُ بِعِلْمِهِ»
[ ٢ / ٥٨ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ ⦗٥٩⦘: «الْعُجْبُ شَرُّ آفاتِ الْعَقْلِ»
[ ٢ / ٥٨ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ: الْخَصِيبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ قَتَادَةَ الْمُعَدِّلُ بِأَصْبَهَانَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّمْلِيُّ، لِمَنْصُورِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهِ الْمِصْرِيِّ: «
[البحر الرمل]
قُلْتُ لِلْمُعْجَبِ لَمَّا قَالَ مِثْلِي لَا يُرَاجَعْ
يَا قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْمَخْرَجِ لِمَ لَا تَتَوَاضَعْ»
وَإِذَا وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ فِي أَوَّلِ كَلَامِ الْخَصْمِ فَلَا يَعْجَلْ بِالْحُكْمِ بِهِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْغَرَضَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ الْكَلَامُ، وَبِهَذَا أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِي وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَيَكُونُ نُطُقُهُ بِعِلْمٍ، وَإِنْصَاتُهُ بِحِلْمٍ، وَلَا يَعْجَلُ إِلَى جَوَابٍ، وَلَا يَهْجُمُ عَلَى سُؤَالٍ، وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ، وَمَنْ مُنَاظَرَتِهِ فِيمَا لَا يَفْهَمُهُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى الْخَجَلِ وَالِانْقِطَاعِ، فَكَانَ فِيهِ نَقْصُهُ وَسُقُوطُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ مَنْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيُحْرِزُهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَقْلِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: عَيِيٌّ صَامِتٌ خَيْرٌ مِنْ غَبِيٍّ نَاطِقٍ
[ ٢ / ٥٩ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّاهِرِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ⦗٦٠⦘ قَالَ، كَانَ شَابٌّ يَجْلِسُ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ صَمْتِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَا بَحْرٍ أَيَسُرُّكُ أَنَّكَ عَلَى شُرْفَةٍ مِنْ شَرَفِ الْمَسْجِدِ، وَأَنَّ لَكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: «يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ إِنَّ الْمِائَةَ الْأَلْفِ الدِّرْهَمَ لَمَحْرُوصٌ عَلَيْهَا، وَلَكِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَمَا أَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ عَلَى هَذِهِ الشُّرْفَةِ»، وَقَامَ الْفَتَى، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ الْأَحْنَفُ: «
[البحر الطويل]
وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجَبٌ زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ، وَنِصْفُ فُؤَادِهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ»
[ ٢ / ٥٩ ]
أنا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ الْعَطَّارُ، أنا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْأَبْهَرِيُّ، نا أَبُو عَرُوبَةَ هُوَ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ: مَتَى يَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ؟ قَالَ: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ» قَالَ: فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنْ طَلَعَ نِصْفُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: «قُمْ يَا أَعْرَجُ»
[ ٢ / ٦٠ ]