بَابُ الْقَوْلِ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَمَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُعْرَفُ بِقَوْلٍ، وَبِفِعْلٍ، وَبُقُولٍ وَإِقْرَارٍ، وَبِفِعْلٍ وَإِقْرَارٍ فَأَمَّا الْقَوْلُ: فَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ قَوْلُ الْجَمِيعِ عَلَى الْحُكْمِ، بِأَنْ يَقُولُوا كُلُّهُمْ، هَذَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ وَأَمَّا الْفِعْلُ: فَهُوَ أَنْ يَفْعَلُوا كُلُّهُمُ الشَّيْءَ وَأَمَّا الْقَوْلُ وَالْإِقْرَارُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَيَنْتَشِرُ فِي الْبَاقِي، فَيَسْكُتُوا عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَأَمَّا الْفِعْلُ وَالْإِقْرَارُ: فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، وَيَتَّصِلُ بِالْبَاقِينَ فَيَسْكُتُوا عَنْ إِنْكَارِهِ وَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءً كَانَ مُدَرِّسًا مَشْهُورًا، أَوْ خَامِلًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ أَوْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِي بَعْدَهُمْ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْحَادِثَةِ كَالتَّابِعِ، إِذَا أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ فِي وَقْتِ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَأَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ، كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَلِأَنَّ التَّابِعِيَّ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ، كَأَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ
[ ١ / ٤٣٠ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ نَافِعًا، حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَأَجَابَ فِيهَا، فَأُخْبِرَ ابْنُ عُمَرَ، بِجَوَابِهِ، فَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ فُتْيَا ابْنِ الْمُسَيِّبِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ؟» - يُرِيدُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ - «هُوَ وَاللَّهِ أَحَدُ الْمُفْتِينَ»
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَأَنَا ابْنُ الْفَضْلِ، أنا ابْنُ دَرَسْتُوَيْهِ، نا يَعْقُوبُ، نا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ، يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَالَ: «سَلُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَالِسَ الصَّالِحِينَ»
[ ١ / ٤٣٠ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْكُوفِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ⦗٤٣١⦘ عَفَّانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهَى حَامِلٌ، فَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَضَعَتْ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي قَالَ: فَبَعَثْنَا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءَنَا مِنْ عِنْدِهَا، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَزَوَّجَ»
[ ١ / ٤٣٠ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ بِالْبَصْرَةِ، نا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، نا أَبُو قِلَابَةَ، نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عُمَرَ، سَاوَمَ رَجُلًا بِفَرَسٍ فَأَخَذَهُ فَعَطَبَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِنِي ثَمَنَ فَرَسِي؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «بِمَنْ تَرْضَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟» قَالَ: بِشُرَيْحٍ الْعِرَاقِيِّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ أَخَذْتَهُ عَلَى سَوْمٍ، وَقَدْ لَزِمَكَ ثَمَنُهُ، فَأَعْطَى عُمَرُ ثَمَنَ الْفَرَسِ قَالَ فَوَلِيَ شُرَيْحًا الْعِرَاقَ أَوْ قَالَ الْكُوفَةَ "
[ ١ / ٤٣١ ]
وَأَنَا عَلِيٌّ، نا عَلِيٌّ، نا أَبُو قِلَابَةَ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «اجْمَعُوا لِي الْقُرَّاءَ»، وَجَعَلَ يُسَائِلُهُمْ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى شُرَيْحٍ، فَسَاءَلَهُ طَوِيلًا؟ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَنْتَ مِنْ أَقْضَى الْعَرَبِ أَوْ أَقْضَى النَّاسِ»
[ ١ / ٤٣٢ ]
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَمَذَانِيُّ، نا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: " الْعِلْمُ عِنْدَنَا مَا كَانَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابٍ نَاطِقٍ، نَاسِخٍ غَيْرِ مَنْسُوخٍ، وَمَا صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَمَا جَاءَ عَنِ الْأَلِبَّاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فَإِذَا خَفِي ذَلِكَ وَلَمْ يُفْهَمْ فَعَنِ التَّابِعِينَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ التَّابِعِينَ، فَعَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مِثْلِ: أَيُّوبَ
[ ١ / ٤٣٢ ]
السَّخْتِيَانِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدُ، مَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ أَمْثَالِهِمْ، فَعَنْ مِثْلِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ " قُلْتُ: قَصَدَ أَبُو حَاتِمٍ إِلَى تَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي أَعْصَارِهِمْ، وَلَهُمْ نُظَرَاءُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ أُولُو نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحُجَّةُ، وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ، فَكَذَلِكَ إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَسَنُوَضِّحُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ١ / ٤٣٣ ]